أعادت المواجهة بين الحكومة السورية المعترف بها، اليوم، دوليا، وقوات سوريا الديمقراطية قسد، السؤال الكردي في سوريا مرة أخرى. لقد كتبنا في مقال نشر في «القدس العربي» بعد أسابيع من سقوط نظام بشار الأسد حول عملية الانتقال الصعبة في سوريا، أن قسد «قد نجحت في التمدد في مناطق واسعة بعيدا عن الجغرافيا والديمغرافيا الكردية، وإذا كانت قد خسرت منبج في ريف حلب الشرقي، وانسحبت من دير الزور، وربما ستنسحب من الطبقة أيضا، وبالتالي تخلي مناطق نفوذها تماما غرب الفرات، فإنها ما تزال تسيطر على أجزاء من محافظتي حلب ودير الزور الواقعة شرق الفرات، وليس واضحا ما إذا كانت ستتخلى عنها، أو ستتخلى عن الرقة بالسهولة نفسها وتكتفي بمنطقة إدارة ذاتية في محافظة الحسكة وحدها. والواقع أن الموقف الأمريكي هو الحاسم في هذه الحالة، فهو الداعم الأساسي لهذه القوات، وهو موقف مرتبط بالموقف الأمريكي من الحالة في سوريا عموما.
ولقد ازدادت الأمور تعقيدا بعد أن أعادت قسد انتشارها في دير الزور، ولم تنسحب من حيي الأشرفية والشيخ مقصود التي تسيطر عليها منذ العام 2012، أو المناطق الواقعة على غرب نهر الفرات مثل دير حافر ومسكنة والطبقة. كما أن المفاوضات التي جرت بين الإدارة السورية وقسد والاتفاقات التي أُعلن عنها، بدت وكأنها نتيجة لضغوط أمريكية وليست نتيجة إرادة ذاتية بالتوصل إلى حلول عقلانية، لهذا لم ينتج عنها أي شيء حقيقي على الأرض.
لا يمكن الحديث عن قسد وتمددها دون الحديث عن الدور الأمريكي في هذا التمدد في سياق الحرب على داعش. فقد كان الدعم الأمريكي العسكري والسياسي حاسما في سيطرة قسد على المناطق التي كانت تخضع لسيطرة داعش في شمال شرق سوريا، خاصة بعد نجاحها في طرد داعش من عين العرب في بداية العام 2015، هكذا تمددت قسد في جغرافيا واسعة بعيدا عن المناطق ذات الغالبية الكردية دون أن ينتبه الأمريكيون، كعادتهم، إلى الحساسيات ذات الطبيعة القومية التي تنتج عن هذا التمدد! وبالتالي لا يمكن تفسير سيطرة قسد على هذه المناطق بوصفها نتاجا لقوة ذاتية حقيقية لقسد من الناحية العسكرية، خاصة وأن قسد اعتمدت على الدعم الأمريكي في تجنيد آلاف المقاتلين العرب ضمن قواتها، وهؤلاء سينقلبون عليها إذا ما تغيرت علاقات القوة الحاكمة في مناطقهم، بشكل خاص في دير الزور والرقة ووسط وجنوب محافظة الحسكة!
وكما أن سيطرة قسد على الأشرفية والشيخ مقصود في حلب على مدى 13 عاما قرار سياسي، بدأ مع نظام بشار الأسد، واستمر بعد سقوطه، ولم يكن نتاج علاقات قوى عسكرية، فما كان بإمكان قسد السيطرة عسكريا على حيين محاصرين من جميع الجهات، وأقرب وجود لقسد، في دير حافر، يبعد ما يقارب 35 كيلو مترا عنها، تسيطر عليها قوات الطرف الآخر! لهذا لا يمكن الحديث عن سيطرة قوات الحكومة السورية على هذين الحيين، وحركتها التالية في اتجاه دير حافر ومسكنة، إلا على أنها مقدمة للوصول إلى الطبقة ودير الزور (وفي مرحلة لاحقة إلى محافظة الرقة نفسها، وربما في مرحلة أخيرة إلى الحسكة نفسها) وما كان لهذا أن يحدث لولا التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، في سياق عملية أوسع تتعلق بترتيبات المنطقة ككل!
المفاوضات التي جرت بين الإدارة السورية وقسد والاتفاقات التي أُعلن عنها، بدت وكأنها نتيجة لضغوط أمريكية وليست نتيجة إرادة ذاتية
وكانت قسد قد أعلنت في بداية عام 2014، عما أسمته «إقليم الفرات»، والذي يضم عين العرب/ كوباني والبلدات والقرى التابعة لها وهي صرين وقنايا والجلبية (تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة حلب) وعين عيسى (تقع ضمن الحدود الادارية لمحافظتي الرقة). أما منطقة عفرين، والتي تعد من أهم مناطق وجود المجتمع الكردي في سوريا، وتقع أقصى الشمال الغربي لمحافظة حلب، وتبعد عن عين العرب مسافة تتجاوز 200 كيلو متر بخط مستقيم، ولا تقل عن 300 كيلو متر عبر الطريق البري، وفيها أعلنت وحدات حماية الشعب/ قسد سيطرتها عليها في بداية عام 2014، فقد اضطُرَت للانسحاب منها بعد تدخل القوات التركية والمعارضة السورية الحليفة لها إلى المدينة ومحيطها عام 2018، وهو ما نتج عنه نزوح واسع النطاق للمواطنين الكرد من هناك في اتجاه مناطق سيطرة قسد في مدينة حلب وفي شرق وشمال شرق محافظة حلب، كما شهدت المدينة ومحيطها نزوحا عكسيا من المواطنين في المواجهات الأخيرة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، فوفقا لأرقام مؤسسة البارزاني الخيرية فقد نزح 139 ألف مواطن كردي/ 27 ألف عائلة في اتجاهها.
وتشكل مدن القامشلي وعمودا والمالكية والدرباسية، التجمع الكردي الثالث الأهم في سوريا، وتقع في أقصى شمال شرق سوريا ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة. وليس ثمة إحصاء رسمي يحدد حجم السكان العرب أو الكرد في المحافظة، حيث إن ثمة تضاربا في الأرقام والسرديات حول الوضع الديمغرافي نسب كل من العرب والكرد فيها!
هذا الافتقاد الحقيقي للجغرافية الكردية في سوريا، وبعيدا عن السرديات المتوهمة، يطيح بأي إمكانية تتعلق بفيدرالية كردية تضم هذه التجمعات الثلاثة، على غرار نموذج إقليم كردستان العراق؛ ومن ثم على قسد أن تفكر بنموذج آخر أكثر واقعية وعقلانية، خاصة وأن حركة النزوح الواسعة التي تسببت بها الحرب في سوريا قد عقدت الأوضاع على الأرض؛ فوفقا لأرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «OCHA»، بلغ عدد النازحين في عفرين 180 ألفا و161 نسمة أي ما نسبته 84٪ من إجمالي السكان، بينما بلغ عدد المقيمين الأصليين 35 ألفا و420 أي ما نسبته 16٪ من سكانها فقط! فقد كانت حركة النزوح العربية واسعة في اتجاه عفرين بعد عام 2018 (من مناطق الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي ودرعا وريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي) فضلا عن الهجرة العسكرية للكرد من المدينة بعد فقدان قسد السيطرة عليها.
في المقابل، لا يمكن لعاقل أن يتوهم أنه بالإمكان العودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل العام 2011، وأنه يمكن للكرد أن يتخلوا عن حقوقهم السياسية والثقافية المكتسبة، أو أن يجبروا على ذلك!
ولتلك الأسباب جميعها على الطرفين الحكومة السورية وقسد، وبوساطة أمريكية وكردية عراقية (الأستاذ مسعود البارزاني شخصيا) أن يتوصلا إلى اتفاقية طويلة المدى، تبدأ بتطبيع الأوضاع في هذه المناطق، وإعادة النازحين منها وإليها إلى مناطقهم الأصلية، وإجراء استفتاء في هذه التجمعات الثلاثة: القامشلي وما حولها، وعين العرب وما حولها، وعفرين وما حولها، حول إدارة ذاتية واسعة الصلاحيات، قد تقترب من الصلاحيات الفيدرالية، وأن تتحول القوات العسكرية التابعة لقسد إلى وحدات أمن داخلي وشرطة محلية، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية وعدم المساس بها.
في الحروب الأهلية ليس هناك منتصر ومهزوم، بل الجميع خاسرون في النهاية، العقل والحكمة وحدهما يحققان نصرا حقيقيا لكل الأطراف!
كاتب عراقي