لبنان: آلام كثيرة وأشواك على طريق التعافي والانتقال من «الدويلة» إلى الدولة

رلى موفّق
حجم الخط
0

لن يكون مسار تعافي الدولة في لبنان سهلاً، ولا الطريق معبّداً. ستسير «بلاد الأرز» على درب الجلجلة والآلام للخروج من النفق المظلم الذي عاشته لعقود مضت، وكانت السنوات الأخيرة أكثرها ظلمة على غالبية اللبنانيين الذين كانوا يلمسون يوماً بعد يوم تَحوُّل لبنان إلى حكم تحالف الميليشيا – المافيا وغَـلَبة منطق «الدويلة» على الدولة. هو واقع دفع بالكثير من الشباب – بعد الانقضاض على «ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 والأزمات المتلاحقة – إلى الهجرة نتيجة انسداد أفق المستقبل. بات كل لبناني يُفتّش عن كيفية الحصول على جواز سفر غير لبناني، والبحث عن فرصة للعيش بكرامة في بلد آخر يسوده الأمن والأمان وتتوافر فيه أدنى مقومات الحياة بدءاً من الكهرباء والمياه.
بدأ الأمل يتسرَّب إلى شريحة من اللبنانيين بعد انتخاب رئيس للجمهورية في 9 كانون الثاني/يناير 2025 لم يكن هو خيار «محور إيران» وحلفائها في الداخل. سبق أن عطَّل هؤلاء الانتخابات الرئاسية مرّتين بعدما أضحى «حزب الله» المهيمن على القرار الوطني اللبناني بفعل فائض قوة السلاح والظروف الإقليمية والدولية التي أتاحت لإيران وأذرعها العسكرية التمدّد في المنطقة، وتحوُّل «حزب الله» إلى الذراع الأقوى لديها في مشروعها العقائدي التوسعي. كان هدف التعطيل إما الإتيان برئيس حليف لـ«المحور»، كما حصل مع انتخاب رئيس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون 2016، وإما التطويع وفرض الشروط كما في حالة انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان 2008 الذي جاء نتيجة «اتفاق الدوحة» بعد «غزوة» بيروت والجبل التي قام بها «الثنائي الشيعي» المتمثل بـ«حزب الله» وحركة «أمل»، وما أفضت إليه من الحصول على «الثلث المعطل» في الحكومات التي لا يملك فيها أكثرية، ولا سيما بعد خروج الجيش السوري من لبنان على وقع اغتيال الزعيم السُّني الأول في لبنان رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005.
شكّل «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حدثاً فاصلاً في المنطقة، وأحدث فتح «حزب الله» لـ«حرب الإسناد» من جنوب لبنان في 8 تشرين الأول/أكتوبر بداية التحوُّل الكبير الذي انتهى بتوجيه إسرائيل ضربة قاصمة لـ«درَّة إيران» في المنطقة باغتيال أمين عام «الحزب» السيد حسن نصرالله وقيادات الصف الأول سياسيا وعسكرياً وضرب منظومته وإضعافها، ما أدى إلى اتفاق «وقف إطلاق النار» وتشكيل آلية مراقبة لتنفيذ القرار الدولي 1701 بشكل كامل وجدّي يُنهى وجود «حزب الله» في جنوب الليطاني، ما يعني إقفال جبهة الجنوب مع إسرائيل بكونها ورقة إيرانية. وجاء سقوط نظام بشار الأسد في سوريا ليُقفل الشريان الحيوي للحزب وخط الإمداد من طهران إلى بيروت عبر العراق وسوريا. وكان من نتائج تلك التحولات الاستراتيجية انتخاب قائد الجيش جوزاف عون رئيساً للجمهورية بدعم دولي وعربي شكَّلته اللجنة الخماسية من أجل لبنان، والمؤلفة من الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر. وهو ما نظر إليه «الحزب» على أنه الصفعة السياسية الأولى لتغيير موازين القوى في الداخل والإقليم.

بارقة أمل… وفرصة

شعر اللبنانيون، بانتخاب عون الخارج عن سيطرة وإرادة «ثنائي حزب الله – أمل»، بأن ثمة «فرصة ما» للعودة إلى دولة طبيعية يحكمها الدستور والقانون. في واقع الأمر تكمن الفرصة بوجود مظلة دولية – عربية للبنان، وقرار كبير بإخراج لبنان من فلك النفوذ الإيراني الذي أدى إلى عزلته وغرقه في الأزمات المتتالية. جاءت تسمية رئيس محكمة العدل الدولية نواف سلام في 13 كانون الثاني/يناير بعد استشارات نيابية رئيساً للحكومة من خارج منظومة الحكم والمتلوثين بالفساد لتعطي جرعة إضافية من الأمل لدى التوَّاقين إلى «لبنان جديد» وبمثابة صفعة ثانية للحزب. كان طبيعياً أن يأتي تأليف الحكومة من دون» ثلث معطل» ظاهر أو مُضمر. وانتهت مع عملية التشكيل في 8 شباط/فبراير الحالي مفاعيل «اتفاق الدوحة»، وتعبَّدت طريق العودة إلى الدستور و«اتفاق الطائف» الذي ما زالت بنود كثيرة منه غير منفّذة. غير أن كل ذلك يبقى تحت الامتحان.
حمل تأليف الحكومة قدراً كبيراً من الواقعية، في ظل «النكبة» التي حلَّت سياسياً واجتماعياً بالطائفة الشيعية التي أخذ أبناؤها بفعل سلاح «حزب الله» يتعاملون مع الواقع اللبناني على أنهم طائفة مميزة طليقة اليدين وفوق القانون، وهي صانعة الرؤساء والحكومات والوزراء وصاحبة اليد الطولى في مختلف المؤسسات وفي القضاء. كان نصرالله يقول: «كن… فيكون». هذا فيما بدا أن منطقة حارة حريك – معقل «الحزب» ومقر أمينه العام – هي وجهة الجميع، هناك يخضع الجميع سواء أكانوا من السلطة السياسية أم من التوَّاقين للسلطة للامتحان.
لم تكن الأحزاب والقوى السياسية بعيدة عن اقتراح أسماء الوزراء أو القبول بالمرشحين الذين كان سلام يقترحهم. بقيت وزارة المال مع الطائفة الشيعية، ولم ينجح رئيسها في تطبيق مبدأ المداورة في ما يعرف بـ«الحقائب السيادية»، لكنه استطاع أن يؤلف حكومة من 24 وزيراً من الكفاءات، ووصفهم بأنهم «قصص نجاح» في مسيرتهم المهنية. نصف أعضاء الحكومة من خرّيجي الجامعة الأمريكية في بيروت، وكُثر منهم يحملون جنسيات أمريكية أو أوروبية. وحده وزير العمل محمد حيدر خريج كلية الطب في الجامعة اللبنانية لكنه أكمل تخصصه في الخارج ويعمل طبيباً في مستشفى الجامعة الأمريكية ونائبَ عميد كلية الطب في الجامعة الأمريكية. علت الأصوات منتقدة استبعاد خريجي الجامعة الوطنية، لكن سلام رد بأنه يحمل شهادة الحقوق من الجامعة اللبنانية الى شهادات من جامعات أخرى.
ما دار في الغرف المغلقة أن الرجل يريد وزراء أصحاب قدرة على التعامل مع المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية المانحة التي سيكون لها دور أساسي في مساعدة لبنان على إعادة النهوض، وأن ظلَّ واشنطن كان حاضراً في عملية التأليف بحيث تتوافر القدرة لديها على مراقبة السلطة الجديدة والتحقق من أعمالها واستخدام سيف العقوبات على أعضائها وجعلها مقيَّدة بما رُسم ويُرسم لها، لقيام الدولة ومنع سقوطها من جديد.

«أحد الموتوسيكلات» والتحديات

على أن فرحة الشريحة الأوسع من اللبنانيين سُلبت منهم سريعاً. ظنوا أن حال البلاد انقلبت كلياً مع الضربة التي تلقاها «حزب الله»، فإذا بهم يشهدون «أحد الموتوسيكلات»، حيث سعى مناصرو «الحزب» و«الحركة» إلى استفزاز العاصمة بيروت ومناطق مسيحية ليل 26 كانون الثاني/يناير، بعد مشهدية اليوم الأول لعودة الأهالي إلى القرى التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي عقب انتهاء المهلة الأولى لوقف إطلاق النار. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل انتقل التصعيد إلى إقفال طريق مطار رفيق الحريري الدولي، وهو المنفذ الجوي الوحيد للبنان. جاء قطع الطريق على خلفية إبلاغ السلطات اللبنانية طائرة «ماهان» الإيرانية بإلغاء رحلتها المقررة إلى لبنان، بعدما تلقت بيروت تحذيرات إسرائيلية بضرب المطار إن حطت فيه الطائرة نظراً إلى شكوك بأنها تحمل أموالاً مهرَّبة إلى «حزب الله». بدا واضحاً أن طهران و«حزب الله» يريدان توجيه رسالة للبنان، وممارسة ضغوط مضادة عليه من خلال القول إنهما قادران على هز الاستقرار الداخلي وخلق القلاقل والأحداث الأمنية، بما يضرب العهد في بدايته، وهي ضغوط سبق أن مارسها «الحزب» لتطويع السلطات السياسية والأمنية ونجح فيها.
لكن مناصري «الحزب» ذهبوا مساء الجمعة إلى تجاوز كل الخطوط الحمر. في الأساس، تُعتبر عملية إقفال طريق المطار خطاً أحمر بحد ذاتها، وهناك تعهد أمني لبناني بإبقاء طريق المطار سالكاً وآمناً، تماماً كما هو طريق بيروت – الجنوب، حيث يجب أن يبقى ذلك الطريق مفتوحاً أمام قوات الطوارئ الدولية. ما حصل أن مناصري «حزب الله» لم يكتفوا بقطع الطريق والتظاهر حاملين أعلام «الحزب» وترديد شعار» شيعة – شيعة»، بل عمدوا إلى الاعتداء على سيارات المارة والناس وعلى القوى الأمنية وموكب لقوات الطوارئ الدولية كان في طريقه إلى المطار. وقاموا بمحاصرة عناصر «اليونيفيل» وإنزالهم من مركباتهم وضربهم وسلبهم أجهزتهم اللاسلكية ومن ثم إحراق إحدى المركبات. نُقل 3 عناصر من القوة الدولية إلى المستشفى ومن بينهم نائب رئيس البعثة الجنرال النيبالي شوك بهادور داكال الذي انتهت ولايته وكان في طريق المغادرة إلى بلاده.
طريق طهران – بيروت المالي

لعل ما قاله نائب رئيس الأركان للتخطيط سابقاً العميد زياد الهاشم في مقابلة تلفزيونية تعليقاً على أحداث المطار يُجسِّد تعبيراً دقيقاً للواقع الراهن. اعتبر أن «لبنان يمر بمرحلة انتقالية حساسة جداً. وعادة ما تتصف المراحل الانتقالية بالحماوة وعدم اليقين وعدم وضوح الرؤية للمستقبل القريب والبعيد. وهي فترة بين عهد مضى وعهد سيُولد، وبين عهد اللادولة وعهد الدولة والشرعية. هذه الفترة تتميز بالحماوة وهو شيء متوقع. وقد شهد لبنان حدثين في فترات انتقالية، الأول بين 1982 – 1986 (الغزو الإسرائيلي وما نتج عنه من تحولات ومن ثم ارتدادات سياسية واستراتيجية) في المواجهة مع الخارج، وجاءت نتائجه كارثية آنذاك. والحدث الثاني بعد حرب تموز/يوليو 2006، حيث حصل الارتداد إلى الداخل وشهدنا غزوة 7 أيار 2008. اليوم هناك محاولة ثالثة لتكرار ما يمر به كل بلد عندما يكون أمام مراحل تاريخية تتضمنها مراحل انتقالية، إنما الظروف المحيطة حالياً تختلف عن ظروف الحدثين السابقين. فحزب الله انقطع عمقه الاستراتيجي الممتد من بيروت إلى طهران عبر سوريا والعراق، وخسر الكثير من قدراته في الحرب. كما هناك نقطة ضعف لديه وهي عدم الدخول في مواجهات مباشرة مع أفرقاء آخرين لبنانيين». في رأي الهاشم أن «ما يريد استمراره «حزب الله» – بعد توقف البُعد المادي في العلاقة مع إيران الذي كان يشمل التسليح والتدريب والتمويل – هو الحفاظ على البُعد المالي التمويلي عبر جسور جوية أو وسائل وطرق أخرى هي أسهل بكثير من البعد التسليحي من إيران الذي يمتد عبر دول مثل العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان».

تنصل من اعتداءات مكشوفة المنبع

تنصَّل «حزب الله» بسرعة، عبر قناة «المنار» التلفزيونية التابعة له، من حادثة الاعتداء على موكب «اليونيفل» بإشارته إلى وجود ملثمين بين المتظاهرين الغاضبين نتيجة لمنع «زوَّار» لبنانيين من العودة إلى لبنان من إيران، تماماً كما فعل الأمين العام الحالي لـ«الحزب» الشيخ نعيم قاسم حين تنصَّل من «أحد الموتوسيكلات»، لكن ذلك لا يَحرف الأنظار عن فعلة «الحزب» عبر كتائب «الدراجات النارية» وكتائب «الأهالي» وتحريك شارعه الذي خبرته القيادات العسكرية في الجنوب منذ صدور القرار 1701، حيث كان يلجأ إلى تحريك الأهالي كلما تحرَّكت قوات «اليونيفيل» في اتجاه «قرية ما» في حال لم يكن للحزب عِلم بذلك. كما خبرت بيروت والمناطق المتاخمة للضاحية الجنوبية أعمالاً مشابهة لغزوات الدارجات النارية. سارعت حركة «أمل» إلى منع جميع عناصرها من المشاركة أو القيام بأي تحرك أو نشاط استفزازي يتعارض مع توجيهات قيادتها القاضية باحترام خصوصية اللبنانيين بطوائفهم ومناطقهم كافة، معتبرة أن «الاستفزازات التي تُعرِّض الاستقرار العام للخطر خاصةً مسيرات الدراجات النارية أو القيام بأعمال استفزازية وشعارات طائفية مناطقية تتناقض مع ميثاقها ورؤيتها». واعتبرت «الحركة» ليل الجمعة أن الاعتداء على «اليونيفيل» هو اعتداء على جنوب لبنان، طالبة من الجيش الضرب بيد من حديد.

استحقاق 18 فبراير.. ورسائل

يأتي الاعتداء على «اليونيفيل» في وقت دقيق وحساس جداً. فإسرائيل أبلغت الأمريكيين بأنها لا تريد الانسحاب في 18 شباط/فبراير من خمس تلال استراتيجية في الجنوب، ولبنان الذي أبلغ رفضه ذلك يبحث والأمريكيين والفرنسيين عن «حل ما» يُجنِّب العهد والحكومة هذه الكأس المرّة، في بداية انطلاقتهما التي يُفترض أن تتسم بالزخم والإنجاز لا بالانتكاسات، والتي ستفتح باب الحملات على السلطة الجديدة بوصفها سلطة عاجزة، على أبواب الإعداد لبيان وزاري يُفترض أن ينهي نظرية «الجيش والشعب والمقاومة» التي كانت تتضمنها البيانات الوزارية السابقة لمصلحة حصر السلاح بيد الشرعية. توالت الاستنكارات من السلطة الجديدة. وحذرت قيادة الجيش من مواصلة هذه الممارسات التي من شأنها خلق توتر داخلي لا تُحمد عقباه خلال المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد. وأعلنت أن وحدات الجيش «ستستمر في تنفيذ مهمات حفظ الأمن، وستعمل بكل حزم على منع أي مساس بالسلم الأهلي وتوقيف المخلّين بالأمن».
وصلت رسالة «حزب الله» إلى رئيس الجمهورية والحكومة والجيش والمجتمع الدولي، في وقت كانت المبعوثة الأمريكية موغان أورتاغوس تُعلن فيه من قصر بعبدا الرئاسي أن «حزب الله» هُزم، وأن بلادها لا تريد أن يكون جزءاً من الحكومة. لم يكن كلامها في حقيقة الأمر موجهاً للحزب فقط، بقدر ما كان موجهاً إلى السلطة الحاكمة الجديدة بأن زمن الالتفاف والتراخي قد ولّى، وأن استعادة لبنان لعافيته ومساعداته للخروج من القعر هي رهن إدائه وسلوكه وتماهيه مع التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة.
لكن السؤال الذي ينتظر إجابة الداخل والخارج يكمن في كيفية تصرُّف الدولة التي ينتظر اللبنانيون أن تتعافى؟ ربما الجواب الذي سيكون قيد المتابعة الحثيثة يكمن في اعتبار رئيس الجمهورية أن «ما حصل على طريق المطار، وفي عدد من المناطق في بيروت، ممارسات مرفوضة ومُدانة ومن غير المسموح أن تتكرر، وأن القوى الأمنية لن تتساهل مع أية جهة تتمادى في الإساءة إلى الاستقرار والسلم الأهلي في البلاد».
الأكيد أن عون وسلام ومعهما القوى الأمنية والعسكرية سيكونون تحت الاختبار الأول أمام اللبنانيين والمجتمعَين العربي والدولي، وسيتم البناء على نتائجه. المطلوب أن يتساوى اللبنانيون ويكونون جميعاً تحت القانون، غير أن المهمة لن تكون سهلة، وستكون على الدرب أشواك كثيرة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية