عن خطوة المشاريع الاقتصادية التكاملية

ذكرت في مقالات سابقة أن هناك إمكانيات تعاون عربية مشتركة في العديد من الحقول، التي تستطيع الجامعة العربية أن تعرضها على أعضائها، من دون عوائق ومماحكات سياسية عربية، ظهرت مؤخراً بين بعض الأقطار العربية لأسباب خارجية وداخلية، وقد أعطينا أول مثال عن قيام صناعة حربية مشتركة تحرّر العرب من الابتزاز الأمريكي والصهيوني، كلما أرادوا شراء معدات أو تكنولوجيا عسكرية منهما. اليوم نود إعطاء مثال ثانٍ آخر، يمكن أن يكون أحد المجالات التي باستطاعة العرب أن يقيموا فيها مشاريع عربية مشتركة: إنه المجال الاقتصادي بشتى فروعه، ومستوياته، وتنوعاته الإنتاجية والخدمية.
لنذكّر أنفسنا في الحال بأننا أمام مشهد فيه ناتج محلي إجمالي عربي، وصل في السنة الماضية إلى ثلاثة وستة أعشار مليار دولار (أي ثلاثة آلاف وستمئة مليار دولار)، وأن قيمة التجارة الخارجية العربية في السلع والخدمات، تجاوزت ثلاثة وثلاثة أعشار المليار دولار، وأن فائض الميزان التجاري لعام 2024 على سبيل المثال قد وصل إلى مئة وسبعة وسبعين مليار دولار. نحن إذن نتكلم عن مبالغ هائلة إن استعمل جزء منها للقيام بمشاريع اقتصادية تكاملية عربية، وبتدرج معقول سنحقق الكثير من الفوائد لجميع الأقطار العربية بدلاً من تركز الناتج المحلي الإجمالي العربي وفوائده في دول قليلة هي السعودية والإمارات ومصر والعراق والجزائر. ولا ننس أننا أمام جغرافية هائلة للوطن العربي، تصل إلى ثلاثة عشر مليون كيلومتر مربع والتي تكوّن 10% من مساحة العالم وعددٍ من السكان كبير يصل إلى حوالي أربعمئة وسبعين مليون نسمة. وأخيراً نحتاج أن نشدد على أننا نتكلم عن أمة ووطن يملكان 54 في المئة من احتياطي نفط العالم وحوالي 30 في المئة من احتياطي الغاز الطبيعي العالمي، أي يملكان طاقة ذاتية محركة للتنمية هائلة.

أحد المجالات التي باستطاعة العرب أن يقيموا فيها مشاريع عربية مشتركة، هو المجال الاقتصادي بشتى فروعه، ومستوياته، وتنوعاته الإنتاجية والخدمية

لكن، وآه من كلمة لكن، فإن نسبة الفقر في الوطن العربي، وصلت إلى حوالي 36 في المئة، ونسبة البطالة 11 في المئة، والتنمية المستدامة متعثرة. هناك إذن مشهد غنىّ مريح يقابله مشهد فقرٍ مرعب محبط. وإذا ما تبنّت أنظمة الحكم العربية على مستوى الجامعة العربية، وبإسناد تام ومباركة من قبل مؤسسة قمة الرؤساء العرب، ومن ثم بتنسيق مع دول منظمة التعاون الإسلامية المشاريع المشتركة، فإنها جميعها إنما تتبنّى إحياء واحد من أكبر المشاريع التي ناضلت القوى العروبية التقدمية من أجل تحققه، منذ استقلال أقطار الوطن العربي واعتبرته من أهم المداخل المستقبلية لقيام نوع من الوحدة التكاملية التضامنية العربية، كخطوة أولى في سبيل تحقق وحدة الأمة العربية ووطنها العربي الكبير، في ظل تنمية إنسانية مستدامة تخرج الأمة والوطن من تخلفهما التاريخي الحالي.. ويستطيع القادة التأكد من أن القوى المجتمعية التقدمية، بكل ألوانها وأيديولوجياتها، ستسند مثل هذه الخطوة وتناضل في سبيل نجاحها، وعدم تعثرها بسبب تدخلات أو مؤامرات أو ابتزازات الخارج الاستعماري الصهيوني على الأخص.
وفي مقالات متتابعة سنحاول إعطاء أمثلة لما يمكن أن تكون بدايات وخطوات وتوجهات في هذا المشروع الكبير البالغ الأهمية من مثل، الطاقة والمياه والزراعة والمواصلات ومراكز الأبحاث التكنولوجية وحقول التواصل الإلكتروني والصناعات التحويلية وموضوعات تكنولوجية مستجدة من مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي. إنها قائمة طويلة يمكن تصنيفها في أولويات أمنية، وفي خدمات مستعجلة وفي تأثيرات إيجابية لأكبر عدد من المواطنين العرب. وسنحاول أن نبرز أن الفائدة في جميع الأحوال ستشمل القطر مثلما تشمل الأمة كلها، وبالتالي فحيث تكون تضحيات ستعّوضها فوائد جمّة: وسنرى أننا لا نحلم، وإنما نتبنّى الواقع الذي تسير نحوه كل دول العالم في كل القارات، بأشكال تلائمها وبخصوصيات تساير ثقافاتها وحضاراتها وإمكانياتها المادية المميزة لها والمتطلبات الجغرافية التي تحيط بها. ومثلما فعل البعض في الداخل وفي الخارج الاستعماري الصهيوني، بالنسبة للمشروع العروبي القومي النهضوي من تسفيه له، وغمز ولمز لاستحالة تفعيل مكوناته في الواقع، فإنهم سيفعلون الأمر نفسه بهذا المشروع. لكن هذه الأمة بملايينها المناضلة التي اهتزت الأرض تحت أقدامها منذ بضع سنين لن تنحني لأعدائها طال الزمن أم قصر.
كاتب بحريني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية