عن سجال ماكرون وترامب

حينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته فرض رسوم جمركية عالية على دول أوروبية، احتجت على مساعيه لشراء، أو ضم غرينلاند لم يتأخر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التعبير عن رفضه لهذه السياسة العقابية.
ماكرون أيضا سبق أن أعلن رفضه لمساعي ترامب المتعلقة بتسوية المسألة الأوكرانية عبر الضغط على الطرفين المتحاربين، خاصة الطرف الأوكراني، بشأن تقديم تنازلات تفضي إلى التسوية، حيث اعتبر أن الواجب هو معاقبة الروس على خرقهم للقانون الدولي.
هذان مثالان فقط، وفي الحقيقة فإن معارضة ماكرون لترامب تتعاظم في ملفات كثيرة كان آخرها رفضه الانضمام لما سمي بـ»مجلس السلام» في قطاع غزة. بشكل عام يبدو ماكرون غير متقبل للفكرة، التي يروج لها ترامب، حول كونه القائد الأوحد للعالم. في أولى لقاءاته الصحافية بعد وصوله لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وفي إجابته عن سؤال حول رفض ماكرون الانضمام لمجلس السلام قال ترامب، إن هذا غير مهم، لأن ماكرون لن يكون في منصبه بعد أشهر قليلة.

معارضة ماكرون لترامب تتعاظم في ملفات كثيرة منها رفضه الانضمام لما سمي بـ»مجلس السلام» في قطاع غزة، ويبدو أنه غير متقبل للفكرة، التي يروج لها ترامب، حول كونه القائد الأوحد للعالم

مضى ترامب إلى ما هو أبعد، حينما نشر صورة من رسالة خاصة مكتوبة بشكل لطيف بعثها إليه ماكرون يرجوه فيها للجلوس والتناقش حول موضوع غرينلاند. ماكرون، الذي نادى ترامب في رسالته بكلمة «صديقي»، ذكّر رصيفه الأمريكي بنقاط الالتقاء الكثيرة بين البلدين كسوريا وإيران. الفرنسيون، الذين لا يعجبهم تعمد التقليل من مكانة رئيسهم، يظهر كثير منهم ضيقه من تصرفات ترامب، الذي كثيرا ما يشبّه في الإعلام المحلي بزعيم المافيا. مع ذلك فإنه يصعب التقليل من أثر الرسوم الجمركية المرتفعة، ناهيك من ما إذا اتخذ الأمر خطوات عقابية أخرى كسحب الغطاء العسكري الأمريكي مثلا. يراهن فريق ماكرون على أن ترامب لن يستطيع تنفيذ تهديداته، وعلى أن المؤسسات الأمريكية ما تزال حاضرة وفاعلة وقادرة على إيقافه ومنعه من تدمير العلاقة بين شقي الأطلسي.
إعلان ترامب أنه لن يلجأ في الوقت الحالي للتدخل العسكري، ربما كان يؤكد هذا الاتجاه. الأكيد هو أن الأمريكيين لا يوافقون جميعهم على سلوك ترامب وطريقته في تنفيذ السياسة الخارجية. هذه الطريقة، التي بات يطلق عليها اسم «دبلوماسية الإهانة»، لفرض إمعان ترامب في إهانة زعماء ورؤساء وتعمده السخرية منهم، تجلت في كلمته في دافوس، وفي عبارات مثل قوله إنه لولا تدخل الولايات المتحدة لكان الأوروبيون اليوم يتحدثون الألمانية، وأن على الأوروبيين أن يكونوا شاكرين وأن يردوا الجميل. المعضلة الأوروبية، التي تشمل فرنسا كما تشمل غيرها، هي أن هذه الدول تجد نفسها في موقف صعب بين زعيمين مهووسين بمضاعفة النفوذ. ترامب من ناحية وفلاديمير بوتين من ناحية أخرى. الزعيمان يشتركان في الهوس بالتوسع ومضاعفة المساحة، وفي أنهما يريدان أوروبا ضعيفة وبلا إرادة. قبيل دافوس كان ماكرون يدلي بتصريحات غاضبة، فيما كان ترامب ينشر على منصته باستخدام الذكاء الاصطناعي صورة تجمعه بوزيري الخارجية والحرب وهما يغرسان العلم الأمريكي في أراضي غرينلاند، وصورة أخرى تجمعه بالزعماء الأوروبيين في مكتبه بينما تزين الحائط خريطة لبلاده وقد شملت حدودها كندا وغرينلاند وفنزويلا.
أحد أسباب رفض ماكرون وزعماء أوروبيين آخرين، الانضمام لمجلس السلام لاعتبارهم أنه بات أشبه بنادٍ لأصدقاء ترامب. بالأخذ في الاعتبار نوايا ترامب بشأن القفز على الشرعية، التي تمثلها الأمم المتحدة ووكالاتها التقليدية، فإن هذا المجلس قد يتحول لمؤسسة دولية بديلة تتبع الأمريكيين بشكل مباشر، ما يجعله مكرسا لتحقيق مصالحهم. على الرغم من الغضب العالمي، الذي يتراكم حوله، إلا أن الواضح هو أن ترامب استطاع أن يفرض نفسه على الساحة الدولية، وحتى على التنظير السياسي مصطلحات مثل، «دبلوماسية الإهانة» و «عقيدة دونرو» (تشير للربط بين مونرو ودونالد ترامب) وغيرها، لم تكن ليكون لها وجود لولا ما يقوم به الرئيس الأمريكي المتمرد. كأننا ندخل اليوم مرحلة توازن خطر، فمن ناحية تعرف فرنسا وبقية الدول الأوروبية حدودها، وتعلم أن من التهور الوقوع في فخ التحدي العسكري مع الأمريكيين، لكن في المقابل، فإن الأمريكيين، على ما يتمتعون به من قوة، يعلمون أن المضي في صراع عسكري لضم غرينلاند لا يعني فقط القطيعة مع أوروبا، وإنما نهاية الناتو. ملاحظة أخرى تخبرنا بها الرسائل الخاصة، التي تم كشفها، وكذلك فيديوهات المكالمات الهاتفية، التي تبادلها الرئيسان ماكرون وترامب، والتي يقوم بنشرها هذا الطرف أو ذاك. تتعلق هذه الملاحظة بالمساحة، التي بات يشغلها ذلك النوع من التواصل المباشر غير المعهود بين الزعماء. هذا لا يعني فقط تراجع دور المؤسسات الكلاسيكية كوزارات الخارجية، التي كانت تحتكر الشأن الدولي في السابق، وإنما يعني أيضا أن الأمر باتت فيه خطورة، خاصة أن هذه الرسائل يغلب عليها الطابع الشخصي، وهو ما يظهر في أسلوب ترامب، سواء من خلال ما يقوله أو ما ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي. تتمثل الخطورة في أن العلاقات الدولية الحساسة يمكن أن تكون متعلقة بالمزاج الذاتي أكثر من تعلقها برأي رسمي لمؤسسة الرئاسة أو للدولة.
هناك ما يجمع ترامب وماكرون بالتأكيد، فقد بدأ ماكرون حقبته الرئاسية الأولى بمحاولة كسب ترامب، حيث كان يكثر في 2017 من الحديث عن العلاقة الطيبة بين البلدين، اللذين لن يفرقهما شيء، إلا أن الاختلافات في النظرة إلى العالم سرعان ما ظهرت بين رئيس ليبرالي مؤمن بأوروبا، ورئيس يميني مؤمن بالانعزال والانكفاء فقط على ما يحقق مصلحة بلاده. في السنوات الأخيرة ازداد انتقاد ترامب لماكرون من خلال منشوراته على موقع «إكس»، فسخر من فكرته لصنع جيش أوروبي، معتبرا أنها مجرد محاولة للتهرب من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، التي تعيشها بلاده، كما سخر من اعترافه بدولة فلسطين. لم يكتف ترامب بالانتقاد والسخرية من خلال ما يكتبه، بل كان يتعمد تقليد طريقة حديث ماكرون بشكل كوميدي في خطبه ولقاءاته الجماهيرية، أما في دافوس فلم يفوّت فرصة السخرية من نظارة ماكرون الشمسية، التي كان يرتديها لسبب صحي.
وجهة نظر أخرى تعتبر أن محاولات التقليل هذه وكذلك تكرار التهكم تصب في صالح ماكرون، لأنها تؤكد أهميته وتأثيره لحد إنشغال ترامب به ورده على كل ما يبادر إليه. هذه النظرة ترضي الغرور الفرنسي بالتأكيد، وتؤكد ما تحب أوساط سياسية قوله، وهو أن فرنسا هي إحدى الدول القليلة، التي يصلح أن يقال إنها تتمتع ببعض الاستقلال الاستراتيجي. من هذا ما ذهبت إليه صحيفة «لوباريزيان»، التي اعتبرت أن تحامل ترامب الواضح على ماكرون، خدم الأخير، حيث أظهره بموقف المقاوم ضد الهيمنة، خاصة مع ظهور ألمانيا وإيطاليا بمظهر أقل تشددا بشأن الانضمام لمجلس السلام. في مقابل هذا الارتفاع في أسهم الرئيس ماكرون بسبب هذا السجال، التفتت الأنظار لتحالف اليمين المتطرف ولشخصيات مثل مارين لوبان ورفيقها جوردان بارديلا، اللذين كانا يفتخران بعلاقتهما بالرئيس ترامب وبدعمهما وتفهمهما لما يقوم بها من إجراءات داخلية نابعة في رأيهما من حسه «القومي». أجبرت التطورات الأخيرة رموز اليمين في فرنسا، وفي غيرها من الدول الأوروبية، على النأي بالنفس قليلا عن توجهات ترامب، الذي ظهر في محفل دافوس بمظهر المعادي لأوروبا.

كاتب سوداني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية