غزة: مراكز المساعدات الأمريكية كمائن لقتل الجوعى

إسماعيل عبد الهادي
حجم الخط
0

منذ أن بدأ الاحتلال الإسرائيلي التفكير بإنشاء مناطق لتوزيع المساعدات في مناطق جنوب ووسط قطاع غزة، قصد من وراء الخطة خلق حالة من الفوضى وقتل المواطنين الباحثين عن لقمة العيش، حيث تحولت نقاط المساعدات الأمريكية الأربع إلى نقاط لاستهداف الشبان الذين يتوجهون للحصول على صناديق المساعدات لسد جوعهم، في ظل الحصار المشدد ومنع الاحتلال إدخال الغذاء إلى سكان قطاع غزة.
ومنذ بدء العمل داخل مناطق المساعدات التي تقع تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي مطلع حزيران/يونيو الماضي، قتل ما يقارب من 500 شاب، وما زال يتعرض العشرات من الشبان يوميا إلى القتل والإصابة بنيران الجيش، الذي يقصف تجمعات المنتظرين فتح المراكز، وإطلاق النار عليهم خلال عودتهم إلى منازلهم، من دون أن يشكل هؤلاء أدنى خطر على العاملين داخل مراكز المساعدات.
ويرفض آلاف الغزاويين الخطة، التي تتقصد نشر الفوضى وتأزيم حياة السكان، ولا يرغب الكثير التوجه إلى المراكز، التي تعتبر مصائد للقتل وإذلال المواطنين، ولا تقدم ما يكفي من الغذاء، بل يقتصر توزيعها على صناديق تحتوي على كافة أصناف البقوليات، ومن يذهب فرصة قتله أكبر من العودة إلى بيته.
مؤسسات دولية وحقوقية حذرت من استدراج الاحتلال الإسرائيلي المجوعين إلى كمائن الموت تحت الغطاء الإنساني، معتبرة أن ما يتم فعله بحق المدنيين هو جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية، تستوجب تدخلا دوليا عاجلا لوقف شلال الدم، وضمان تدفق المساعدات إلى السكان بدون شروط. حيث استنكرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، عمليات القتل المتعمد على أبواب مراكز المساعدات الأمريكية، وتدين الهيئة بأشد العبارات استمرار الجرائم الإسرائيلية الوحشية بحق المدنيين المجوعين بشراكة أمريكية تتنافى مع كل مبادئ الإنسانية، مطالبة بضرورة وقف الآلية الإسرائيلية الأمريكية لتوزيع المساعدات، ونقل المهمة إلى وكالة الغوث الأونروا، وضرورة التحرك الدولي العاجل لوقف الحرب المستمرة على غزة.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان، أن ما يسمى بمراكز المساعدات الأمريكية الإسرائيلية، تحولت خلال شهر من بدء عملها إلى مصائد للموت وأفخاخ للقتل والاستدراج الجماعي اليومي، حيث سجل قتل 564 شهيدا وأكثر من 4000 مصاب عدا عن عشرات المفقودين، وجميع الضحايا هم من السكان المدنيين الذين خاطروا بحياتهم في محاولة لتأمين لقمة العيش لأطفالهم، وسط الحصار الإسرائيلي الخانق المتواصل منذ بدء الاحتلال حربه المستعرة على القطاع.
وأدان المكتب بأشد العبارات الجريمة المستمرة بحق المدنيين العزل، مشيرا إلى أن الاحتلال يستخدم الغذاء كسلاح قتل جماعي، ويحول ما يزعم أنها مساعدات إلى أداة للإبادة والسيطرة، وحذر المكتب العالم من استمرار هذا النمط الدموي الذي يرعاه الاحتلال تحت غطاء المساعدات، مطالبا بفتح تحقيق دولي عاجل ووقف الجريمة المنظمة، ومحاسبة كل من يتواطأ فيها سياسيا أو ميدانيا، بالإضافة إلى فتح المعابر ورفع الحصار عن غزة وإدخال المساعدات الإنسانية بالطرق المعتمدة عبر مؤسسات الأمم المتحدة.
وفق شهادات عدد من الشبان الذين يواصلون التوجه لمركز المساعدات قرب محور نيتساريم وسط قطاع غزة، أكدوا في أحاديث منفصلة لمراسل “القدس العربي” أن عناصر الجيش الإسرائيلي يأتون على مقربة من نقطة المساعدات عند وصول الشبان، ويقوم القناصة بالتمركز خلف التلال الرملية واصطياد الشبان الواحد تلو الآخر، و”هذا يحصل عند الانتظار على مقربة من بوابة نقطة التوزيع، كي تفتح الأبواب وندخل إليها في ساعات الليل المتأخرة”.
يقول الشاب زكريا محمد “مراكز المساعدات الأمريكية لم تنشأ لخدمة المجوعين، بل إذلالهم واصطيادهم ، وهذا هو الحال الذي يعيشه شباب غزة اليوم، فأنا واحد من آلاف الشبان أذهب مشيا على الأقدام يوميا من شمال غزة إلى مركز التوزيع وسط القطاع، لكن كل يوم أذهب فيه أودع أسرتي لأنني أعلم جيدا مدى الخطر الذي يحيط بي من أجل الحصول على لقمة العيش، فكل يوم نفقد أحد الأصدقاء أو الأقارب على بوابات تلك المراكز التي لا تعرف للإنسانية معنى”.
ويوضح أنه “في إحدى المرات فتح المركز أبوابه عند الساعة الثانية ليلا، ودخلت مع عدد كبير من الشبان لاستلام طرود غذائية، وعند مغادرة المركز نحو البيت، قدمت إحدى الدبابات وقامت بمحاصرة الشبان وإطلاق النار بشكل كثيف تجاههم، الأمر الذي دفعنا إلى إلقاء المساعدات والهرب تحت زخات الرصاص، وقتل حينها عدد وأصيب آخر، وهذا الفعل الإجرامي يأتي في سياق حرمان السكان من الحصول على المساعدات”.
أما الشاب لطفى خليل فقد أصيب في ساقه قبل أيام قليلة من قناصة إسرائيلية أثناء انتظاره فتح بوابة التوزيع لكن حدة الجوع بسبب الحصار الإسرائيلي الخانق لم تخفه من العودة مرات أخرى.
يلفت إلى أن “الاحتلال تعمد فتح تلك المراكز فقط لقتل أكبر عدد من الشبان، ولا توجد لديه أي نوايا إنسانية، فهو تحجج أن المساعدات تصل إلى حماس وأغلق المعابر لأشهر، وهذه خطة لتجويع الناس ودفعهم نحو التوجه مجبرين إلى نقاط المساعدات الأمريكية، وذهبنا للحصول على المساعدات رغم حجم الخطر الذي يحوم علينا”.
وبين أن “تلك المراكز لا تقدم ما يكفي من الغذاء للسكان، بل يقتصر التوزيع على أصناف البقوليات من العدس والأرز والحمص وغيرها، بينما اللحوم والأصناف الأخرى من الأغذية ذات الفائدة، يحرم سكان غزة من الحصول عليها منذ مطلع آذار/مارس الماضي”.

حال الشاب أبو صالح كان مغايرا عن سابقيه، فهو “يرفض بشكل قاطع التوجه إلى مراكز الإذلال والموت على حد وصفه، من أجل الحصول على القليل من المساعدات التي لا تسد الجوع، و”محاولة الحصول عليها صعبة وربما يفقد الإنسان حياته، لذلك أقوم بشراء ما يقوم الشبان ببيعه في الأسواق إلى حين أن تعود الحياة إلى طبيعتها، وهذا هو حال الغالبية الكبرى من السكان في غزة، الذين يرفضون التوجه إلى تلك المراكز خوفا على حياتهم”.
يشار إلى أن الاحتلال يواصل العمل على نشر الفوضى وعدم الاستقرار داخل القطاع، فعند موافقته على استئناف إدخال المساعدات بعد توقفها لشهرين، قام باتخاذ قرارات تجعل من آلية توزيع المساعدات بشكل منظم أمرا مستحيلا، بل عمل على تنظيم عصابات هدفها السطو على شاحنات المساعدات، ومنعها من الوصول إلى المخازن وتوزيعها على المواطنين.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية