تأتي رواية «كل الأبواب مواربة» للقاص والروائي المصري سمير فوزي لتشكّل عالما ليس بعيدا عن ذاكرتنا، يرتبط بالمناخ المتاخم للثورة المصرية في 2011 وما بعدها، وتقف عند التغييرات أو التحولات التي تصيب البشر بوصفهم أفرادا، وبوصف بعضهم جزئيات أو أدوات داخل تكوينات أيديولوجية أكبر، وبوصف بعضهم أفرادا يمثلون السلطة في وجه من وجوهها. فهناك متغيرات أو تحولات أصابت السلطة، وبعض فصائل الشعب، وهي متغيرات تصبّ في حالة السيولة، وذوبان التماسك، وفي ظل هذه المتغيرات قد تتجلّى بعض الوجوه بسمت مغاير، فينحسر الوجه الطيب المصنوع، ليحل محله الوجه الانتهازي القبيح، ومعه تتحوّل هذه الشرائح- أو ممثلوها- إلى نمط قوي شرس يقمع الآخرين ويخيفهم.
تمثل هذه الرواية في وجه من وجوهها ذاكرة ضد المسح والنسيان، في محاولتها القيام بالتعرية للتوجهات الدينية وأصحابها الذين ظلّوا يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، حتى ظهر الأمر وأبان عن حقيقته. ففي النص الروائي المكتوب ما يساوي ويوازي المخزّن في الذاكرة الممسوحة من الكاميرا من كشف وتعرية. لم تشر الرواية إلى نوعية الصور، ولكن عملية المسح توازي فعل النسيان. المكتوب في نص الرواية يمثل خطاب مواجهة واستبقاء، ينبّه ويذكّر بكل الأفعال والحركات المطموسة في ذاكرة الكاميرا التي تمّ الاستيلاء عليها.
يجد القارئ نفسه أمام رواية تقوم بفعل الاستصفاء والاختيار لأحداث محددة، لكي تثبتها داخل المتخيل الجمعي، وتصنع منها ذاكرة ممتدة، تستمر دائمة الصحو داخل الذهن أو الوجدان أو العقل المصري، لكي تنبّه من خطر التكوينات الأيديولوجية الدينية، لأنها بوجودها تشكّل شرخا في هوية راسخة ممتدة، تقوم على الاعتدال والتآلف والاستيعاب، فهذه التكوينات تحمل حسّا بالتعالي، وروحا شوفينية، وكأن ارتباطها بالديني يكفل لها نوعا من اختلاف أو تعال أو تسام على الجميع، فليس هناك عند التدقيق معرفة سوى معرفتهم، ولا إدراك سوى إدراكهم. يجدل النص الروائي تعالقه مع الخارج المحيط، من خلال حدث يجعل الجميع يعيدون معاينة الارتباط بصاحبه، فيعيد كل صوت من الأصوات الساردة مساحة الارتباط بالشخصية الرمز التي قتلت بقسم الشرطة الذي احترق. فقتل جمعة ياجوري – الشيخ والدرويش والأفّاك – يبدو موجهّا لحركة السرد، فتكتسب هذه الشخصية لأسباب عديدة دلالات رمزية شديدة التكثيف. السرد يكشف عن البساطة التي تخفي الجهد المبذول في الاختيار والتوجيه والترميز، خاصة في مثل هذه الروايات المملوءة بتقابلات وتباينات أيديولوجية. فكل شخصية- وإن كانت مملوءة بواقع مشدود للحياة- لا تخلو من مسّ أيديولوجي، في الانتماء إلى الشريحة أو الفكرة.
تقوم الرواية على فكرة المكان المغلق (البيت- أو الشارع)، يعرف سكّانه بعضهم البعض، وفيها نعاين حياة كاملة بتطلعاتها وآمالها وصراعاتها وخياناتها، ولكن اللافت يتمثل في زحزحة هذا الواقعي- مع إمكانية بقائه في نسقه ونطاقه الواقعي- إلى فضاء أكثر اتساعا ودلالة، فضاء لا ينفصل عن صراعات أقوى، وتحولات ممتدة، وأيديولوجيات تذهب أو تغيب متلاشية، ثم تعود كاشفة عن القوة، وعن الوجود الساكن الذي يطل برأسه حين يشعر بمدد، وحين يشعر بتحوّل في السياق العام. الرواية تقارب التحوّل والوجود الجزئي المنقطع في لحظة ضعف سابقة، ولحظة قوة لم تستمر، انتهت بالقتل على النحو الذي صورته وشكلته الرواية من خلال الأصوات السردية المتعددة.
التعدد الصوتي المتجاوب
تتشكل الرواية سرديا من خلال أصوات مختلفة تقارب حدث القتل، والتعبير عن وجهات نظر مختلفة تجاه السياق العام والأحداث من جانب، وتجاه مقتل جمعة ياجوري من جانب آخر، تلك الشخصية التي تكتسب مساحات كبرى للرمز. ولكن هذه الأصوات العديدة (حمزة الزبال- نعيمة- إبراهيم المخبر- إسلام- عنتر- نوّار- الشيخ مفتاح- غناوي- عبودة- أم هاني- القسّ عبدالشهيد- هانم- أنتكا- كريمة) تتكامل وتتجاوب فيما بينها لإعطاء صورة كاملة أو شبه كاملة لحكاية جمعة ياجوري الذي حرمه النص الروائي من السيطرة على منصة السرد، وكأن في ذلك توجيها نحو التغييب، فما يرتبط به يأتي في ظل الحكاية من أصوات آخرين. ففي هذه الأصوات المتجاوبة- بعيدا عن اكتمال الحكاية- تصحيح لمرويات التضليل أو الكذب في علاقة الشخصيات ببعضها البعض، ودور في فعل التعرية، فيما يخصّ الشخصية الرمز والشخصيات الأخرى.
مع تعدد الأصوات نجد أننا أمام تنميط خاص للشخصية الرمز، فنراها تمرّ بمراحل محددة: الأولى مرحلة الضعف العام أمام زوجته وبناته، وطرده في ليالي الشتاء عاريا، وفيها ـ لحاجته – يعمل على إنشاء مساحات اتصال خاصة مع ساكني البيت أو الشارع، كاشفا عن المودة الظاهرة، سواء مع إسلام ولد صديقه البواب، أو مع الشيخ مفتاح إمام المسجد، لأنه في حاجة مستمرة إليهما أذا طردته زوجته وبناته. ترتبط الصورة الثانية بالدروشة والتقية، حيث يبدو بوصفه واحدا من المتصوفة، يحترف حضور الموالد مشاركا فيها، وهي صورة تتحد في مخيلة الناس أو قاطني الشارع بالغياب أو النسيان. أما الصورة الأخيرة فهي مرتبطة بالتحوّل إلى القوة في تعامله مع زوجته وبناته، ومع أهل الشارع، والتركيز على الشخصيتين نفسهما (خطيب المسجد- ابن البوّاب)، فيحتل مكان خطيب المسجد، ويحرض على ابن البواب، بالإضافة إلى المشاركة والتحريض على حرق قسم الشرطة.
في المرحلة الأخيرة التي سبقت قتله، هناك قوة ما تكشف عن كونه أداة داخل فضاء كبير، لا تدرك من يحركه، فنراه – أي جمعة ياجوري – يقوم بأعمال خارقة للنسق، لا يمكن القيام بها إلا من خلال مساعدة أكبر من قدرته وتكوينه، مثل سرقة كاميرا أنتكا المسجل عليها أحداث الثورة، وإعادتها إليه ممسوحة الذاكرة، فصورة الكاميرا تكشف عن الوجود الفاقع والمتواري في الآن ذاته، بالإضافة إلى تهريب السيدة المسنة هانم التي ألقيت من سطح العمارة، لكي تنتهي القضية دون دليل كاشف عن التورط في الجريمة أو الفعل المشين المنسوب إلى شريحته أو فصيله.
ويمكن أن نلمح في إطار صوت المتكلم نوعا من التعرية للسلطة لحظة الهزيمة، وكأنه اتجاه مواز لتعرية الفصائل الدينية على تنوّعها. فالزبال حمزة يسكن غرفة الحجز بالقسم المحترق وهو مكان من أمكنة السلطة، ويضاجع نعيمة زوجة المخبر الذي يمثل وجها من وجوه السلطة، واستخدام القسم مخزنا للزبالة. يتجلى ذلك واضحا حين يعاين القارئ صوت إبراهيم المخبر، وإشارته من خلال حديثه الخاص، وخيانة أمه مع المدرس جورج، ومن خلال الصفات التي يسدلها عليه الآخرون، مثل العبيط. يؤسس لها النص الروائي على لسانه من البداية، حيث يقول: (منذ طفولتي جسدي أضخم من سنّي، أنمو بالطول والعرض بمعدل يفوق كل أقراني، وإن ظلّ عقلي وقدرته على الاستيعاب أقلّ الجميع، كنت أجلس في سنوات التعليم الأولى كالأبله).
التعدد الصوتي في السرد الروائي له علاقة في الغالب بالتباين والتناقض، لكن في بعض النصوص يأتي كاشفا من الناحية الدلالية عن التجاوب. لإن إجماع وجهات نظر كثير من الشخصيات بالرغم من اختلاف التكوينات الثقافية والوظيفية لكل واحد منها، كاشف عن موثوقية ومشروعية وصواب الرؤية، خاصة حين يتعلّق الأمر بالشخصية الرمز التي تقوم الحكاية حول وجودها وسيطرتها وضعفها في لحظات سابقة وقتلها في النهاية، واختلاف الناس حولها في كل ذلك. وفي التعدد الصوتي المتجاوب لإكمال الحكاية كشف للأكاذيب التي تمررها الشخصية لصناعة نوع من المشروعية والتبرير لفعل الخيانة، وكأنه فعل يوازي فعلا، كما قالت نعيمة عن زوجها إبراهيم: «ليس صحيحا ما حكيته لحمزة، وأقنعته أن إبراهيم فلاتي، يطارد الحريم، ويساومهن على مرافقته، وتزوجني، لأني تمنعت عليه، ولم يجد طريقا لينالني سوى الزواج»..
الأسلبة الأيديولوجية
والتوجيه السردي
حرفية الكتابة في صناعة الصوت السردي لا تقف عند الشكل الخارجي من التعدد الذي يكشف عن التجاوب، وإنما يتعدّى ذلك إلى نوع من الأسلبة اللغوية التي تكشف طبيعة كل صوت، فالاختلاف لا يقف عند اختلاف الشخصية، بل في اللغة التي ينطقها كل صوت، فتصبح هذه اللغة كاشفة عنه، وعن تكوينه الفكري والأيديولوجي. وليس بالضرورة أن يكون صاحب الصوت أو وجوده الفعلي ضمن الأصوات بملفوظه السردي أو بنيته اللغوية المباشرة في النص، ولكن يمكن أن يكون حضوره قائما على الحكاية داخل أصوات الآخرين على تعددها.
في الرواية – في ظل تباين وجهات النظر – هناك نوع من الأسلبة المتقابلة، وهي أسلبة مرتبطة بتيارين أيديولوجيين، ربما ينشأ بينهما في بعض اللحظات الحادة الكاشفة عن التقاطب نوع من التباين والتضاد، ففي صوت القسّ عبد الشهيد تظهر هذه الأسلبة كاشفة عن خطر وجود التكوينات الأيديولوجية المبني على أساس ديني في قوله عن جمعة ياجوري: «يشيع أن الدولة تحابينا، تخاف منا، تطبطب علينا، تسترضينا، عكس حقيقة واضحة كالشمس، يراها الأقباطـ، تكدّرهم، وتشعرهم أنهم مواطنون من الدرجة الثانية».
القارئ للنص الروائي يدرك أن هناك – بعيدا عن الأسلبة اللغوية الحاضرة في الخطابات المحكية للأصوات الساردة – نوعا من التوجيهات السردية، توجيهات تتعلق بعدد الساردين، وآليات التشكيل لهذه الشخصيات، وتوجيهات تتعلق بالحدث وكيفية تمدده، وكلّها وثيقة الصلة بالمنحى الفكري أو الرمزي، خاصة الرمز المهيمن أو المسيطر، شخصية ياجوري المقتول الموضوع بغرفة الحجز بقسم الشرطة المحروق. أولى هذه التوجيهات يتمثل في عدد الساردين الذي وصل إلى أربعة عشر ساردا، هو عدد شهور حكم الإخوان من يونيو 2013 إلى يوليو 2014. وكأن الرواية تسجيل للوجود والنشأة والتلاشي.
يتمثل التوجيه الثاني في اختيار الفئة التي يقع عليها أو يطالها الاتهام، وهم جميعا من الأصوات السردية في النص الروائي، ويظهرون في النص على الترتيب (حمزة الزبال، ونعيمة، وإسلام، وعنتر، وأنتكا). والتأمل في تكوين هذه الشخصيات يكشف عن مساحة خاصة من الانتماء وسياق طبقة اجتماعية محددة، فجميعها ينتمي إلى طبقة البروليتاريا، أو الطبقة المتدنية. فليس هناك وجود لشخصية مثقف واحد في الرواية، وربما يكون هذا متعمدا، ولا يخلو من قصدية، في تشابكه مع دلالة الرمز الرئيس، لإسدال حالة من الرفض الشعبي ضد قيادة هذا النمط الديني الذي يزحزح الهوية من تجليها المتوارث المعهود والمستقر، وللإشارة إلى حالة إجماع ترتبط بالشعب.
ثمة توجيه آخر، يتمثل في فعل تغييب القاتل، فالرواية بالرغم من تعدد الأصوات، وتعدد المشتبه بهم من الشخصيات، ومحاولاتهم دفع التهمة وإبعادها عن أنفسهم وإنكارها، لم تفض في النهاية إلى حلّ، أو إلى وصول واهتداء للقاتل أو للقاتلين أو المنفذين. والتغييب هنا لا يخلو من توجيه مقصود، لأنه يشير إلى انفتاح وتعدد خيارات من يقوم بهذا الفعل.
تتجلى الشخصية الرئيسية في تنميط جاهز، له أسس حاضرة في الذهنية المراقبة، فزوجته الأولى (غناوي) تكشف في صوتها السردي عن المحطات الأولى لهذا التوجيه المرتبط بالطبقة والمكانة الاجتماعية، حين تشير إلى كونه ابن مزيّن- حلاق- القرية، ومن ثم يصبح كل ما يقوم به استجابة لأسس النمط التي يأخذ في كل مرحلة صورا جاهزة، من البداية حتى مرحلة القيادة، سائرا في حدود النمط في تفرعاته المغايرة لكل مرحلة.
سمير فوزي: «كل الأبواب مواربة»
دار الناشر، القاهرة 2024
177 صفحة.