نفّذ الجيش الإسرائيلي ليل الأربعاء الماضي إنزالا جويا في موقع عسكري قرب منطقة الكسوة يقع على بعد نحو 30 كلم جنوب العاصمة السورية دمشق، وكان الموقع نفسه قد تعرّض لقصف متكرر في اليومين السابقين على الإنزال.
بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود الإدارة السورية الجديدة التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، أخذت إسرائيل تعلن مسؤوليتها عن هجماتها على البلاد، وتتباهى أحيانا بكشف تفاصيلها، كما فعلت بعد عملية «طرق متعددة» التي شن خلالها مقاتلو كوماندوز غارة على مصنع صواريخ في مدينة مصياف شمال وسط سوريا، كما أعلنت عن عملية «سهم باشان» التي أدت عبر ضربات جوية وبحرية إلى تدمير القوات الاستراتيجية العسكرية التي كانت ما تزال موجودة بعد سقوط الأسد، ثم بقيامها بسلسلة هجمات استهدفت مواقع رادار وأنظمة مراقبة ومقرات عسكرية تابعة للنظام الجديد.
في نيسان/ ابريل الماضي ومع اندلاع اشتباكات في محافظة السويداء، المعقل الرئيسي لطائفة الدروز، تدخّلت إسرائيل علنا لتهديد نظام الشرع بهجوم واسع تضمّن قصف موقع قرب القصر الرئاسي، وقصف مبنى رئاسة الأركان، وقرابة 90 غارة استهدفت آليات عسكرية بينها دبابات ومدرعات، وترافقت مع تصريحات لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، الذي نشر مقطعا مصورا يظهر مذيعة في قناة الأخبار السورية وخلفها مبنى الأركان المتضرر معلقا: «بدأت الضربات المؤلمة».
على عكس التصريحات والتهديدات الواضحة التي اعتاد مسؤولو إسرائيل الكبار على بثها فإن وزير الحرب كاتس، اكتفى في تعليقه حول عملية الإنزال الأخيرة بالقول، أمس الخميس، إن قواته تعمل «في جميع ميادين القتال ليل نهار من أجل أمن إسرائيل»، كما أن القوات الإسرائيلية رفضت الرد على أسئلة وكالة الأنباء الفرنسية حول العملية.
حسب موقع «واينت» الإسرائيلي فإن هذا يعكس «تحولا لافتا» في السياسة الإسرائيلية تعود فيه تل أبيب إلى «نهج الغموض في التعاطي مع نشاطها العسكري في سوريا» بعد سنوات من الإعلان العلني عن تفاصيل عملياتها.
على عكس كاتس، فقد تعمّد نتنياهو، بعد «العملية الغامضة»، تحويل الأنظار نحو اتجاه آخر، حيث توجّه أمس الخميس إلى قرية جولس، ليلتقي بالرئيس الروحي لطائفة الدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، حيث شبّه الانتهاكات التي ارتكبت بحق الدروز في السويداء جنوب سوريا بـ»المحرقة»، مطمئنا طريف بأنه يقوم بدوره في «لفت انتباه العالم» إلى هذه القضية، مؤكدا أنه «ليس ساذجا» وأنه يفهم «مع من نتعامل» (في إشارة إلى حكام سوريا الجدد).
يحمل الهجوم الأخير عناصر استخبارية يشير إليها، من ناحية، الغموض الذي اتبعه كاتس، والتهويل المنافق الذي اتبعه نتنياهو (بالتلميح لعلاقة ما لهجوم الكسوة باشتباكات السويداء)، كما يشير إليها، من ناحية أخرى، كما أشار خبير عسكري، تحركات الاحتلال في مثلث حرجلة – الكسوة – جبل المانع، الذي تعرّض لإنزال في شهر تموز/ يوليو الماضي.
كانت المنطقة المذكورة (الكسوة) تتمركز فيها ميليشيات شيعية في زمن نظام الأسد السابق، وكان فيها موقع اللواء 79 دفاع جوي التابع للفرقة الأولى، ويرتفع جبل المانع ألف متر عن سطح البحر، مما يجعله مناسبا، على ما يبدو، كمنصة للجهد الاستخباراتي المسؤولة عنه الوحدة 8200 الشهيرة، وهي وحدة الاستخبارات المسؤولة عن التجسس الالكتروني عن طريق جمع الإشارة وفك الشيفرة والحرب الالكترونية، والتي نسّقت، على ما يظهر، عملية الإنزال مع وحدة «سبيرت متكال» التابعة لرئاسة الأركان، والتي نفذت عملية مصياف في أيلول/ سبتمبر الماضي ضد «مركز البحوث العلمية» التابع للنظام السابق.
يحمل الخبر الذي نشرته وكالة الأنباء السورية حول العملية الأخيرة تأكيدا لهذا التحليل فقد نقلت عن مصدر حكومي قوله إن قوات سورية عثرت في موقع جبل المانع الثلاثاء «على أجهزة مراقبة وتنصّت»، وأنه «أثناء محاولة التعامل معها تعرّض الموقع لهجوم إسرائيلي جوي أسفر عن ارتقاء عدد من الشهداء وإصابات وتدمير آليات، وهو ما عادت محللة إسرائيلية، تدعى كارميت فالينسي، تأكيده لوكالة «فرانس برس» بالقول: «ما نعرفه هو أن القوات السورية اكتشفت أجهزة مراقبة واستخبارات يرجح أنها إسرائيلية».
تؤكد العملية الأهمية التي توليها إسرائيل للسيطرة الاستخبارية على المجال السوريّ، لكنّها تشير أيضا إلى خبث نتنياهو السياسي الذي قام بـ»بيع» حدث الهجوم للشيخ طريف وأنصاره، في الوقت الذي كان فيه وزير حربه يرفض التعليق لأن لا مصلحة لإسرائيل في إعلان انكشاف منصّتها التجسسية في جبل المانع.