على أن يقال أن هذه المكتبة كانت لي..

حجم الخط
0

السيّد أمين، مثقّف الضيعة وشاعرها، لم يكن جامع كتب. لم يزد ما في خزانته عن عشرين كتابا أو ثلاثين كان يحفظها، كما كنت أظنّ آنذاك، عن ظهر قلب. ومع ذلك كان يملك من الكتب أكثر مما كان يملكه أبوه. لا أكثر من كتاب واحد كانت ذخيرة هذا الأخير، وهي مخطوطة باليد لا يتجاوز عدد صفحاتها الخمسين.
ولما سألت السيد أمين أن يعيرني إيّاها، أجابني بأنها كتاب أبيه، ولا يُخرجها من بيته. لكنه أتاح لي بأن أتصفّحها. كانت تلك الصفحات القليلة مكتبة أبيه، بكل معنى الكلمة، إذ اختلطت فيها قصائد كان قرأها لشعراء بينهم أبو فراس الحمداني والشريف الرضي وخطب للإمام عليّ، وقصائد له كان نظمها على فترات متباعدة، بينها واحدة كان نشرها في مجلّة «العرفان»..
هذا الكتاب المخطوط هو مكتبة السيد جعفر الكاملة إذن، لم تكن قد أدركته، في أيامه القديمة تلك الأفكارُ عن ترقّب الجديد الذي تصدره دور النشر، كما هو حالنا في زماننا. وعلى أيّ حال، كان التثقف بالقليل شائعا في زمانه، حتى إنه كان ممكنا أن يعتبر من العارفين، أولئك الذين كانوا مكتفين بكتابهم الواحد.
عمّي الشيخ عبد الرسول كان كتابه ذاك ملازمه في تجواله، إذ كلما قعد ليقرأ، كان يفتح على أي صفحة ويبدأ منها قراءة ما كان قرأه، لا بدّ، مرّات كثيرة. أبي أيضا، كان من قرّاء الكتاب الواحد. كتابه «تذكرة داوود الإنطاكي» كان سميكا كثير الصفحات. أما استعماله له فمماثل للجوء طلاب المدارس إلى القاموس للعثور على معنى كلمة لا يعرفونها. أما هو، أبي، من جهته، فكان يبحث في كتابه عن الأمراض وعلاجاتها، وذلك لخدمة من يسألونه من أصحابه وجيرانه عن أمراضهم.
أفكّر بهؤلاء وأنا أجلس قبالة مكتبتي التي لا أعرف الآن كيف أجاري تضخّمها. أقصد الازدياد المطرد لما ينضاف إليها من كتب. لم يعد يجدي حشر الكتاب الجديد بين كتابين بعد أن استُنفدت كل الملليمترات المتاحة على مدى السنوات السابقة، كما لم تعد تجدي ملحقات الخزائن التي بدّلتُ جهة استعمالها. وإلى ذلك لم تعد سطوح الأثاث تسع ما سيوضع فوق ما وُضع عليها. أما اهتدائي، منذ سنوات إلى أن أجعل رفّ المكتبة الواحد مزدوج السعة فتصطف كتب في الأمام مغطّية الكتب التي خلفها، فهذا ما جعلني لا أعرف ما هي الكتب التي عندي. أعني الكتب ذات العناوين المخبّأة خلف الكتب التي عناوينها ظاهرة. في أحيان أقول إن ما هو مهم في مكتبتي ليست تلك التي في الأمام، بل تلك التي في الخلف، ذاك لأني، في ما سبق من السنوات، كنت أكثر حريصا على التأكّد من أهمّية الكتب قبل شرائها.
كتب كثيرة تزداد كثرة، وأراني، حين يتعلّق الأمر بكتاب واحد منها، شديد الحرص على إبقائه عندي. من أجل ذلك أروح أتذكّر كل كتاب خرج من مكتبتي، بالسرقة أو بالإعارة، بما يزيد كثيرا عن تذكّري للكتب التي لا تزال في مكانها على رفوفها. لكنني مع ذلك لا أعرف أين أجد كتابا أردت العودة إليه، فأنا لست أكاديميا أصنّف الكتب حسب اختصاصاتها، بل أضع الجديد منها في المكان الذي ما زال قابلا لأن يتّسع له. لا ترتيب ولا تنسيق إذن. هي فوضى بدأت منذ شرعتُ بتكوين النواة الأولى لمكتبتي، حيث كنت أنسق الكتب حسب أطوالها، وربما حسب ألوان أغلفتها.
موقع غوغل يصنّفني بأني واحد من المصابين بمتلازمة البيبليومانيا، لكن إصابتي لم تبلغ بعد ما بلغته عند كتّاب احتوت مكتباتهم على عشرات الألوف ، بل مئات الآلاف من الكتب. وهؤلاء ما يزالون يدوّنون مصنفات، عن تعلّقهم بما لديهم، فيما بتّ أتساءل عن احتلال كتبي هذا القدر من مساحة بيتي. لم أعد بحاجة إلى ما راكمته طيلة كل تلك السنوات، ولم يعد محلّ افتخار لي، وها هو غوغل يتكلّم عمن هم مثلي بنبرة أستطيع أن ألمس قدر السخرة الذي تحتويه، بل هو يضع العالقين بها في عداد المرضى. سأبيعها، أقول، أو أتبرع بها لإحدى المكتبات الكبيرة في البلد، لكن مشترطا أن يُذكر في مكان ما أنها، من قَبْل، كانت لي.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية