قصص «غَزَّة مهد القيامة»… مرآة الألم والمقاومة

إنَّ الكتابة الإبداعية عن غزة وما تتعرض لها من إبادة جماعية وتجويع ممنهج ليست ترفا فنيا، بل ضرورة ثقافية وأخلاقية وإنسانية؛ لتوثيق جراح الإبادة وحفظ ذاكرة شعب يتعرض لأشد صنوف البطش والتنكيل والإجرام، حيث يغدو الأدب هنا شهادة تاريخية وسلاحا موازيا للبندقية، يكشف زيف الرواية الصهيونية وينقل للعالم معاناة المدنيين وملاحم صمودهم وصبرهم وتضحياتهم. ومن خلال القصة القصيرة، يستطيع الكاتب أن يلمس القارئ بعمق وجداني، مستنهضا ضميره الإنساني، ومذكرا بأنّ غزة ليست خبرا عابرا في نشرات الأخبار، وإنّما حكاية بشرية تستحق الحياة والكرامة.
وتتميّز المجموعة القصصية «غزة مهد القيامة» للأديب بختي ضيف الله، بكون مؤلفها جزائريا بعيدا عن فلسطين جغرافيا، لكنه قريب وجدانيا وإنسانيا. هذا البعد المكاني، يُضفي على النصوص قيمة إضافية؛ إذ يبرهن أنّ جراح غزة تنزف في ضمائر أحرار العرب، وأنّ التضامن لا تحده حدود سياسية. وينقل الكاتب هنا بمهارة صوت الفلسطيني، منغمسا في تفاصيل بيته المهدّم وذاكرة لاجئيه ومقاوميه، وكأنّه عاش بينهم أو عاش شعورهم وظروفهم، وهذا يعكس دور الأدب في تكريس الوحدة الثقافية والنضالية بين الشعوب العربية أمام الاستعمار والاحتلال.
تتكون المجموعة من مقدمة وعشر قصص قصيرة هي: «في الكهف، انتظار الجحيم، بيت في الجنة، أطول قفزة، غزة.. مهد القيامة، فصل من الذاكرة، ميلاد الشيخ صالح، آخر الألوان، اليوم الموعود، آخر السيدات». تعكس هذه القصص معاناة الشعب الفلسطيني في غزة، تحت حصار مُطبق طويل وعدوان وحشي، وفي الوقت نفسه تُبرز البطولة والصبر والإيمان بعدالة القضية الفلسطينية. وتأتي قصص المجموعة في سياق سردي يمزج بين الوجع الإنساني والخيال الأدبي الواقعي والرمزية العالية، حاملة أصوات الضحايا وصور المقاومة والصمود في مواجهة آلة الحرب الصهيونية النازية البشعة.

قصص المجموعة

تحكي قصة «في الكهف» الحصار والجوع الذي يدفع الإنسان إلى أقصى درجات الألم دون أن يفقد كرامته. يظهر مشهد الكلب الوفي الذي يواسي صاحبه في كهف اللجوء، ويفضل الموت جوعا على أن يأكل من لحم صاحبه الذي يوشك على الموت، في رمزية للوفاء الإنساني وسط الخيانة وحرب الإبادة. وتكشف القصة عزلة الغزي والخذلان العربي، لكنها تؤكد بقاء جذوة الإيمان بالمقاومة؛ حيث يرمز (الكهف) للحصار الذي يختبر صبر وثبات المحاصَرين، وإنسانية المحاصِرين والمتخاذلين. ويرمز البيت في قصة «بيت في الجنة» إلى الهوية والأرض، وعندما يُهدم يتحوّل في وجدان الفلسطيني إلى وعد بالجنة. وتشير القصة إلى استمرار المقاومة جيلا بعد جيل رغم تدمير البيوت وقتل الأحبة.
تصور قصة «انتظار الجحيم» مأساة المدنيين تحت القصف، حيث يتحوّل انتظار سيارة الإسعاف إلى مواجهة مباشرة مع آلة الاحتلال التي تقتل وتدفن الأحياء. وتحمل القصة عنوانا دالا على أنَّ غزة تعيش جحيما يوميا لا ينتهي إلا بالشهادة أو النجاة المؤقتة. بينما تمزج قصة «آخر السيدات» بين التراجيديا والتاريخ، تستحضر صرخة «وامعتصماه» في عرس فلسطيني يُحوّله الاحتلال إلى مجزرة، حيث تبرز القصة بطولة المرأة الفلسطينية، التي تقاوم حتى في لحظات الفرح المختطف، وتطعن اثنين من جنود العدو، ولا تستسلم إلا جثة هامدة، بعد أن استشهد عريسها عند مدخل المدينة مدافعا عن أهلها.
تروي قصة «أطول قفزة» براءة طفل يبحث عن قطعة بسكويت وسط حرب تحصد الأطفال. وترمز «القفزة» إلى الانتقال إلى عالم آخر، يقول الطفل مخاطبا جدته التي تنتظره على أحرّ من الجمر: «أطلقت المُسيّرة صاروخا، فسحقت دراجتي البيضاء سحقا.. وقفزت أنا بأعجوبة.. بعيدا.. بعيدا.. بعيدا جدا..». وتعبر هذه القصة عن محاولة النجاة من موت محقق، عن حلم الطفولة الذي يتجاوز حدود الحرب والحرمان، عن كل غزي مُعلّق بين الحياة والموت. وتحاكي قصة «ميلاد الشيخ صالح» سيرة مقاوم أسطوري عاش الحصار والاعتقال، لكنه ظل رمزا للبطولة حتى بعد استشهاده، ويرمز الميلاد إلى روح مقاومة متجددة في جسد الأمة، وعزيمة لا تلين، وإلى عدو مرعوب.
تربط قصة «غزة مهد القيامة» بين الثورة الجزائرية والنضال الفلسطيني، وتؤكد أنّ غزة أرض الفداء والقيامة، حيث تنهض من رمادها بعد كل عدوان. وتعكس القصة تجربة الفلسطيني في المنفى وشوقه للعودة رغم الحصار ومسلسل العدوان الذي لا يتوقف. أما قصة «آخر الألوان»، فهي عن الفن المقاوم الذي يحفظ الذاكرة الجماعية ويرسم وجوه الشهداء، في فعل تحدٍ ضد محو الهوية وتزوير الحقيقة.
تعالج قصة «فصل من الذاكرة» ذاكرة التهجير منذ نكبة 1948، وتجسد رحلة اللجوء المستمرة عبر الأجيال. ويرمز القطار المتهالك إلى رحلة الشتات التي لم تنتهِ بعد، فيما تبقى الذاكرة الفلسطينية حيَّة رغم الألم. فيما تصور قصة «اليوم الموعود» رحلة النزوح الجديدة تحت القصف، حيث يختبر الفلسطيني محنة التهجير مرة أخرى. لكنها تومئ إلى يوم الخلاص والعودة، حيث تتحوّل النار إلى بشارة نصر مؤجل.

ملامح وسمات فنية

قصص المجموعة مترابطة موضوعيا رغم استقلالها الحدثي؛ فثمة خيط سردي غير معلن يجمعها: الذاكرة الفلسطينية الممتدة منذ النكبة، الحصار، المقاومة، التهجير، واستشراف يوم النصر. واعتمد الكاتب على المشاهد القصيرة التي تمنح النصوص حيوية وتشويقا رغم الألم، وبعض القصص مثل «غزة مهد القيامة» و«ميلاد الشيخ صالح» و«بيت في الجنة» تتجاوز الحدث الفردي لتلامس البعد الأسطوري للمقاومة.
وقد وظف الكاتب التخييل الواقعي بشكل ضمني، حين يجعل الشهداء يتحدثون أو يطلّون من عالم آخر، ما يخلق بعدا روحيا للقصص. وظهرت الشخصيات غالبا بلا أسماء محددة، ما يجعلها رموزا للشعب الفلسطيني ككل، وما ذكر منها فإنها تأتي في سياق البطولة الجمعية لا الفردية.
ولعب الزمن دورا محوريا؛ فهو ممتد منذ نكبة 1948 إلى العدوان الحالي، متشابكا بين الذاكرة والحاضر والمستقبل الموعود. وتنوع المكان بين البيت والكهف والخيمة والسجن وغيرها، فغدا شخصية فاعلة تحافظ على الهوية وتؤسس معنى الانتماء.
وبعد؛ فإنّ «غزة مهد القيامة» الصادرة في عنابة/الجزائر، عام 2025، قصص، قدمت صورة متجددة للقضية الفلسطينية بعيدا عن الخطاب السياسي المباشر، بالاعتماد على الحكاية الإنسانية العميقة والرمزية الفنية. تسرد بصوت عربي حكاية شعب يقف على أعتاب القيامة في كل يوم، لكنه لا ينكسر.
وقد نجح بختي ضيف الله، رغم بعده المكاني عن غزة، في تقديم شهادة وجدانية عن الإبادة والصمود، ومحاكاة تفاصيلها اليومية وأوجاعها، مستفيدا من إرثه الجزائري المقاوم الذي يشبه التجربة الفلسطينية، مبرزا دور الأدب في مقاومة النسيان وتوحيد الضمير العربي. ويعزز هذا التقاطع الثقافي من قيمة العمل باعتباره جسرا بين نضالين تاريخيين ضد الاستعمار، ومؤسسا لرؤية أدبية عربية عابرة للحدود، تُبقي فلسطين حيّة في الذاكرة والخيال الجمعي.
وتعيد هذه القصص تعريف البطولة والفداء، وتفتح نافذة للأمل بأنّ القيامة الحقيقية ستكون لحظة حرية وانتصار لغزة وفلسطين كل فلسطين.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية