عن العيش… ذلك الكدّ الذي بلا طائل

حجم الخط
0

 ذاكرا المدى الزمني الذي تجري فيه وقائع روايته، الممتد لمئة وثمانين عاما يتناسل فيه ما يزيد عن مئة شخصية حاضرة بأسمائها وصفاتها، رأى حامد بن عقيل أن ينشر، في مطلع الرواية، ما يشبه شجرة العائلة، بل العائلات التي سيجري ذكر أفرادها في تلك السنوات الكثيرة، من أجل أن يعود إليها القارئ لدى تراكم الأسماء والتواريخ، ليتعرّف على كلّ منهم، وإلى أي أب، أو جد، ينتسب. كان ذاك التعريف ضروريا ربما، لأسباب كثيرة بينها، أن السرد حافل بذكر الأسماء، كأفراد أحيانا وغالبا كمجموعات، مثال على ذلك مقاطع في الرواية كتبت لتعداد من حضروا في الاجتماع العائلي، الذي دعا إليه أحد الكبار. ولتأكيد ما يعنيه ذلك أضع هنا، بين مزدوجات، تعدادا لمن حضروا: «حدث هذا دون تدخّل من نايف بن فهيدان الأصغر من طلق بأربع سنين، ولا من منيف بن فهيدان الذي أشار له والده بان يبقى في مكانه لأنه صاحب المجلس، الذي ينعقد بحضورالشيخ عايد وولديه، وبحضور سند بن مقبل وولديه سفَر ومقبول، ويحضره نافع بن مقبل وأولاده عويّد وهلال وشغف، وحضور مسعود بن دوخي وولديه حرب وسعد، ولم يحضر من أولاد هندية إلا ثاني بن طايل…».
وهذا اجتماع واحد لجيل واحد من أجيال الرواية الخمسة، التي لا بد ستتبدّل معها الأسماء. ثم هناك أسماء الأماكن التي جرى تقسيمها عند انتقال الدسامين (أنسال دسمان) من حيث يقيمون في الشعَب الأجرد إلى وادي النجل، ذاك الذي حدث بقرار اتخذه دوخي بن سالم، حين رأى فجأة أن مكانهم ضاق عليهم وسيزداد ضيقا على ذريتهم. هناك عاشوا إذن، متجاورين، لكنْ كل في قريته. لم تكن الحياة هيّنة عليهم، ليس فقط بسبب الفقر، بل أيضا ما تأتي به الحياة من أحداث طارئة بينها احتمال وقوع حرب أو سقوط قتيل تستعد العائلات للأخذ بالثأر من بعده، كما بسبب المرض الذي قد يعمّ مع مجيء «الميلة»، وهي الجائحة التي تودي بكثيرين منهم.
أما ترتيب السلطة بينهم فتعود قيادتها إلى كبارهم، وأحيانا إلى تميّز أحدهم بالشجاعة كحال دوخي بن سالم، الذي حفظت له شجاعته بقتله ثلاثة جنود من العثمانيين، فصار يُرجع إليه في مسائل تتعلق بهم جميعا. لكن فجأة، وفي مرحلة من عيشهم، تبدّل حال أصحاب الأمر والقرار بحلول الدولة محل الرجال. أول دفعة من الجنود قدموا إلى وادي النجل كان عدد رجالها قليلا، وهؤلاء تأخر وصولهم يوما أو أكثر بسبب طول الطريق بين المخفر والوادي، وهي مسافة سيقطعونها مشيا على أقدامهم. لم يكن أفراد هذه الدفعة من الجنود سيتوصلون إلى شيء، ولذلك كان على المقيمين في تلك القرى الصغيرة، التي لا يزيد عدد المقيمين في كل منها عن تسعة أشخاص، أن ينتظروا دفعات من الجنود والضباط والمحقّقين تأتي لتستأنف ما بدأته، بتتابع استمر لسنوات كثيرة.
من لحظة معرفة المقيمين في الوادي بأن الاحتكام خرج من أيدي العائلات بدوا كأنهم يعرفون ما معنى ذلك، وما هي المترتبات التي ستنجم عنه. لم يحتجّ على ذلك أحد، ولم يُبد أحد عن سوء فهمه لما جرى. بدوا كما لو أنهم استسلموا أو ارتضوا، هكذا بما يدفع قارى الرواية إلى التساؤل حول الانصياع السريع لقبول هذا التغيّر. ربما يعود ذلك إلى سطوة الجنود العثمانيين، هؤلاء الذين قتل دوخي بن سالم ثلاثة منهم خلال الحرب التي قادها ضدهم شريف مكة، وإلا كيف يقبل من عاشوا قرونا أن يجري عليهم ذلك التغيير القاطع لتاريخهم. ومع توالي السنوات والأجيال نقرأ في الرواية كيف انتقل الأولاد للتعلم في المدارس، بل وكيف كانت بداياتها خالية من أي ضوء ستعرفه الأجيال اللاحقة. وكيف شُقّت الطرق مع مجيء السيارات، وكيف يجب أن يتم تسجيل البيوت والأملاك على أوراق تُحفظ في دوائر حكومية.
هي رواية ذات طابع ملحمي لمتابعتها حياة أجيال تعاقبت متسلسلة. بسلاسة تشبه قبول الجميع بتغيير نظامهم كان البشر يغيّرون عاداتهم وأمكنة إقاماتهم. فمنهم من عاد إلى الطائف، لكن الطائف الجديدة المختلفة عن تلك التي كانت موئل الأوّلين منهم، ومنهم من صار مقيما في مكّة، أو مَن صار ينتقل إلى مصر للمعالجة من مرض، لكن الرواية حرصت على ألا تقف مطولا عند هذه التغيرات، ولا أن تبذل مشاعر متدفقّة حيال التبدلات والنوائب الذي تأتي بها الحياة. كل شيء يجري بواقعيته وعاديّته، بما قد يدفع قارئ الرواية إلى الظن بأنه يقرأ تاريخا مؤرشفا لجماعة شهدت تغيّر العالم من حولها وحظيت بنصيبها من أقداره ومآسيه.
*»منازل الموت» رواية حامد بن عقيل صدرت عن دار رياض الريّس في 195 صفحة – سنة 2025

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية