العراق 2003 وسوريا 2024: الدولة بعد السقوط

افتتحت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 قرناً يليق بألفية جديدة، بالنسبة لنا أهل هذه المنطقة ومَن يشبهنا. ثمّ كان غزو أفغانستان، وتلاه غزو العراق ليكون نقطة تحوّل هائل، ما زلنا وسنظلّ نعاني من هزّاتها الارتدادية. كان هدف الغزو المُعلَن إنهاء حكم استبدادي رهيب، ونشر الديمقراطية في بيئة تبدو كأنّها عصية عليها؛ إلّا أنه انتهى إلى شيء مختلف يصعب الحكم بمآلاته.
وما زالت عبارة «أُنجزت المهمة» قالها جورج بوش الابن مثاراً للنقد والسخرية، أمام تلك المآسي التي جرّها الغزو، والسياسات التالية له، المختلفة عن تلك المهمة.
وإذ تذكِّر استراتيجيات دونالد ترامب الحالية بتلك الأحداث ومجرياتها، فيما يخصّ العراق وإيران، يمكن استحضارها الآن مع ما جرى في سوريا، خصوصاً في نتائجها، حيث جرى بالفعل إنهاء حكم ديكتاتوري رهيب، لكنّ التداعيات المرافقة استمرّت، ويُخشى أن تستمرّ وتتفاقم، رغم اختلاف الظروف والشروط، واختلاف أمريكا بوش عن أمريكا ترامب، والعراق عن سوريا.
استغرقت العمليات الحربية في العراق ستة وعشرين يوماً، وانتهت رسمياً في الأول من مايو 2003. وفي 23 مايو نفسه، أصدر بول بريمر الأمر رقم 2 القاضي بحلّ الجيش، تاركاً أكثر من 400 ألف عسكري خارج الخدمة، وفي الشارع عملياً. ثم لم تنفع مظاهراتهم الحاشدة المطالبة برواتبهم. ولم تنفع ردود بريمر بأنّ الجيش قد انحلّ من تلقاء ذاته في التاسع من أبريل عند سقوط بغداد.

كلمتا الحداثة والديمقراطية ما زالتا غريبتين عن الأجواء الرسمية وتوابعها في سوريا والحديث عن الدستور غائب، وهو الذي يحتاج إلى عملٍ وكفاءات ما زالت مستبعدة

في القرار ذاته، تمّ وضع أصول الدولة العراقية بين يدي بريمر، وتعليق كلّ التزاماتها، كما أُلغيت جميع الرتب والمناصب السابقة، وتم تسريح المجنّدين والمتطوّعين في الجيش والطيران والبحرية ووزارة الداخلية (الشرطة) التي شملت وحدها 285 ألفاً، فضلاً عن العاملين في جميع الأجهزة الأمنية والخاصة التي يستحيل عدّ أفرادها. كان الإجراء الكبير الآخر هو « اجتثاث البعث»، الذي تمّ تطبيقه رسمياً على الدرجات الأربع الأولى من المناصب الحزبية، التي تمّ تسريح أعضائها ومنع توظيفهم إطلاقاً. وكان الأمر رقم 2 بدوره قد شمل – إضافة إلى الجيش والقوى الأمنية- عدداً من المؤسسات والوزارات الرسمية، ومنها الدفاع والإعلام والمعلومات، وكلّ الملحقات الإدارية للمؤسسات المنحلّة، أو الملغاة، مع ملاحظة اهتمام نافر ومنفّر بسلامة وزارة النفط بأبنيتها وجسمها الفاعل. أدّى ذلك إلى فيضان من البطالة، نفد منه من جمعوا مالاً في السابق وهجروا البلاد إلى سوريا وغيرها.
واتّجه بعض المؤدلجين منهم إلى العمل المعارض المنظّم، الذي تحوّل قسم مهم منه إلى داعش لاحقاً، يغذّيه العامل الطائفي، إذ اعتمدت الإدارة الأمريكية على الحماسة الشيعية للتغيير، وعلى الروح الانتقامية لدى من أداروا التغيير، أو على ضعف نفوس بعض «معارضة لندن». اشتعل العراق بكلّ أطرافه من جهة، وغابت علامات «الدولة» لسنوات بعد الاحتلال من جهة أخرى، وهذه النقطة الثانية مناط الحديث هنا، وفي تفاصيلها ما قد ينفع في التجربة السورية.
تختلف التفاصيل طبعاً، فليس من احتلال أمريكي لسوريا، كما لا يمكن مقارنة تماسك نظام الأسد في مراحله الأخيرة بنظام صدّام حسين، لا من حيث الجيش وقوّته، ولا درجة المركزية والانضباط، ولا بمقدار تفكّك النظام. كما أن سوريا كانت تعيش واقعاً مقسماً، بمناطق سيطرة في الشمال الغربي والشمال الشرقي وحتى في الجنوب والسويداء آنذاك، وسوى هذه وتلك، جعل وجود ونشاط الميليشيات الغريبة والقريبة والقطعات العسكرية كيانات متنافرة أحياناً. وفي حين تشابهت سنوات من الحصار والعقوبات على البلدين، التي كان أثر العقوبات على كل منهما مختلفاً. فقد تركت العقوبات سوريا مع اقتصاد ضعيف جداً، وحالة إملاق عامة، تعتمد السلطة فيه على ما تتكرّم به إيران وروسيا، بعدما كان الأسد ومحاسيبه قد نهبوا البلاد، باختصار، تحوّلت الدولة إلى حطام.
رغم ذلك، لم تتوقّف الدول الداعمة للثورة السورية منذ قيامها في ربيع 2011، عن وصاياها للمعارضة السورية، حول أهمّية الحفاظ على مؤسسات الدولة، حتى في السنوات الأخيرة، مع استحواذ داعش والخوف من الإرهاب، على سياسات تلك الدول، وتحوّل النظام إلى عبء ثقيل وكريه لا بدّ من رحيله بأية طريقة.
استطاعت هيئة تحرير الشام والفصائل الحليفة لها تحقيق ذلك الإنجاز، الذي يبدو أن سهولة مرحلته الأولى في حلب، دفعت به إلى المرحلة الثانية حتى دمشق، وانتهى عصر الأسد. وبمقدار سهولة العمليات العسكريّة تجلّت صعوبة عملية تأسيس سوريا مختلفة بعدها. فدرجة التخريب الذي أنجزه النظام السابق في البلاد وشعبها، وطريقة دعم الداعمين وتضارب سياساتهم أحياناً، و»سوء سلوك» المعارضة الوطنية بكلّ المعايير، حتى فرغت من مضمونها وطاقاتها.. انعكست جميعاً ترحيباً شعبياً كبيراً من قبل شعب منهك، وغير قادر على الفعل أيضاً.
لكنّ عناصر موضوعية أخرى ساهمت في الوصول إلى هذا، وهنا ينفع مثال العراق رغم الاختلافات.
كانت معارضة لندن العراقية، ومعارضة إسطنبول السورية، قد خطّطتا «نظرياً» لعملية التغيير، ومن أجل قيام دولة حديثة مدنية ديمقراطية وتعدّدية، ولكن!
يُقال إن الجيش السوريّ وقوى الأمن والشرطة، تفكّكت من تلقاء نفسها، في سوريا أيضاً. فانضمت مئات الألوف إلى جيوش البطالة واليأس، أو الغضب من عهد الأسد. وانضمّ إليهم أيضاً ألوف الموظّفين والمعلّمين والكوادر في عملية انزياح واستبدال اجتماعي سياسي – طائفي. والمشكلة أن ذلك بدا طبيعياً، أو مقبولاً للبعض، مع أنّ مفاعيله ظهرت لاحقاً وما زالت تكبر وتتسع. كانت طبيعة نظام صدام الطائفية قد دفعت باتّجاه معاكس له نحو الاعتماد على الشيعة، وتصدَّر الموقفَ أولئك الأقرب إلى إيران، حتى قيل إن الولايات المتحدة، سلّمت أمر العراق لنظام الملالي بشكل من الأشكال. ثمْ، مع الحرب على داعش، تأسست فصائل الحشد الشيعية، وتمّ تبنّيها أو بعضها من قبل الحرس الثوري مباشرة. في سوريا كذلك كان عصب النظام الطاغي على المشهد علوياً، وكان مركز الثقل الحاسم ضدّه في النتيجة سنّيا، يُخشى من تشدّده بتأثير مظلوميّته مع آل الأسد، وتشجيعه من قبل أصحاب المصلحة والأمراض أو الجراح.
أصبح لون النظام العراقي الجديد شيعيّاً معاكساً للذي سبقه، ومقاوماً للتقدّم والسيادة، تتقطّع أنفاسه قبل وخلال وبعد كلّ انتخابات، كما يجري هذه الأيام. وأصبح لون النظام السوري الجديد سنّياً مفتوحاً على التشدّد، معاكساً أيضاً لمن سبقه ومعرقلاً للمواطنة المتساوية وللتعدّدية التي لا بدّ منها. سلك العراق طريقاً صعباً إلى دستور بقي مفتوحاً على الأزمات، ساعده جزئياً على النجاة بصعوبة حتى الآن. أمّا سوريا فما زال أمامها الطريق كلّه تقريباً، وهو لا يبدو سالكاً بسهولة، ولا معبّداً، وربما ليس معروفاً ولا مألوفاً.
مازالت كلمة «الدولة» تُستخدم بخفّة في سوريا خصوصاً، وبمعانيها العربية والعثمانية القديمة، بمعنى الشخص القابض على السلطة والسلطان وصاحب الأمر أو الأمير، وعصبته. في حين لا يتمّ تداولها أو تَمَثَّلُها مع ملحقاتها المعاصرة: المدنية والحداثة والديمقراطية والتعدّد. ربّما لانت المواقف أمام بعض المفهوم الأخير خلال العام الماضي، لكنّ كلمتيّ الحداثة والديمقراطية ما زالتا غريبتين بشكلٍ صارم عن الأجواء الرسمية وتوابعها. الحديث عن الدستور غائب أيضاً، وهو الأساسي الذي يحتاج إلى عملٍ وكفاءات ما زالت مستبعدة.
الأكثر أهمية من الناحية الملموسة والعملية، هو وجود ما يشبه العداء للقرار 2254 بمضامينه الحيّة، والعناد الرافض لفتح الأبواب
للمشاركة السياسية، ابتداءً من تشجيع تأسيس الأحزاب وقنونتها، وتشجيع الحريات- أكثر من الحدود المتاحة- وحماية الحقوق بكلّ أشكالها.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية