مرة عندما نرحل، ومرة عندما نعود، وفي الخط الفاصل بينهما، نتعقّب، برهْبة، مسارات الوجود التي شكّلتْنا. نريد أن نعرف أين كنا، ومن أين جئنا، وكيف غدوْنا. في هذا الفاصل الأسطوريّ بين النقطتين، نرى اليوم ما كنا رأيناه آلاف المرات، من قبل، بلا دهشة، وكأنه التعبير الفادح عن مصيرنا الذي كنا نحسبه غامضاً، مع أنه كان يتشكّل أمام أبصارنا، على الرغم منا. ولكن منْ نحن، في الحقيقة؟ مَنْ نحن، إنْ لم نكن بعض ذَراري المدن التي نشأنا فيها، أو مررنا بها، أو…؟ المدن التي أحببناها، ذات يوم. لكأننا لم نكن نعرف أن المدن، هي الأخرى، مثلنا: تولد من تلاقح الكائنات مع المكان، وتنمو، وتكبر وتهترئ.. وأحياناً تموت. وأيّاً يكن الوضع، إنه لأمر مريب حقاً اهتراء مدينة مثل بيروت، التي كانت تشكّل عاصفة من الازدهار والنرجسية، والتي لم تكن توحي بذبولها المؤسف الذي نراه، اليوم، أو لم تكن تبدو مؤهّلة لمثل هذا المصير المفزع، الذي لا مفر من الاعتراف به، أو على الأقل ليس بمثل هذه السرعة.
هذه المرة، لم تكن لديّ رغبة لأكتب عن بيروت بعد أن كتبت عنها من قبل: «بيروت مدينة اللاأحد»، ونُشر ما كتبته في جريدة «القدس العربي» حينها. هذه المرة كنت أتحاشى المشاعر التي تداهمني على الحارك، وكأنني لم أعد أثق بما أرى، وأحس. وفي التاكسي الذي أقلّني من «الحازمية» إلى «الحمرا» كانت الأشياء والكلمات تتراكم في نفسي بشكل مرهق. وبدأت أحوص كالجالس على جمر، كما يقولون. كان السائق في منتصف العمر (إذا كان للعمر منتصف). كان شعره رماديا أغبر.. لحيته غير الحليقة رمادية. ثيابه رمادية كذلك. وصمته، كما أحسسته، رماديا أيضاً. وبتأثير اللا اعتناء الكامل بالسيارة، بدا لي وكأنه قد خرج للتو من قبو مليء بأبخرة الزيوت المكرورة، بعد أن تمرّغ فيها، طويلاً. جلست في المقعد المجاور له، لأتمكن من رؤية الفضاء البيروتي الذي أمر به بشكل أفضل، ولأمهّد لحوار محتمل بيننا أثناء الطريق. لكن السائق الرمادي ظلّ صامتاً. وأنا أتلجْلج في مقعدي متهيئاً لاستقبال كل ما يمكن أن يصدر عنه. والزمن تنْهبه سرعة السيارة التي لا تأبه بكلينا. مشهد بيروت المنطفئة، أو التي أحسستها كذلك، كان يتراجع خلفاً، هو الآخر. وبدأت أتمتِم: «كل شيء رمادي حولي»! وكدت أتساءل بصوت عالٍ، وقد بدأت أحسّ بحاجة ملحّة للكلام: «لماذا فضاء بيروت معتم في وضح النهار؟!»، وبدلاً من ذلك، سألت السائق الصموت: «كيف الحال»؟ وبعد فترة طويلة من الصمت، وكأنه يريد أن يغلق باب الحوار قبل أن يبدأ، قال بهدوء، وبنوع من القَرف والاستياء: «الناس مستوية»! وكدتُ ألقفُ كلامه لأعيده عليه، علّه يعيده عليّ مؤكّداً ما قاله لي. لكنه أدار رأسه بعيداً، وكأنه يقود السيارة بلا عينين! بلعتُ صوتي قبل أن ينطلق، من جديد، وأنا أردد في أعماقي بنوع من الأسى والارتباك: «الناس مستوية»! أردد بصمت قاتل وأنا أتابع البشر الرمادي المنتشر في الطرقات، وأنا استعيد المشهد الآخر.
البارحة، أيضاً، كان تاكسي «الحازمية» يطير فوق الطريق الضيق ونحن ذاهبون، من جديد، إلى قلب بيروت. كنت صامتاً في مقعدي العتيق، وكان هو الآخر صامتاً. لا، كان شديد الصمت، وكأنه علّق فوق رأسه لافتة: «لا تتكلم مع السائق» تلك التي رأيتها كثيراً في الباصات العملاقة التي كانت تقطع أمريكا من المحيط إلى المحيط. بعد تجربتي السابقة مع سائق آخر، صرت أحذر الكلام السهل، ومع ذلك، صرتُ أتحيّن الفرص لأتكلم على هواي. لكن هذا الرجل الجاثم قربي ليس بوارد التحادث، وهو لا يكاد ينظر، حتى إلى الجهة التي أنا فيها. اضطررت، إذن، أن أتابع الفضاء البيروتي المعتم، الذي يتشابه كثيراً، وكأنك تنظر داخل سجن كبير، والذي لا يتوقف عن الإمّحاء منذ أن يمر بي. ولمّا أحس بأنني أتفحّص بناء جديداً مشرقاً ونظيفاً، على يمين الطريق في قلب بيروت العتيقة المليئة بالتلوّث والخراب، وكدت أسأله رغم صمته العنيد عنه، قال، قبل أن أتكلم، وكأنه كان في عقلي: «هونيك بيجتمعوا الحرامية»! كدتُ أنطُّ في مقعدي المهترئ، وقد حسبت أنه يتكلم عن عصابة مافيا، أو شيء من هذا، معروف للجميع في بيروت. وقبل أن أسأله، أوضح من دون أن ينظر إليّ: «هذوليكْ اللي بيسموهم النوّاب»! ولمّا رآني أكشّ في مكاني، أضاف: «أو هيكْ شي»! مع ذلك قلت مستفسراً: «المجلس النيابي، تقصد حضرتك؟» ومن دون أي كلمة اكتفى بهزّ كتفيه العريضين المجلّلتين بثيابه الرثة، التي تكاد أن تكون وسخة، مع أنها تبدو كذلك فعلاً. وغرِق، من جديد، في صمته العنيد، وكأنه يقول لي: «افهم كما تشاء!» دخلت أنا الآخر في دائرة الصمت، وأنا أفكّر: «أيّ كلام يليق بمعاناة الكائن الذي تراه، غير الصمت؟» وأضفتُ اللازمة التي حسبت أنه قالها لي: «افهمْ كما تشاء»، وسأظل صامتاً حتى بعد نزولي من التاكسي بزمن طويل .
كاتب سوري