في روايته «كأنني لم أكن» يستند الكاتب السوري هوشنك أوسي إلى مجموعة من المناحي الفكرية المترابطة والمتداخلة التي يمكن أن يحلّ بعضها محل البعض الآخر، أو على الأقل يمكن أن يتشابه معه في مساحة من معناه وإن اختلف عنه في مساحات أخرى. فقارئ الرواية بالرغم من وجود دلائل تشير إلى كونها هجاء للأيديولوجيا الرنانة بألفاظها وخداعها وتشكيلاتها الثابتة وانحيازها وتعاليها وشوفينيتها، سوف يدرك أنها رواية لا تتقيّد بفكرة وحيدة، فهي وإن كانت وفية لهذا المنحى تتشابك في الوقت ذاته مع مناح أخرى، فهي رواية عن بناء الوعي، وهو بناء يرتبط بمراحل زمنية وتحولات فكرية، حيث يتغير وعي الفرد بالألفاظ والمصطلحات والانتماءات من تسليم واندحار إلى مساحة الشك، ثم إلى حال الرفض.
تلح على مدار صفحات الرواية مجموعة من الأسئلة شديدة الخصوصية، منها سؤال الهوية، وسؤال الوطن، ولكن النص الروائي لا يسلم قياده للدلالات الجاهزة لكل هذه المفاهيم، فنراه يعيد تفكيكها، فدلالة الوطن على سبيل المثال تتحوّل من مكان محدد إلى فضاء المتخيل الإنساني. لكن الرواية ظلت وفية للفن، فقد تجلت اللغة السردية مشدودة بوصفها وترا لا يكفّ عن بناء الرموز المصنوعة والمشدودة إلى توجيه سردي جزئي مستمر بين الرمز وما يحيل إليه من دلالات تتولّد في الذهن لحظة القراءة، حتى ولو لم تصل إلى مرحلة الاكتمال. فالراوي العليم يعطي مساحة للشخصية حين تسرد حياتها، ولكن وجوده في النص من البداية إلى النهاية يجعله أشبه بالمؤطر أو الموجه الذي يمارس دوره في اختيار الحوادث الفاعلة والارتدادات المهمة، والحكايات المصاحبة وثيقة الصلة بالمنحى الفكري للرواية، ذلك الإطار الذي يحاول في حركته الإمساك بثالوث يتفلّت، وهو ثالوث مكوّن من الذاكرة والتاريخ والهوية.
هجاء الأيديولوجيا
لا يركز النص الروائي في هجائه للأيديولوجيا على تنضيد محدد من أنساقها المعهودة، حتى وإن كان السارد الأساسي في النص ينتمي – وإن حاول التفلّت – إلى واحد منها، وبالرغم من أن هناك تركيزا عليها، لأنها تشكل مجال معرفته ونقطة انطلاقه من الخاص إلى العام، نراه يركز على ذم مطلق الأيديولوجيات أو المذاهب، سواء أكانت تستند إلى مقدس سماوي أو إلى صناعة بشرية مثل الماركسية، يؤيد ذلك أن النماذج المدرجة في النص الروائي (الجد للأم- والأب شالاو- والابن هوزان) يتشكل وجودهم المنفي داخل إطار هذه الأيديولوجيات، وإن اختلفت درجة الارتباط بها أو محاولة درجة الانفكاك من أصولها وحدودها في النهاية حسب النمو المعرفي وتراكمه من فترة إلى أخرى.
فالنموذجان (الجد للأم)، والأب (شالاو) كان لديهما في المرحلة الأولى إيمان وتأثر بالدلالة العاطفية المصنوعة للألفاظ الأيديولوجية وتحولاتها مثل (العدو) و(الخائن) و(الثورة)، ولكنهما بالتدريج اكتشفا زيف هذه الدلالات. ففي المرحلة الأولى أو في مساحة الوعي التهويمي المثالي بعيدا عن التجربة، نحن أمام وعي يستند إلى العاطفة، وإلى التسليم بما يقوله القادة، لأن مفاهيم مثل الثورة والحرية والوطن والعدو تخفي بسطوتها النتوءات والفجوات.
المرحلة الثانية هي الشك الناتج عن التجريب بعيدا عن التهويم المثالي والمنحى العاطفي في تلقي مصطلحات الأيديولوجيا بشحنها المعهود، وهذه المرحلة مع البطل أو شخصية شالاو لم تأت طفرة، وإنما جاءت مبنية على التجربة والتحولات، والانفتاح على الآخر الأنثوي، من خلال (أولجا)، فالناي أو الغناء يأتي مقابلا لفكرة القتل، فقد حوّلته أولجا – في منطق النص الروائي – إلى إنسان آخر تماما، فقد أصبح فنّانا يعزف على الناي والكمان، ويدمن القراءة والاستماع إلى الموسيقى، ولهذا تقول الرواية واصفة شالاو مركزة على بداية التحوّل: (في الوقت عينه، كلما ازداد وعيا، ازداد ابتعادا عن رفاقه البشمركة، وانعدم لديه الاستعداد للموت في سبيل قتال العدو الذي تمّ تصويره له على أنه الوحش الذي يهدد كرامته… ولم يعد مقتنعا بكل تلك الشعارات).
فالنص الروائي لا يمارس فعل الهجاء أو الذم فقط، ولكنه يمارس نوعا من تعرية الأسس التي تبنى عليها أية أيديولوجية، سواء أكانت دينية أم بشرية، وذلك من خلال جرح النصاعة الشكلية الخارجية، فما حدث على ظهر السفينة التي عادت بالمحاربين وبينهم الأب شالاو وأسرته إلى أرض الوطن، من انقسام الجميع إلى فريقين، بالإضافة إلى الفريق الثالث الذي تولّد لديه الشك في قيمة وجدوى الانتماءات الأيديولوجية، وقيمة الشعارات الزائفة. كل فريق يرى الآخر عملاء وجواسيس، سواء للسوفيت أو لاستخبارات عبد الكريم قاسم، وفي ذلك تأسيس لتفتيت نصاعة هذه الانتماءات التي تحتوي على الاتهامات الجاهزة، فقد كشفت الرواية عن أن السبب يرتبط بفتاة روسية خدعت قائدي الفريقين المتناحرين معا، وفي ذلك إزالة لفكرة القداسة التي يسدلها القادة على سعيهم.
تستدعي هذه الحادثة الخاصة بالسفينة حكاية أخرى رواها والد شالاو له، ربما تكون كاشفة عن سمة غالبة أو عن ملمح من ملامح الهوية لدى الأكراد، يتمثل ذلك الملمح في الاحتراب أو النزاع والخلاف حول أسباب تافهة، تحكي الحكاية عن مجموعة أكراد يجلسون جلسة مزاح وانسجام، وحين مرّ قط مذعورا من كلب يلاحقه، فلم يكن التساؤل لديهم مرتبطا بنجاة القط من عدمه، ولكن تشكل الخلاف حول ملامسة ذنب أو ذيل القط للحائط أم لا أثناء هروبه. وبسبب ذلك وقعت جرائم، وحدث قتال بالأسلحة، وتكرّر الأمر بعد المصالحة.
وربما كان التوجه واضحا في آلية اشتغال الطبيب النفسي، في انطلاقه من السياق العام أو الحدث السياسي، فهذا يمكن أن نعدّه نوعا من التوجيه السردي للإشارة إلى الفكرة الأساسية، وهي أثر الكيانات الكبرى في جرح حرية الفرد، وأثرها الكبير في تحويل الجميع إلى عميان لديهم معرفة مختزنة، فمدخل الحوار في الجلسة الأولى عن ثورة الجزائر، والمدخل في الجلسة الثانية عن سقوط جدار برلين الذي أقامه الرفاق الشيوعيون، وأطلق عليه جدار الردع للحماية من الفاشية. ولتأكيد المنحى الدلالي أو المعرفي الذي تتحرّك في إطاره الرواية، هناك إشارة لافتة تنطوي على أن من قاموا بالهرب إلى الجانب الآخر هم من أقاموا الجدار، تقول الرواية: (والغريب أن الذين عبروا الجدار هربوا من الشرق إلى الغرب، وليس العكس).
تفكيك الوطن وصناعة الذاكرة
يشتغل النص الروائي- مثلما تكفل بجرح نصاعة الأيديولوجيا-على تفكيك فكرة الوطن الأم، خاصة في ظلّ التعدد الهوياتي المصحوب بالتعدد اللغوي. ففي هذه الرواية تخضع فكرة الوطن للتمحيص، فالوطن لم يعد كما كان في لحظة البداية قبل اكتساب وعي خاص بالشتات، لكنه يصبح مكانا متخيلا لا مكان ثابت له، فهو يرتبط بالوعي والقدرة على الاندماج. فالرواية حين تشتغل على جرح مفهوم الوطن/أرض الميلاد، وكسر ارتباطه بمكان محدد تفتح الباب لوطن مكتسب، ليس فيه تعصب لمكان محدد، لتتولّد من خلال هذه المفهوم هوية سائلة بعيدا عن الشوفينية، ترتبط بالقدرة على التأقلم والاندماج.
فالرواية – من خلال اشتغالها على التعدد المكاني والتعدد اللغوي- تؤسس توجها جديدا للنظر إلى الوطن قائما على الانفتاح على الإنساني في مداه الرحب، حيث تقلّ مساحة الانحيازات التي تولّد العنصرية، والوطن في ظل ذلك التصور يعاد تشكيله وخلقه مع كل جيل استجابة للحظته الحضارية التي يمرّ بها، تقول الرواية: (تكوّنت لديه قناعة أن القيمة المثلى للوطن أن ينتمي المرء لكل مكان، وألا يتعصب لأي مكان. قابلية التأقلم والاندماج لدى الإنسان هي الكفيلة بتوسيع رقعة الوطن على تقليص مساحة الغربة).
وتفكيك دلالة أو مفهوم الوطن وثيق الصلة ببناء الوعي الفردي وتحولاته. فبناء الرواية على هذا النحو من الترتيب وثيق الصلة بتحوّل النظرة من جيل إلى جيل في معانقة أفراده لفكرة الوطن، فحياة الأب وخياراته ترتبط بفكرة خاصة للوطن، تتيح له الاستمرار في البداية وفق التصور القديم، وتتيح له- أيضا- بعد التجربة ميلاد بوادر الشك في هذا التصور، ولهذا جاء رد فعله في النهاية موزّعا بين الارتباط بالشعارات، والتحوّط من نتائجها والإيمان بها، ومن ثم نقل أهله إلى مكان آخر في دمشق، بعيدا عن الوطن الأم.
إن ترتيب التجارب والأنماط على هذا النحو من الجد إلى الأب إلى الابن يحمل في طياته قيمة خاصة للسابق، وللذاكرة المتبقية منه، وتلح هنا فاعلية للذاكرة، فالرواية – إذا كان الوطن في منطقها يرتبط بالذاكرة – تشتغل في تأسيسها للوعي الفردي والجمعي اشتغالا خاصا على الذاكرة ليس بوصفها تشكيلا ثابتا وجاهزا، ولكن بوصفها أداة أو وسيلة تعيد تشكيل الماضي مع كل عودة، فالذاكرة ليست ساكنة، ولكنها دينامية دائما، لأنها من خلال هذه الدينامية تركز على العنصر الفاعل، وتشكل منه بداية جديدة للانطلاق في معاينة الماضي. فالذاكرة في تجليها هي فعل بناء مع كل تجلّ، وفي كل عودة تُبنى من جديد، وفي كل بناء لا تخلو من التأثر من الأنماط السابقة الجاهزة من خلال أنساق متجذرة بتكرار الفعل، فتجد الذات نفسها مشدودة إليها، حتى وإن كانت بعيدة عن مداراتها.
وإذا كانت الذاكرة فعل بناء، فإن ميلاد الذاكرة لم يأت في الرواية إلا في حضور العمى من صانعي الذاكرة، بوصف العمى بصيرة خاصة بالتاريخ وبالماضي. وقد تمّ تأسيس حضور البصيرة مع العمى قبل الدخول إلى نماذج مؤسسي الذاكرة المغايرة في التاريخ العربي من العميان، وذلك من خلال شخصيات وإشارات وثيقة الصلة بالشخصية الرئيسة أو بالشخصيات التي يمكن اعتبار وجوهها العديدة وجوها مختلفة لشخص واحد، تتغير وجهة نظره مع كل لحظة حضارية مختلفة، ومع كل وعي مباين.
فالاختلاف هنا في عمل والدته أو مكان مولد والده وعمله، لا يرتبط بخيانة الذاكرة، لكنه يرتبط ببصيرة غائبة، وتأويل مختلف لم يتجليا إلا لحظة العمى، فالذاكرة ليست جاهزة، ولكنها تشكل في كل مرة بشكل مختلف حسب حاجة الإنسان ولحظته الحضارية، والإنسان لا يتذكر ما حدث واقعا، ولكن يمكن أن يضيف إليه دون أن يدري شيئا من التأويل أو شيئا من آماله التي تشكل سلطة نموذج متخيل لم يتحقق.
هوشنك أوسي: «كأنني لم أكن»
دار سؤال، بيروت 2022
231 صفحة.