في مقاربة النصوص (شعرية أو نثرية) تتعدد المداخل والإجراءات، ويستمرّ لهذه المداخل حضورها اللافت، حتى بعد انتهاء فترة سموقها وفاعليتها في كتابات النقاد. ففي مجال تداخل النصوص تولدت استراتيجية التناص بوصفها توجها أو آلية قائمة على الشك في الأسس الفلسفية التي تولدت في إطارها البنيوية، وخاصة جزئية البنية المغلفة المرتبطة بمركز يشدها إلى الداخل بعيدا عن الفضاءات الخارجية السابقة أو الآنية أو المستقبلية.
والتناص في ظل ذلك الفهم ليس إلا تعاظما على هذا الانغلاق، ويكشف في الوقت ذاته عن استحالة عزل النص عن سياقاته، فالنص توالد إنتاجي مستمر، وفي توالده يغير جلده ويقشط منه ما لم يعد ملائما، ويثبت قشرة جديدة على الكتلة المستمرة بمرور العصور والأزمنة، ولكن الكتلة تظل موجودة مشيرة إلى تجل قديم للفكرة المعرفية. ويتحول المنجز الأدبي في ظل هذا الفهم إلى محاولة للإجابة عن أسئلة قد تأخذ أشكالا متعددة، ولكنها تظل مشدودة إلى مفاهيم كبرى مجردة تظل وثيقة الصلة بالإنسان وفي مقاربته للحياة وللوجود، وفي قراءة نزوعاته للكشف عن الباطني الخفي الذي لا يظهر بشكل مباشر وجلي.
المعارضة الروائية أساس الإبداع الروائي، خاصة إذا كانت النظرة شمولية عامة، تنحو بالأمر نحو التجريد الذي يعود بالكتابة الأدبية إلى تساؤلات لها صفة التمدد والديمومة بوصفها منطلقات أساسية للفن بشكل عام، فنحن في ظل ذلك الفهم أمام قيم مثالية كبرى تحرك الإبداع في مجمله في كل الثقافات على تنوعها واختلافها. وتكمن قيمة الكاتب في قدرته على الإضافة إلى السابق، وفي حدة المغايرة والاختلاف من خلال التساؤل الجذري للمفاهيم، حيث يضعها في بؤرة جديدة، ويخلل مرتكزاتها من خلال وضعها في أطر مغايرة، يجعلها تتجلى وكأنها جديدة انطلاقا من عمق الطرح، وتخلصه من الإرث القديم، ومن الاستلاب الذي تمارسه النصوص السابقة بتجلياتها المختلفة.
ويبدو أن تأثير ما بعد الحداثة في وجود ذلك النزوع نحو فكرة المعارضة الروائية كبير، خاصة إذا أدركنا أن مصطلح النص نفسه أصابه الكثير من التغيير والتحوير، أهمها الارتباط بالخارج الآني والتاريخي، فالنص عند هؤلاء المنظرين الذين يمثلون ما بعد الحداثة هو إعادة نصوص قديمة، ولكن هذه النصوص القديمة تتشكل داخل شبكة علاقات جديدة ترتبط باللحظة الزمانية، وبالسياق الحضاري في مجمله، ولكن ذلك لا يجعلها منفصلة عن التجليات الماضية السابقة، فهو دائم الإشارة إليها من خلال الحوار أو الإضافة أو التحوير، فكأن النص في لحظة الاستلاب التي يشعر بها المتلقي هي لحظة انعتاق كاملة في الآن نفسه.
ففي الكتابة الروائية القائمة على المعارضة هناك حضور تام وملموس للقديم، ولكنّ هناك نفيا تاما له أيضا، لأن هذا القديم حين يحضر لا يحضر للتعبير أو الكشف عن الإجلال والتقديس، وإنما للتعبير عن الشك في الأسس والأفكار التي يسدلها، فكأن هناك عملية مراجعة مستمرة، فالنص الآني يعارض السابق، ويحاوره مرتكزا على إظهار القصور الذي يستدعي إعادة المقاربة والرصد، وإسدال مقاربة جديدة للفكرة المعرفية، من خلال إثارة الشك حول طبيعة التصورات أو التشكيلات المقدمة للواقع، بوصفها واقعا يتجلى وفق حوادث، وليس وفق خطاب. وفي ذلك تتجلى المعارضة الروائية بوصفها خطاب نفي وتدمير للمتفق عليه حياتيا وجماليا، وكأن في نزوعها تدميرا للأسس الفنية التي تم التركيز أو الاستناد إليها في تجليات سابقة لدى كتاب آخرين.
تتجلى فكرة المعارضة في الكتابة الروائية في العقود الأخيرة بشكل لافت من خلال بعض النماذج الكاشفة، ويمكن أن نتوقف في ذلك السياق عند روايات مثل «فردوس» للبساطي وعلاقتها بـ«امتداح الخالة» ليوسا، ورواية «الزوجة المكسيكية» لإيمان يحيي واشتغالها الماكر حول رواية «البيضاء» ليوسف إدريس، بالإضافة إلى رواية «طعم النوم» لطارق إمام وارتباطها برواية الياباني كاواباتا «الجميلات النائمات» ورواية «ذاكرة عشيقاتي الحزينات» لماركيز الذي قال عن نص كاواباتا إنه النص الذي وددت لو أكون كاتبه.
علاقة نص «فردوس» للبساطي بنص يوسا تجلت من البداية واضحة، لدرجة أن هناك عددا من النقاد أشاروا إلى أن هذه الرواية تعدّ تمصيرا لنص «امتداح الخالة»، ولكن هذا الحكم يحتاج إلى إعادة مراجعة وتقييم منطلقين في ذلك السياق إلى مجمل أعمال الكاتب التي طرحت الفكرة (جنس المحارم) بأكثر من تجل كتابي فهناك حضور لملامح شخصية فردوس تكشف عن تماه مع شخصية سعدية في رواية أخرى له، هي «بيوت وراء الأشجار»، بالإضافة إلى شيوع الفعل في إطار ثقافة تهدهد وتسيّج تابوهاتها بالصمت.
البساطي في هذه الرواية لا يسير على الخطوات الممهدة في رواية يوسا، خاصة في الجزئيات الحاكمة للحركة المرتبطة بالثقافة العربية بأنساقها الضاغطة، ففي روايته تأخذ الرواية أفقا خاصا، لا يرتبط بالرغبة المتجذرة في رمز البراءة المشدود للطفل (كما في رواية يوسا)، وإنما هناك كشف وتشكيل لسردية المراهق أمام نموذجه أو تمثاله الأنثوي، وهي سردية خطية لم تتشكل في إطار خطاب مقابل «فردوس» زوجة الأب، ذلك الصوت الذي ظل مكبوتا لارتباطه بتابو الثقافة والدين.
فإذا كانت رواية يوسا تتحرك دلاليا نحو اكتشاف الجسد حقيقة، سواء من خلال الطفل وتفسخه أو توزعه بين البراءة والإثم، أو من خلال المرأة في ارتباطها بذلك الفعل وانتظاره، فإن رواية البساطي رحلة لاكتشاف سطوة الجسد من خلال السرد الأحادي للمراهق أو من خلال سلطة المتخيل وفاعليته بالنسبة لزوجة الأب (فردوس)، فالصمت بوصفه آخر حدود رد الفعل يشير إلى طبيعة الثقافة القامعة والضاغطة. في رواية يوسا هناك انتظار للفعل، وفي رواية البساطي هناك انتظار لفاعلية السرد، لأن السرد الأحادي من المراهق سعد يحرر المخيلة، ولكنه لا يفلح في تحرير الجسد في كسره لشرنقة الأعراف المتراكمة.
في رواية «الزوجة المكسيكية» للكاتب إيمان يحيي كان يمكن للرواية أن تقف عند حدود الخطين السرديين الخاصين بيحيي بطل رواية «البيضاء» ليوسف إدريس، وصوت الزوجة المكسيكية ابنة الفنان اليساري المعروف، وأن تظل في إطار هذين الصوتين السرديين محافظة على حدود التشويق الروائي للبحث في جذور واقعة حقيقية، لا يعرفها الكثيرون من القراء، وهي زواج يوسف إدريس في مقتبل حياته من فتاة مكسيكية عاشت معه في القاهرة، وعادت إلى بلدها بعد ذلك، وتوفيت بمرض السرطان.
ولكن الخط السردي الثالث الذي ينفرد به الراوي لتشكيل حكاية آنية معيشة بين أستاذ جامعي يشرف على رسالة عن أعمال يحيي كاتب رواية «البيضاء» تقوم بها باحثة أمريكية يجعل الرواية متجذرة في إطار فكرة المعارضة وإعادة الحادثة والمرور بالتجربة بشكل مغاير، وذلك من خلال الوقوف – بعد مرور فترة زمنية كافية – على طبيعة التغييرات التي تصيب المجتمعات والأفراد على حد سواء، بالإضافة إلى مساءلة فكرة اليسار أو الانتماء لليسار في معناه الواسع، وفي فلسفة وجوده.
من الجزئيات المهمة التي تربط بين الروايتين جزئية تتمثل في العلاقة الإشكالية بالمرأة بشكل عام، وبالمرأة بوصفها آخر يختلف في الثقافة والجذور، فالراوي مقابل ليحيي مؤلف رواية «البيضاء»، وسامنثا التي يشرف على أطروحتها عن روايات يحيي بالجامعة الأمريكية مقابلة للشخصية الحقيقية (روث ريفيرا) ابنة فنان الجداريات المكسيكي اليساري (دييجو ريفيرا). وثمة جزئية قد تكون على نحو كبير من الأهمية تتعلق برواية «البيضاء» ليوسف إدريس، وهي وجهة نظر اليسار المصري إلى الرواية، فهناك شبه إجماع على أن رواية «البيضاء» فيما تقدمه من علاقات مبتورة بين اثنين (رجل وامرأة) ينتميان إلى اليسار، وإلى حركة السلام ببزوغها وازدهارها في بداية الخمسينيات، تمثل ارتدادا عن قيم اليسار المشدودة إلى الاستناد للقيم الكبرى، والانشغال بمقاومة الظلم في أي مكان بالعالم دون الوقوف طويلا أمام العرق واللون، فاليسار هنا مظلة كونية تستطيع أن تجمع وتنتصر في مستواها المثالي للجميع..
في رواية طارق إمام «طعم النوم» هناك حوار ممتد بين عملين سابقين، ولكاتبين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، وهما الياباني كاواباتا في «الجميلات النائمات»، وماركيز في «ذاكرة عشيقاتي الجميلات». يصور كاواباتا العجائز المصابين في رغباتهم، فهم يدخلون إلى منزل لقضاء الليل بجوار مراهقات، لا يذهبن إلى النوم بشكل طبيعي، بل تحت تأثير مخدر. رواية تصور فرصة للسرد والحكي بديلا عن الفعل حيث يصبح السرد محاولة للتذكر والتطهر عن ذنوبه السابقة في لحظات القدرة على الفعل، فالعجائز في هذا البيت لهم حق في رؤية الفتيات عاريات، ولكنهن لا يملكون حق إيقاظهن أو لمسهن.
تتميز رواية طارق إمام بالوعي بما تقدمه، فهي رواية مهمومة عن قصد بتقديم نسخة ثالثة للنموذجين السابقين، وهذا يكشف بداية عن أن أية محاولة للإسهام في تشييد طبقة جديدة تأتي من الوعي بالتجليات السابقة للفكرة، ومساحات التميز في بنائها، وبالجزئيات التي تحتاج إلى إعادة مقاربة، وإلى توجيه الضوء إليها. ففي الرواية نطالع مقالا لناقد اسمه طارق إمام تقوم بقراءته إحدى الشخصيات متحدثا عن روايتي كاواباتا وماركيز، ويتساءل عن سبب غياب فكرة الرواية عن ماركيز، خاصة وأنه كتب روايته بعد مدى زمني طويل من نشر رواية كاواباتا.
في رواية (طعم النوم) نجد أن الصيغة الأكثر قربا للتعامل مع النص السابق متمثلة في (الحوار) بعيدا عن الاستلاب أو الدوران في مدارات النص السابق وفلكه، فقد جاء السرد – مغايرة للنصين السابقين – مرتبطا بالفتيات، وليس مرتبطا بالرجال المسنين. فالجزء الأول (منزل النائمات) يتشكل من خلال صوت روزا الأخيرة التي تشدنا من خلال الصور الوصفية – حيث لا تستطيع النوم في سرير واحد مرتين – إلى العجائبية أو إلى الواقعية السحرية من خلال فاعلية الخيال الجامح من المؤلف.
الأدب في عمومه وعلى اختلاف تجلياته وفنونه هو فن المعارضة بشكل ما، في ظل وجود مفهوم واسع لهذا المصطلح الذي يكشف عن أن الفن في الأساس استجابة مستمرة لحاجات إنسانية وأسئلة وجودية تتأمل وضع الإنسان في هذا الكون، وتحاول من خلال الإجابة عن هذه الأسئلة إضاءة جانب من الجوانب الخفية داخل الإنسان مشيرة إلى تحيزاته، أو إلى نقصانه أمام قوة عليا، ولا يستطيع أن يتخلص من هذا النقصان إلا من خلال هذا اللعب الفني المحسوب بدقة.