قنبلة مبروك عطية: لا جديد قادم!

ما سأتحدث فيه هنا حقائق وليس آراء، لقد فجر مبروك عطية قنبلة حين طالب النساء أن يخرجن من بيوتهن مكفنات بالثياب، مستخدما مصطلح «قفة» في شكلها، حتى لا تتعرض للقتل من الرجال الذين يسيل لعابهم على النساء عاريات الرأس، يطير شعرهن الحرير. أولا شكرا لأنه ذكرنا بعبد الحليم حافظ وهو يغني على الشاطئ لمريم فخر الدين في فيلم «حكاية حب» الذي عُرض عام 1959 وشعر مريم فخر الدين يطيره الهواء. لم يكن ذلك أمرا شاذا اخترعته السينما، فقد كان هذا أمرا عاديا في الحياة، ومن هم في عمري عاشوه كحياة يومية ليست غريبة عنهم في شيء. كان الأحباء من الجنسين يقفون أو يجلسون على الشواطئ، النيل أو البحر، وشعر الفتيات منطلق يطيره الهواء، وحتى في الطرقات بعيدا عن الشاطئ.
للأسف هناك أجيال لم ترَ ذلك وعاشت بين الحجاب والنقاب، فاعتبرت أن هذه مصر طوال تاريخها، ولا يكلفون أنفسهم عند النقاش أن يعودوا إلى الأفلام القديمة، أو مواقع مصر زمان. إنهم يعتبرون أن ما عاشوه منذ أواسط السبعينيات حتى الآن هو الحياة المصرية الحقيقية، فصار النقاش صعبا معهم، فما بالك لو قلت لهم كيف رأيت المقاعد على الشاطئ، أو في الشوارع الواسعة، مثل شارع الجبلاية في الزمالك الذي كان ملتقى العشاق، أو على شاطئ النيل، وقد وضعت فوقها كتل من (الخراء) حتى لا يجلس عليها أحد ثم أزيلت المقاعد. سيعتبرونك مجنونا تهذي رغم أنك تقول حقيقة رأيتها وليس رأيا.
لا يهمني أن مبروك عطية وهو يتحدث يأخذ طريقة الحديث للشباب في «التيك توك» من ليّ الفم، أو استخدام اليدين أو كلمات مفاجئة بحثا عن التريند والمشاهدين الأكثر. لا يهمني حتى أنه وصل إلى ما لم يذكر صراحة من قبل في الدعوة إلى حجاب المرأة وإلا القتل. كانت كل الدعوات التي ملأت حياتنا منذ ذلك الوقت، أقصد منتصف السبعينيات، أن الحجاب هو الطريقة الصحيحة لإبعاد الذئاب، الذين هم الرجال. وكأن الرجال حيوانات تمشي فقط وراء الغريزة، ولا اعتبار عندهم للقانون أو الأخلاق، ما ذكرني بما تفعله الحمير في الطرقات ويعرف ذلك أهل الريف أكثر، فحين يركب شخص حمارا، أو يجر الحمار عربته، ويقابل الحمار حمارا آخر لا يهتم، لكنه إذا قابل حمارة ينهق ويكاد يترك صاحبه إليها. وهكذا صار الرجال حميرا في نظر الداعين إلى الحجاب. واكب ذلك الدعوة إلى عدم خروج المرأة من بيتها، ما يعني العودة إلى عصر الحريم. هذا كله رأيته ورآه من هم في عمري، أو أقل قليلا. لقد واكب الدعوة أيضا نوع من التهديد القذر، فكان هناك من الشباب الإسلامويين من يحمل «سرنجة» في يده مملوءة بماء النار يفرغها على جسد غير المحجبة، فتسببوا في رعب كبير للنساء. هذه حقيقة رأيتها واستمرت طويلا جدا، وإن قلت شيئا فشيئا. باختصار ازداد الحجاب، لكن لم يقلّ الحديث عن أهميته حتى الآن.. أهميته كفضيلة للمرأة التي صارت في نظرهم شيطانا يدعو إلى الجنس إذا خرجت غير محجبة، أي شخص الآن يتابع التحرش في الطرقات يجد أنه لم تعد تسلم منه امرأة ولا فتاة غير محجبة أو محجبة، بل ومنتقبة أيضا.

مبروك عطية ليس وحده، وإن خفتت أصوات غيره الآن فهذا أمر مؤقت، خاصة بعد أن اشتعلت الحياة بالانتقاد له، وبعد أن شارك الأزهر ودار الإفتاء وبعض الشيوخ في انتقاده، وبعد أن تحركت الجمعيات النسائية ضده، فرفعت الأستاذة نهاد أبو القمصان المحامية والناشطة في حقوق المرأة قضية عليه.

لكن الدعاة مثل مبروك عطية أو غيره لا يفكرون أبدا في أسباب أخرى غير الحجاب.. لا يفكرون في العشوائيات التي شملت البلاد في المباني والشوارع والتعليم والإعلام، ومن ثم انعكس كل ذلك على سلوك الكثيرين من الناس. لماذا لا يفكر هؤلاء الدعاة في أسباب أخرى واضحة لأي شخص عادي؟ لأن هذه النقلة الكبرى للإيمان الخادع كانت من الدولة الحاكمة نفسها أيام السادات، الذي أراد أن يعادل اليساريين والناصريين الرافضين لسياسته في الانفتاح والصلح مع إسرائيل، بأهل اليمين من الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية، التي تكونت بسرعة في الجامعات.. دعك مما انتهى إليه الحال من مقتل السادات نفسه على أيديهم، فالدولة لا تأخذ الدرس ولا تتعظ. لقد استمرت في معادلتها الخاطئة بعد السادات، كل ابناء جيلي يعرفون كيف كانت تقام المعسكرات للجماعات الإسلامية باسم الدولة، يتعلمون فيها فنون الكاراتيه ليعودوا إلى الجامعات يضربون اليساريين والناصريين، ويمزقون مجلاتهم التي يضعونها على الحائط، وكيف كان ضحايا النظام في الاعتقالات من اليساريين والناصريين، وإن لم يطل بهم الوقت، حتى تم قتل السادات فعرفت السجون الجماعات الإسلامية، لأنها كانت قد تطورت من الدعوة الشفاهية إلى السلاح والإرهاب. هذه حقائق حين أذكرها على الميديا يتصور الكثيرون ممن لم يروها أنها آراء وخيال، بينما طبعا يقوم بتكذيبها أتباع هذه التيارات، ويعتبرون ما أقول كلاما للعلمانيين عملاء الغرب! أضحك وأتجاوز وإن كنت أحيانا أقول لهم أرجو الرد على الحقائق بحقائق أخرى وليس بالرأي، ولا رد طبعا.
لم ينته ما فعله السادات وإن أخذ شكلا أكثر هدوءا أيام مبارك، الذي ترك لهم الشارع بشرط أن لا يقتربوا من الحكم. صحيح أن السجون عرفت بعضهم، لكن هؤلاء كانوا ممن يقومون بعمليات إرهابية، وإذا كان البعض قد ظُلم أو اتهم خطأ فهذا لا يعني أنه لم يكن هناك من يقومون بالإرهاب، وإذا كانت هناك عمليات إرهابية مشكوك فيها ومن وراءها مثل عملية تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية عام 2010 فهذا لا يعني انعدام الإرهاب. باختصار صار الإسلامويون هم الكفة الأخرى للميزان الذي كانت كفته اليسار والناصريين، وأدمنت الدولة مسك الميزان من المنتصف، دون أن تدرك أن كفة الإخوان المسلمين ستكون هي الراجحة، بعد أن استطاعوا التوغل القانوني والشرعي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بل السياسية حين اضطرت الدولة لأن تفتح لهم أبواب مجلس الشعب أيام مبارك، قبل انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في عهده، وتجاوز عددهم الثمانين عضوا، رغم أن الاتفاق بينهم وبين نظام الحكم أن يكون لهم ثمانون عضوا فقط! طوال هذا المسيرة لم يتوقف الإخوان المسلمون ولا الدعاة، الذين تركت لهم الدولة كل أجهزتها الإعلامية، عن الدعوة إلى الحجاب كمنقذ وحيد وعظيم للبلاد. لا أعرف كيف لم يروا حتى الآن الأعداد الرهيبة للمحجبات، ولا أنهن في أكثرهن وليس كلهن، خيبوا آمالهم في الجلوس في البيوت فلم يعودوا إلى عصر الحريم، وخرجوا للحياة في العمل أو غيره ويعشن حياتهن، ولم يعد الحجاب أكثر من زيّ تم التعارف عليه. هل بعد كل هذا الاتساع في ارتداء الحجاب تظل الدعوة إليه وتنتهي بالتهديد بالقتل.
مبروك عطية ليس وحده، وإن خفتت أصوات غيره الآن فهذا أمر مؤقت، خاصة بعد أن اشتعلت الحياة بالانتقاد له، وبعد أن شارك الأزهر ودار الإفتاء وبعض الشيوخ في انتقاده، وبعد أن تحركت الجمعيات النسائية ضده، فرفعت الأستاذة نهاد أبو القمصان المحامية والناشطة في حقوق المرأة قضية عليه. هو نفسه مبروك عطية يعرف أنها هدنة مؤقتة إذ أعلن أنه سيختفي بعض الوقت، وقد يعود أو لا يعود. طبعا لم يخبره أحد أنها هدنة مؤقتة، لكنه رجل وسط المعركة طوال حياته كلها، ويعرف كيف تسير الأمور في البلاد.
دولة أطلقت علينا الجماعات الإسلاموية والآن تطلق السلفيين باتساع كبير من مجلس الشعب إلى الإعلام، هل تتخلى عن ذلك وهو طريقها لإخضاع الشعب أو إرهابه وتخويفه، أو حتى شغله عن القضايا الحقيقية في الحياة من سياسة وديمقراطية مثلا؟ لا أظن. طيب هل هناك أمل في أن ينتهي ذلك؟ أيضا لا أظن.. بل سنعود قريبا إلى دورة الإلهاء. المضحك أني قرأت وأنا انتهي من هذا المقال أنه قرر العودة.. لا جديد مهما كان الاعتذار.

كاتب مصري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية