ألقى الرئيس اللبناني جوزف عون أمس الخميس الخطاب «المفصلي» الذي وعد به مواطنيه.
يحتاج إلقاء الخطاب، للرئيس القادم من قيادة الجيش، في وزارة الدفاع، وفي عيد هذا الجيش، قراءة تستوعب شحن كلمات الخطاب بهذه المعاني الرمزية.
طالب عون في خطابه ما سمّاها بـ»الأحزاب السياسية» في البلاد بـ»انتهاز الفرصة» وتسليم أسلحتها «عاجلا وليس آجلا»، وأكد على «حصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية» وذلك حرصا على «سيادة لبنان وحدوده وعلى تحرير أراضينا المحتلة وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها». لم يكتف الخطاب بالتهديد المضمر طبعا بل ربط هذا السياق بعروض بإعادة الإعمار ودعم يتلقاه الجيش بعشرة مليارات دولارات، بحيث ترتبط الإصلاحات والمساعدات من المجتمع الدولي بنجاح الدولة في حصر السلاح.
بعد الرئيس، تحرّك رئيس الحكومة نواف سلام بدوره، ودعا إلى جلسة حكومية تُعقد يوم الثلاثاء المقبل يبحث جدول أعمالها مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وهنا تبدأ الأمور بالتعقيد، لأن الحكومة تضم وزراء من «حزب الله» (وحركة «أمل»)، وهو الجهة المعنية بشكل رئيسي بمسألة نزع السلاح رغم أن عون حاول، بحديثه العموميّ عن الأحزاب السياسية، تجنّب ذكر اسم ذلك صراحة.
قام نعيم قاسم، أمين عام الحزب، المتوجّس من التحرّك المقبل للرئاسة والحكومة، بهجوم استباقي على خطاب عون، فاعتبر كل من يطالب حزبه في الوقت الراهن بتسليم سلاحه «يخدم المشروع الإسرائيلي»، وبناء على هذا الخطاب المتصلّب، فهناك احتمال كبير أن يقوم وزراء الحزب وحركة «أمل» (وربما الوزراء المستقلون المحسوبون عليهما) بالخروج من جلسة الحكومة، وربما، إذا مضت الحكومة في تنفيذ القرار، بالانسحاب من الحكومة.
سبق لحكومة فؤاد السنيورة في عام 2007 إصدار قرار بتفكيك شبكة الاتصالات التابعة لـ»حزب الله» واعتبارها غير شرعية، وتكليفها قيادة الجيش حينها بتنفيذ القرار، ورد «حزب الله» حينها بتصعيد أمني واسع في 7 أيار/مايو 2008 أدى لإعادة التوازنات العسكرية لصالحه لكنّه خلّف جراحا وطنيّة فظيعة.
إضافة إلى رجحان قوة «حزب الله» العسكرية حينها، والغطاء الإقليمي الذي كان يتمتع به من قبل إيران والنظام السوري السابق، فقد كان الحزب يملك ما يسمى «الثلث المعطّل» في الحكومة، والقادر على تعطيل جلساتها أو قراراتها، وهو أمر تغيّر مع حكومة سلام، وبالتالي فإن انسحاب وزراء الحزب والحركة، إذا حصل، لن يؤدي إلى انفراط الحكومة، ولكنّ قرارا مشابها لقرار السنيورة من قبل سلام، بتكليف الجيش بسحب السلاح من الحزب سيضع الطرفين في مواجهة.
حاول الرئيسان عون وسلام، منذ تولّيهما الحكم في البلاد، الحفاظ على التوازنات الدقيقة للبلد، وحاولا، توظيف التوافق الوطنيّ العام، الذي يضم «الثنائي الشيعي»، في مواجهة الضغوط الإسرائيلية المتواصلة، عبر الاغتيالات، والغارات، وتدمير الأبنية، ورفض الانسحاب من التلال الخمسة المحتلة، كما قاوما الضغوط الأمريكية لدفعهما إلى المواجهة العسكرية مع الحزب.
يشير المشهد في لبنان إلى أن الموازنة التي أقامها أركان الحكم في لبنان، بين محاولات إقناع الحزب بتسليم سلاحه، والضغوط الأمريكية لتنفيذ ذلك بالقوة، قد وصلت إلى مرحلة «مفصلية» (على حد تعبير عون)، وهو ما ينطبق أيضا على «حزب الله»، الذي فقد قوته التعطيلية للحكومة، وهو بالتأكيد غير قادر على إعادة اجتياح بيروت، كما حصل في عام 2008.
تتمثل الحكمة (والشجاعة) حاليا بقدرة الحكومة والحزب على الوصول إلى تسوية تحافظ على النسيج الوطني اللبناني، وتمنع المواجهة العسكرية، وتعزز السيادة الوطنية، وتوقف التغوّل الإسرائيلي.