بغداد ـ «القدس العربي»: شكلت عودة الأنباء عن تنظيم داعش إلى الواجهة من جديد، كابوسا وقلقا بالغا لدى العراقيين، وسط مخاوف من تكرار سيناريو سيطرة التنظيم الإرهابي على مساحات واسعة من العراق، وما أسفر عنه من نتائج كارثية على الشعب العراقي، وذلك نظرا لوجود تشابه في الظروف الموضوعية للعراق والمنطقة التي مهدت لهذه الظاهرة المدمرة.
وبالرغم من محاولات الحكومة العراقية، تطمين العراقيين والمجتمع الدولي، بوجود قوات كبيرة وإجراءات أمنية كافية لحماية الحدود مع سوريا، وعدم السماح بتكرار تلك التجربة المرة، إلا ان هذه الادعاءات يعوقها مستوى الثقة بين العراقيين وحكومة بغداد، طوال قرنين من الكوارث والآلام والمعاناة جراء سوء إدارة شؤون البلد، وخاصة بعد التجربة المريرة جراء بروز تنظيم داعش (2014-2017 ) التي تسببت بتضحيات عظيمة من العراقيين ودمار هائل للعديد من المدن العراقية، بسبب عجز القيادة السياسية والعسكرية آنذاك عن توجيه القوات الكبيرة التي كانت موجودة في الموصل وعلى الحدود مع سوريا، عن مواجهة بضع مئات من عناصر التنظيم.
وفي خضم اشتداد الصراع والمعارك الدائرة حاليا بين قوات الحكومة السورية وعناصر قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في مناطق شمال وشرق سوريا، وما أعلن عن قيام قسد بإطلاق سراح العشرات من عناصر داعش الموجودين في سجونها، ضمن الضغوط والمساومات التي تبتز بها حكومة دمشق والمجتمع الدولي، فقد استقبل العراقيون بقلق وحذر، قرار بغداد والقيادة العسكرية الأمريكية، نقل الآلاف من عناصر التنظيم من سجون سوريا إلى سجون العراق.
وجاء إطلاق «قسد»، سراح أعداد من عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي في شمال شرق سوريا، وإعلانها عن فقدان السيطرة على السجون، جراء المعارك التي تجري حولها، والفوضى التي سادت المناطق القريبة من الحدود العراقية، ليجد العراق نفسه أمام تحد جديد محفوف بالمخاطر، يُعاد فيه فتح ملف الدواعش المعتقلين في سجون سوريا، أمام حكومة بغداد (حكومة تصريف أعمال) المثقلة بالأزمات والمشاكل.
وفي تأكيد على أهمية الموضوع، قام رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، محمد السوداني، بزيارة إلى مناطق حدودية مع سوريا للاطلاع على الاستعدادات لمواجهة أي تطورات، مشددا على أهمية استعداد القوات العراقية لمنع أي خروق أمنية عبر الحدود السورية.
وفي السياق قام وزير الداخلية عبد الأمير الشمري، بزيارة المناطق الحدودية بين العراق وسوريا، ليعلن «أن القوات الأمنية تتابع وتراقب بشكل يومي مستجدات الأوضاع في سوريا» فيما أشار إلى تأمين الحدود الدولية بالكامل وتحصينها بالوسائل التقنية والقتالية.
وقال الشمري في تصريحات صحافية: «إننا نترقب ونتابع يوميا ما يجري في سوريا، وقد توقعنا هذه الأحداث قبل 3 سنوات»، مبيناً أن «الوزارة أجرت تحصينات كبيرة على الحدود الدولية وبالخصوص مع الجانب السوري»، وأن «الجهود تضمنت حفر خندق بطول 620 كم على طول الحدود، فضلاً عن نشر كاميرات حرارية تعمل ليلا ونهارا في جميع النقاط الحدودية لرصد أي تحركات مشبوهة».
وشدد وزير الداخلية على صرامة التعامل مع أي خرق حدودي، قائلا: «أي تقرب من الحدود العراقية سيواجه بفتح النار فورا»، مؤكدا أن «قطعاتنا المرابطة على الحدود كافية وجميعها مسلحة بالعدة والعدد، ولدينا قطعات احتياط جاهزة للتدخل والتحرك لأي أمر طارئ». وأضاف أن «جميع الجهود الأمنية والتحركات على الحدود العراقية مسنودة بشكل مباشر من قبل طيران الجيش والقوة الجوية لتوفير الغطاء الجوي اللازم». وختم «حدودنا مؤمنة بالكامل ولسنا قلقينّ».
وفي توضيح لموقف بغداد أزاء نقل عناصر داعش من سوريا إلى العراق، ذكر الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، في21 كانون الثاني/يناير الماضي، موافقة المجلس الوزاري للأمن الوطني على تسلّم العراق إرهابيي تنظيم داعش من العراقيين والأجانب المعتقلين في السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بالتعاون مع التحالف الدولي لمحاربة التنظيم.
وقال النعمان في بيان، تابعته «القدس العربي»، إنّ «هذا القرار جاء بعد متابعةً من الحكومة العراقية للتطورات الأمنية الحاصلة في الجمهورية العربية السورية، ومفرزات التغيرات الأمنية في الميدان، بما يتعلق بالسيطرة على المعتقلين من إرهابيي داعش»، مشيرًا إلى أنه «جرى بالفعل تسلّم الوجبة الأولى منهم، التي تضم 150 عنصرا إرهابيا من العراقيين والأجانب، وإيداعهم في المؤسسات الإصلاحية الحكومية».
وأضاف أن «أعداد الوجبات الأخرى سيجري تحديدها لاحقا وفق تقدير الموقف الأمني والميداني، لتطويق خطر انتشار هؤلاء الذين يُعدّون من قيادات المستوى الأول في العصابات الإرهابية»، مؤكدا، أن هذا قرار اتخذته الدولة لتحقيق مصالح أمنية وقضائية عليا، مشيراً إلى أن ملفات قانونية أمام القضاء بانتظار هؤلاء سواءً أكانوا عراقيين أم أجانب.
وبدورها أعلنت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، في بيان، إطلاق مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم داعش من شمال شرقي سوريا إلى العراق، مشيرةً إلى أنّ القوات الأمريكية شرعت بالفعل بنقل 150 مقاتلاً من داعش من سجن في محافظة الحسكة إلى موقع احتجاز «آمن» داخل الأراضي العراقية، على أن يصل العدد الكلي إلى نحو 7 آلاف معتقل يمكن نقلهم تباعاً إلى مؤسسات خاضعة للسيطرة العراقية. واكد ضابط أمني عراقي لـ«القدس العربي» وصول أعداد كبيرة من عناصر تنظيم داعش الذين تم نقلهم من سوريا قبل أيام، إلى سجن مجاور لمطار بغداد الدولي، وان المعتقلين ليسوا من العراقيين فقط بل من جنسيات مختلفة. وأشار المصدر إلى أن عناصر داعش المعتقلين تم توزيعهم على سجون عديدة، وانهم معزولون عن السجناء العاديين. وكشف أن عناصر داعش الذين تم نقلهم من سوريا سيخضعون إلى التحقيقات لتحديد موقفهم القانوني تمهيدا لإحالتهم إلى المحاكم العراقية، متوقعا ان يتم إحالة أغلبهم وفق المادة 4 إرهاب، التي تتضمن عقوبات منها الإعدام.
وليس بعيدا عن هذا التوجه، جاء إعلان مجلس القضاء الأعلى، عن استعداداته لمحاكمة العناصر التي تم جلبها من سوريا، مشيرا إلى «وجود ملفات قضائية جاهزة بانتظار هؤلاء الإرهابيين، سواء كانوا من العراقيين أو الأجانب، لاتخاذ الإجراءات القانونية العادلة بحقهم».
أثار قرار نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق، ردود أفعال متباينة لدى العراقيين، بين الترحيب الحكومي بالخطوة من أجل السيطرة عليهم ومحاكمتهم، وبين المعارضين الذين اعتبروهم قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت أو ظرف، خاصة وأن عمليات هروب لقادة الدواعش من السجون العراقية سبق ان وقعت خلال فترة حكم رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي.
وبدى واضحا تناقض مواقف القوى السياسية المتنفذة، إزاء نقل السجناء الدواعش إلى العراق، بين الحكومة العراقية التي تسعى لاتمام هذه العملية من أجل وضع عناصر داعش تحت سيطرتها بدل تركهم سائبين في أجواء سوريا غير المستقرة. فيما أبدت معظم القوى الشيعية (التي أنتخبت حكومة محمد السوداني) معارضتها لجلب المعتقلين من داعش إلى العراق، كونهم بمثابة «قنبلة موقوتة» قد تنفجر في وقت ما.
ومن أبرز القوى التي أبدت مخاوف من الموضوع، قائد التيار الصدري مقتدى الصدر الذي أرسل وفدا من قيادة التيار، إلى الحدود العراقية السورية للاطلاع على الاستعدادات العسكرية العراقية هناك. فيما دعا الصدر الحكومة العراقية، لمطالبة سوريا والأردن بتسليم العراقيين من الدواعش والبعثيين الموجودين على أراضيها! ملمحا إلى وجود تنسيق بين تلك الأطراف.
وما زاد من قلق العراقيين، ما أعلنه رئيس وفد التيار الصدري حاكم الزاملي، عقب عودته من زيارة القوات العراقية في المناطق الحدودية مع سوريا، عندما حذر من مخاطر أمنية محتملة على الحدود العراقية السورية في ظل تطورات متسارعة تشهدها الساحة السورية، مشيرا إلى «فتح عدد من السجون التي تضم آلاف العناصر المرتبطة بداعش ومن بينها مخيم الهول الذي يضم نحو خمسة وثلاثين ألف شخص معظمهم شبان جرى احتجازهم منذ طفولتهم وتعرضوا لأفكار تكفيرية وتدريب عسكري. وأن أغلب هؤلاء من أصول عراقية ولديهم دوافع انتقامية بعد سنوات طويلة من الاحتجاز ما يشكل خطرا مباشرا على أمن العراق».
ونبه الزاملي إلى أن تسلم قاعدة عين الأسد من القوات الأمريكية وتخلي الولايات المتحدة عن «قسد» وفتح السجون ونقل القوات الأمريكية إلى التنف وأربيل تشكل رسائل مقلقة. وأضاف «ان أوضاع القوات العراقية على الحدود لا تطمئن، حيث الجنود يعانون من نقص التجهيزات وغياب الكثير منهم، وان الكثير من أسلحتهم غير كفوءة، إضافة إلى وجود ثغرات في الإجراءات الأمنية في بعض المناطق نظرا لطول الحدود بين البلدين»، داعيا الحكومة والأجهزة الأمنية إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة لمنع تكرار سيناريو عام 2014 وما ترتب عليه من خسائر بشرية جسيمة وسقوط محافظات كاملة بيد التنظيم الإرهابي. ولاحقا أعلنت الداخلية السورية «إلقاء القبض على 81 عنصرا من تنظيم داعش الفارين من سجن الشدادي، وأن العملية تأتي ضمن جهود الأمن السوري لملاحقة العناصر الهاربة وضمان استقرار المنطقة ومنع أي محاولات لتنظيم عمليات إرهابية مستقبلية».
وبالتزامن مع احتدام المعارك في سوريا، أعلنت القوات العراقية في الموصل عن اعتقال قيادي خطير في تنظيم داعش تسلل من سوريا إلى الأراضي العراقية، وانه كان يشرف على التخطيط وإدارة الخلايا النائمة التي تنفذ العمليات الإرهابية. فيما أعلنت القوات الأمنية في الأنبار، إلقاء القبض على إرهابي انتحاري آخر.
ويرى أغلب المراقبين والمحللين الأمنيين، في لقاءات متلفزة وتغريدات على مواقع التواصل، ان كل عنصر من داعش يتمكن من الخروج من سوريا، يمكن أن يتحول إلى حلقة في شبكة أوسع تنشط لاحقا في العراق وسوريا معا، وان أي هروب جماعي أو فوضى في محيط هذه السجون، قد يعيد تنشيط الخلايا الإرهابية ويفتح ممرات تسلل باتجاه الأراضي العراقية.
وفيما حذر خبراء أمنيون، من أنّ إعادة عائلات الدواعش من دون برامج تأهيل حقيقية، ودعم اجتماعي ونفسي وتعليمي منظم، يمكن أن يحول الملف من «خطر حدودي» إلى «خطر داخلي مؤجل»، فقد نبه بعضهم إلى احتمال عودة مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي إلى مواقعهم القديمة شمال العراق عبر سنجار، بعد هزيمتهم أمام القوات السورية، حيث كان الحزب يشكل القوة الرئيسية في قوات «قسد».
وحول تأثير التطورات السورية، حذر الخبير الاستراتيجي جاسم الغرابي، من تداعيات اجتماعية وأمنية متصاعدة قد تنعكس على الداخل العراقي، وأن «المجتمع العراقي، بتنوّعه القومي والعرقي، قد يتأثر بحالة الاستقطاب الحاد التي يفرضها الصراع السوري، ما يفتح المجال أمام توترات اجتماعية، وتبادل للاتهامات، ومحاولات استقطاب شبابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يشكل خطرا على السلم الأهلي إذا لم تتمّ معالجته بحكمة».
وشدد الغرابي «على الحكومة العراقية والمؤسسات المعنية اعتماد سياسة استباقية تقوم على تعزيز الخطاب الوطني الجامع، ومراقبة الخطاب الإعلامي المحرّض، وتفعيل دور النخب الأكاديمية والدينية والاجتماعية في تهدئة الشارع، فالمعالجة الأمنية وحدها غير كافية ما لم تترافق مع حلول اجتماعية وثقافية».
في السنوات الأخيرة، طالما حذرت حكومة بغداد من اللغم الراقد في مخيم الهول السوري القريب من الحدود العراقية، الذي يضم عشرات الآلاف من النازحين الذين ينتمي أغلبهم إلى تنظيم داعش، وبينهم آلاف العراقيين.
وترى الحكومة العراقية، أن بقاء تلك العائلات رهائن في مخيمات غير مستقرة، وأحداث أمنية في سوريا، أكثر خطورة من إدارتها داخل بيئة عراقية خاضعة للمتابعة والرقابة. ولذا تحركت بغداد منذ سنوات لإعادة العائلات العراقية من مخيم الهول إلى الداخل، ضمن برنامج إعادة تأهيل وإدماج اجتماعي يتم في مخيم الجدعة في نينوى.
ومؤخرا أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، استلام وجبات من مخيم الهول السوري وبواقع 19 ألفاً مع بقاء أقل من 5 آلاف عراقي. وقال وكيل الوزارة كريم النوري، إن «الموقف العراقي تجاه مخيم الهول اتسم بالجدية والعمل المستمر منذ سنوات، حيث شرعت الجهات المعنية بتفكيك المخيم عبر عمليات تدقيق وفرز للتمييز بين الضحايا والأبرياء وبين المتورطين بالجرائم».
وأضاف النوري، أن «التحرك العراقي كان سباقا مقارنة بالدول الأوروبية التي أبدت تردداً في سحب رعاياها، باعتبار أن وجودهم هناك قد لا يشكل خطراً مباشراً عليها»، موضحا، أن «مخيم الهول يقع في منطقة الحسكة شمال شرق سوريا، ولا يبعد عن الحدود العراقية سوى 12 كيلومترا، مما يجعل خطره قائماً وقريباً».
ويذكر ان تقديرات أممية وأمريكية سبق أن قدرت عدد مقاتلي التنظيم في العراق وسوريا معا بين 5 و7 آلاف عنصر، إلا أن رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي حميد الشطري، حذر قبل أيّام، من أنّ عدد مقاتلي تنظيم داعش في سوريا تضاعف خلال عام واحد من نحو 2000 إلى 10 آلاف مقاتل، مستغلا الحرب والفوضى الدائرة في سوريا.
ويرى محللون ومراقبون، انه حتى الآن يبدو ان قرار نقل معتقلي داعش من السجون السورية الغارقة في معارك عسكرية، إلى مناطق مسيطر عليها من قبل الحكومة العراقية، سليما وضروريا من أجل ضمان عدم هروبهم إضافة إلى محاكمة المتورطين منهم بارتكاب جرائم ضد العراقيين والسوريين.
وبالرغم من إعلان حكومة بغداد عن توفير إجراءات أمنية متنوعة للسيطرة على الحدود مع سوريا، مع توفير قوات أمنية كافية، إلا ان الشك والقلق من قدرتها يبقى قويا لدى العراقيين الذين اكتووا بنار سيطرة تنظيم داعش على عدة محافظات عراقية عام 2014. إضافة إلى ان احتمال عودة نوري المالكي إلى رئاسة حكومة بغداد، أضاف المزيد من الشكوك على حقيقة قدرته على إدارة القوات المسلحة لمواجهة خطر داعش استنادا إلى تجربته السابقة في التعامل مع هذا التنظيم.