الصدفة تحولت إلى شغف وصارت عبوات البلاستيك أفكاراً تتحقق ومعها 7 غينيس
بيروت ـ «القدس العربي»: صدفة مرّت في حياة كارولين شبطيني فتمسّكت بها، ولم تتركها تذهب سُدى. وصارت تلك المرأة عنواناً لجمع عبوات البلاستيك من كل لبنان وابتكار المشاريع. وإذ بالتحدي يستهويها، وفتح إصرارها أمامها أرقام موسوعة غينيس فحصدت سبعاً منها في زمن قصير، وكسرت رقماً قياسياً سُجّل في اليابان. ليس هذا وحسب، بل هي باتت تجوب لبنان بكل مناطقه، لتسلُّم عبوات البلاستيك من جامعيها. يتحرّك الباص المخصص لهذه المهمة بعد إبلاغ المنطقة المقصودة مُسبقاً. وباتت على تواصل مع عدد كبير من الجامعات العاملة في لبنان. وطلاب هذه الجامعات يعملون معها تطوعاً حين تكون حيال مشروع جديد. ففي مشروع الأرزة الأخير تعاونت مع حوالي 500 طالب جامعي، في مهمة استغرقت شهراً كاملاً.
أنجزت كارولين شبطيني مجسّمات متعددة مصنوعة من عبوات البلاستيك، أو من سدّاتها. كانت شجرة عيد الميلاد البداية، وكرّت السبحة من الهلال إلى السلحفاة وغيرها.
درست كارولين المحاسبة، ومن ثمّ تابعت دورة تدريب خاصة على مهمة بيع النظّارات. وهي حالياً تعمل لتعزيز معلوماتها عن الأثر السلبي الذي يُخلّفه وجود البلاستيك الكثيف بكافة استعمالاته في حياتنا.مع كارولين شبطيني هذا الحوار:
○ فن إعادة التدوير أتاح لك تسجيل سبعة أرقام قياسية في موسوعة غينس. لنتعرّف إلى انطلاقتك في هذا العمل الفني والبيئي؟
• رافقني بطن الولادة المنتفخ إلى عمر الـ39 سنة، وكانت حينها ابنتي صوفي قد بلغت عمر التاسعة. فقد زرت اخصائية تغذية للتخلص من بطني، فكان العلاج الذي طلبت مني اعتماده هو الإكثار من شرب الماء. كنت أعمل في محل لبيع النظّارات، فصرت أشرب الماء واحتفظ بالعبوات. كثُرت العبوات جداً، ولم أجد بعد بحث من يهتم بإعادة التدوير. فكرت ملياً بحل إيجابي لتلك العبوات، فوجدته بتصميم شجرة لعيد الميلاد الذي كان يقترب كهدية لإبنتي بهذه المناسبة. وهكذا أنجزت شجرة من عبوات صغيرة، وانطلقت الفكرة صغيرة، وراحت تكبر بعد أن وجدت الكثير من الإعجاب والثناء. وخلال بحثي على شبكة الإنترنت، اكتشفت أن مدينة مكسيكو قد أنجزت شجرة كبيرة دخلت موسوعة غينيس. فقررت إنجاز شجرة أجمل وأكبر، بهدف كسر الرقم القياسي. وهكذا انطلقت وبدأت مسيرات الأرقام القياسية. فقد كسرت الرقم القياسي الذي كان للمكسيك حين أنجزت شجرة الميلاد لسنة 2019/2020، وكان مقرّها مدينة شكا.
○ ماذا عن لون الشجرة الأخضر الأخيرة؟
• إنها الشجرة التي حصلت من خلالها على سابع غينيس، بينما الشجرة الأولى صنعتها من عبوات ماء شفافة. أما المشروع الثاني فكان الهلال، حيث حلّ شهر رمضان بعد عيد الميلاد. أنجزت أكبر هلال بمساحة 169 مترا مربعا تحية للشهر الفضيل مني كامرأة مسيحية. وهذا الهلال صنعته من أغطية العبوات البلاستيكية. كنا حينها في زمن كورونا ولم أجد دعماً من أية مؤسسة، أو أي متمول. والهلال مكنني من حيازة جائزة غينيس الثانية، حيث كسرت من خلاله الرقم الياباني. وهذا الهلال وضع في بلدتي مزيارة، ولأن الطقس كان عاصفاً أعدت ترميمه ثلاث مرّات.
○ قبل أن تحملك الصدفة إلى جمع عبوات البلاستيك هل كانت لديك مشاعر سلبية من سلوكنا الذي ينتهك حرمة بيئتنا؟
• بالتأكيد كنت أدرك مدى الضرر الذي يلحقه البلاستيك بالبيئة، وكم من السنوات يلزمه كي يتحلل. فقط كنت احتفظ بما استهلكه من بلاستيك في مكان خاص لإعادة التدوير.
○ وبعد تحطيم الأرقام القياسية هل بدأت البحث عن الضرر الذي يلحقه البلاستيك بحياتنا سواء كنّا على البرّ أم في البحر؟
• بدون شك. عندما أكون حيال مشروع فنحن نجمع ما يفوق الخمسة أطنان من البلاستيك. نستعمل حاجتنا منها وما يتبقى نبيعه، ونتبرّع بثمنه للأطفال المرضى بالسرطان.
○ هل يروق لك لقب «سيدة غينيس» أكثر من لقب المرأة المناهضة للبلاستيك على سبيل المثال؟
• لا تعنيني أرقام غينيس، خاصة وأني أنجزت 37 مشروعاً لا صلة لها مُطلقاً بهذا السباق. هي مشاريع أنجزتها مع مدارس وجامعات، ومع «أن جي أوز»، وعلى مدى سنتين متتاليتين أنجزت سلحفاة بحرية، الأولى مع فرنسا، والثانية مع شركة النفط آي بي تي. كذلك أنجزت ثلاث شجرات لعيد الميلاد لا صلة لها بغينيس.
○ ما هي المواد التي استعملتها في إنجاز السلحفاة؟
• تكوّنت السلحفاة من أغطية العبوات، ومن أشياء كثيرة جمعناها من البحر.
○ ما هو الأسلوب الذي تعتمدينه لجمع حاجتك من العبوات لصالح مشروع ما؟
• أتعاون مع كثير من المواطنين على امتداد لبنان. أكتب عبر وسائل التواصل عن مشروعي المقبل وتبدأ الناس بجمع العبوات. الناس يجمعون، وكذلك المدارس، من خلال هذه الكميات التي تُجمع لكل مشروع ندرك مدى إيمان الناس بضرورة احترام البيئة.
○ وبماذا تصفين المشاركين في جمع العبوات؟
• هم عائلتي، وهم الأساس. بدونهم لما كنت سجّلت رقماً قياسياً، ولما دخلت موسوعة غينيس بإسم لبنان.
○ وكيف تجمعين العبوات من كافة مناطق لبنان؟
• أزور كافة المدن والبلدات من الجنوب إلى الشمال، ومن الغرب إلى الشرق عبر باص يساعدني في احتواء العبوات في خلال يوم أخصصه لهذه المهمة. حتى أن بعضهم يجمع العبوات مفترضاً أنني سأكون حيال مشروع مقبل، ومن دون دعوة.
○ التواصل مع المتعاونين يقتصر على وسائل التواصل فقط؟
• بل في مرحلة لاحقة يصبح رقم هاتفي ملكاً للجميع.
○ وما هو عدد أفراد العائلة كما اسميتِها؟
• ليس لي قدرة إحصائهم. على سبيل المثال خلال مشروعي الأخير، حيث أنجزت أرزة لبنان بمناسبة عيد الاستقلال، تعرّفت إلى حوالي 6 آلاف طالب ساعدوني في إنجاز مهمتي.
○ إلى جانب جمع العبوات تحققت جولة معرفة وإطلاع على كافة أرجاء الوطن؟
• صحيح، وهذا ما ترك أثراً جميلا في نفسي، ووجدت لدى الناس اندفاعاً للتخلُّص من البلاستيك بأفضل الطرق. كذلك يشترك في جمع العبوات عدد من الفنانين ومحطات التلفزة وبعض المذيعات. على سبيل المثال مكتب الفنانة مريام فارس يحتفظ بالعبوات لصالح مشاريعي، وبطلب منها.
○ إن كنت حيال اختيار بين لقبي امرأة غينيس والمرأة المناهضة للبلاستيك. أيهما تختارين؟
• بنظري هما مترابطان في حياتي. وإن كان لا بد من الاختيار فأنا أختار الثانية، خــاصة وأنّ الحصول على غينيس بات سهلاً. بينما إزالة البــلاســتيك من حياتنا هو الأصعب.
○ العمل في تصميم وإنجاز مجسمات من البلاستيك بات طموحاً أو احساساً بالمسؤولية حيال البيئة التي نعيش فيها؟
• هو شغف ومسؤولية أيضاً حيال الأجيال المقبلة. كذلك أتمنى لو أكون قدوة للنساء في مكافحة حضور البلاستيك في حياتنا. إنها رسالة لنا جميعاً.
○ وماذا عن أكياس البلاستيك؟
• ليست من ضمن اهتمامي حتى الآن. لكنني شخصياً عندما أقصد السوبر ماركت أحمل ما اشتريته بدون أكياس نايلون.
○ هل من مكان محدد تجمعين فيه حاجتك من العبوات؟
• المشروع هو الذي يفرض مكانه. إن كنت حيال مشروع يدعمه أحدهم استأجر مستودعاً قريباً للمشروع ولمدة زمنية قصيرة. وإن لم يكن عندي مشروع أجمع العبوات في بيتي في الكورة، أو في بيت أهلي بمزيارة. لا يوجد مكان ثابت.
○ من تقصدين لرعاية مشاريعك؟
• عادة أطرق باب البلديات أو من أشعر أنه مهتم بمشروعي. بعضهم يرغب بأن يُذكر اسمه في غينيس كراعي للمشروع. وهؤلاء يملكون المال ولا يملكون الأفكار. كما أن بعض الشركات خاصة في قطاع النفط تهتم بدعم المشاريع البيئية، حتى وإن كان اهتماماً مرصوداً للمظاهر أولاً.
○ وماذا عن دور البلديات؟
• الأرزة الأخيرة التي أنجزتها كانت بدعم من بلدية اميون. كذلك دعمتني بلدية شكا سابقاً. الأهم أن عدداً من البلديات في المناطق بدأت تطلب من المواطنين اعتماد الفرز المنزلي، كما في بلدتي مزيارة، وغيرها العديد من البلديات التي تعتمد الفرز ظاهرياً.
○ هل تفكرين بمشروع مع فنان أو فنانة دفاعاً عن البيئة؟
• هذا ما لم يخطر لي بعد. وقد يأتي لاحقاً.
○ هل طلبت التعاون مع وزارة الأشغال في مشروع يحد من تسكير مجاري مياه الأمطار؟
• لم أجد الاهتمام مطلقاً لا من وزارة الأشغال، ولا من وزارة البيئة. الوزارتان معاً تعلمان أن كارولين شبطيني التي تجمع 5 طن من عبوات البلاستيك من مختلف مناطق لبنان وصلتها بالبيئة. وقد بلغني أن وزارة البيئة تتجه لمعالجة أزمة النفايات بإنشاء محارق، فهل يُعقل؟ علاقتي ليست على ما يرام مع الدولة.
○ الفنانون في العالم يقيمون المجسّمات الكبيرة من إعادة التدوير في الأماكن العامة. متى ستقدمين على مشروع مماثل؟
• لم أجد التشجيع مُطلقاً لهكذا مشروع. على سبيل المثال السلحفاة على شاطئ البحر في عمشيت تمّ تفكيكها من قبل الداعمين، ولم يسمحوا ببقائها لمدة أطول. وسلحفاة أخرى في ميناء طرابلس، تمّ تفكيكها أيضاً.
○ وماذا عن المهنة التي تشغلينها الآن؟
• حالياً أهتمّ فقط بتنفيذ المشاريع من عبوات البلاستيك.
○ ماذا عن المشروع المقبل؟
• أمتلك فكرة لشهر رمضان الذي سيحلّ قريباً. لم أجد بعد من يدعمها أو يتبنّاها.