أزاحت حرب غزة على مدى أشهر الحرب الطويلة، الغطاء عن هشاشة الأنظمة العربية، هذه الأخيرة أسقطت عن نفسها ورقة التوت التي كانت تختفي خلفها. ليس فقط تلك التي طبّعت أو تريد التطبيع، ولكن أيضا تلك التي تدعي العداء لإسرائيل. غزة هي كشمس الصباح تضيء كل شيء، وليس فقط الطريق أمامنا، فقد أسقطت كل أوهامنا، وبعثرت كل شعاراتنا كقطع من ورق محروق.
امتلاء الأرض العربية بمجموعات من الميليشيات (وليس الجيوش) لحماية نهب الأنظمة لدولنا والحفاظ على سيطرتها، والتشبث بحكم أخذته دون أي وجه حق، لم يمنع المواطن العربي من أن يعي أن دولته القطرية ـ التي يدافع عن وجودها وحدودها التي رسمها الاستعمارـ هي بالحقيقة خطر عليه. لم تعد تؤمن له شيئا، ولا حتى الحق بالحياة والحماية، والتي هي المهمة الأولى لأية دولة، داخل هذه الأقطار، هو في وضعية السجين داخل قفص الحدود، حيث يفتقد لأي دعم من إخوته في الأقفاص الأخرى، تاركين إسرائيل تستفرد بنا كل واحد على حدة.
حرب غزة أظهرت أن التناقض الأول للشعوب العربية هو مع دولها نفسها وحدودها المغلقة، والتي لا تستقوي إلا على الضعفاء. هي كما نعلم جميعا نتاج مصالح الدول الغربية التي حددت لها حدودها، من دون أدنى اهتمام بتركيبة الشعوب الاجتماعية، أو جغرافية أراضيها، لكن نجاح الاستعمار الأكبر كان في إدخال تلك الحدود داخل وعينا العام، وكأننا شعوبا حقيقية، متمايزة، وفي كثير من الأحيان متناحرة، منذ الأزل. حرب لبنان الأخيرة دليل على ذلك الفشل، لم تستطع الدولة اللبنانية بحدودها التي يفتخر بها اللبنانيون ـ التي رسمتها فرنساـ حماية أي أحد منهم. سوريا أيضا لم تحمي نفسها ولا شعبها من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، زمن النظام البائد، والذي صنع جيشا لا يعرف إلا قصف المدن والقرى السورية، متخليا عن الحدود، هاربا بجلده. كذلك العراق، السودان، تونس، اليمن، مصر، ليبيا، المغرب، كلنا في الهم شرق، نسرق ونقتل بسبب الحدود والجيوش والأنظمة التي تحاصرنا.
هذا الوضع الذي ورثناه منذ أكثر من قرن بدأ بالاهتزاز بسبب حرب غزة، لأول مرة منذ عقود تستعيد فلسطين دورها الطبيعي، وهو صهر الوعي العربي الواحد، عن طريق الالتفاف حول قضية مركزية واحدة، بعد ضياع طويل في متاهات أوسلو والانفصال عن الحضن العربي. لأول مرة يستشعر المواطن في كل دوله، أن حريته واستعادة حقه بحكم نفسه، وكسر الجدران التي يقبع داخلها، هي وسيلته للدفاع عن نفسه اولاً، ودرء الأخطار الوجودية التي تهدد كينونته كإنسان حي. أصبحت إسرائيل خطرا مباشر عليه، فهو ليس بمنأى عن الموت، ومدنه من الدمار، في أي مكان وجد وليس فقط في فلسطين. أصبح يدرك أن حصوله على حريته أولاً هو شرط ليتمكن من ولوج الطريق إلى فلسطين. وان حدود دوله المغلقة بإحكام هي أول وبال عليه وعلى شعب فلسطين.
انتشار الربيع العربي من جديد، منطلقا من حيث توقف، هو ضمان الشعب السوري بالنصر، وإلا ستنفرد به من جديد وتتجمع ضده كل قوى الشر، عربا وعجما وغربا
في هذا الظلام الدامس، يخرج أبناء سوريا من جديد ليضيئوا لنا الدرب؛ إنهاء النظام الاستبدادي هو الأساس للسير إلى الأمام. هؤلاء الذين هجروا نصف الشعب السوري، وقتلوا مئات الآلاف، ودمروا أجمل مدنه، وأدخلوا المستعمر من جديد، ليسوا إلا طرفا حليفا للعدو، ولا يمكن لهم أن يكونوا جزءا من الحرية التي نريد الوصول إليها. هؤلاء لا يتحدون إلا لضرب شعوبهم وقتل أبناء أمتهم ـ وصور سجون الأسد تملأ الشاشات ـ ويتفرقون أمام الاعتداءات الإسرائيلية، وتختفي شعاراتهم الرنانة تحت أزيز الطائرات المعادية، التي تصول وتجول في أجواء دولهم. التفاف الغرب حول إسرائيل رغم كل الفظاعات المرتكبة، ومشاركته لها في جهدها العسكري وبشكل مباشر، متبنيا المثل العربي أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، وفي تناقض صارخ مع القيم التي بني عليها القانون الدولي عقب الحرب العالمية الثانية، يظهر مدى أهمية أن تجتمع الشعوب العربية حول الشعب الفلسطيني، ظالما أم مظلوما هو أيضا. ندرك الآن بوضوح أن المؤسسات الدولية لن تقدم لنا شيئا، فهي مقيدة بالمواقف الغربية، ومرهونة بالدعم المالي الغربي، خصوصا الأمريكي.
بدورها دول الشرق الكبيرة لم تبن هذا القطب الثاني المأمول، وتعيش في متاهات أنظمة شمولية تبحث عن البقاء قبل كل شيء.. لها أزماتها وحروبها الخاصة، والتي ليست فقط من صنع الغرب، وهو ما أبعدها عن التأثير في أزمات العرب ومآسيهم أو حتى الالتفات لها. هؤلاء الذين يأملون تدخل هذه الدول ما زالوا هائمين في ذكريات الإتحاد السوفييتي والخطاب الأجوف. أملنا في دعم تركيا، انهار أمام حقيقة المصالح التركية المرتبطة بالغرب أولاً ـ ولا ننسى أنها جزء من حلف شمال الأطلسي ـ اهتمامها الأول هو مجالها الحيوي والثقافي، أي الدول المجاورة الناطقة بالتركية، ونحن نتذكر وقوف تركيا عسكريا بجانب أذربيجان في حربها على أرمينيا، حتى ولو كانت أذربيجان حليفة لإسرائيل.
أما إيران فقد فقدت مشروعها الخاص، وكل أذرعها، وانكفأت الآن إلى الداخل الإيراني، حيث يتربص بنظامها الاستبدادي شعب واع تواق للحرية، يرى ما فعله الشعب السوري. وستحمل الأشهر المقبلة على ما أظن عودة الروح لهذا الشعب المظلوم. وستعود بدورها أبواق سلطان طهران باتهام المؤامرات الكونية، كما تفعل مع الثورة السورية، بدل الاعتراف بالفشل.
بقيت شعوبنا العربية وحيدة في هذا العالم تنتظر القدر، لا يعرف أحد منا في أي اتجاه يسير. نحو التكاتف أم نحو تجزئة إضافية. أظهر شعب غزة وفلسطين، بصموده الأسطوري، أن الشعوب الحرة هي الوسيلة الحقيقية لإنقاذ الأطفال من قبضة الجيش الإسرائيلي، وإدخال الماء والغذاء للجوعى. لا يمكن انتظار المحاكم الدولية ولا الدول الغريبة والشرقية لإنهاء عذاباتهم. وحدها شعوب الأمة من يستطيع فعل ذلك بثوراتها على أوضاعها، واستعادة حقها باختيار قادتها. اكتشاف الذات بدأ منذ أن انكشف الزيف الذي يحيط بدولنا، لم تحرك صور الموت والدمار ضمائرنا، وبقينا سجناء الخوف. هذا الخوف الذي حكم سوريا أكثر من خمسين عاما. فإلى متى سيبقى معششا في قلوبنا. لنكن بجانب أبناء سوريا وهم يبنون أنفسهم من جديد، وقد تخلصوا من الطغيان، وأعادوا للربيع لونه الأخضر. ليتوقف المصفقون والمعجبون بالأنظمة المستبدة ومحاورها القاتلة لشعوبها عن الصياح، فقد انكشفت طبيعة المحور الإيراني الذين يدافعون عنه، نمر من ورق، ورق طيع في يد أمريكا وإسرائيل.
انتشار الربيع العربي من جديد، منطلقا من حيث توقف، هو ضمان الشعب السوري بالنصر، وإلا ستنفرد به من جديد وتتجمع ضده كل قوى الشر، عربا وعجما وغربا. وما الهجمات الإسرائيلية وفلول النظام الأسدي، إلا بداية لها، وحينها لا ينفع الندم.
كاتب فلسطيني