غياب الثقة وسط الحلف الأطلسي

مراجعة عدد من الدول الأوروبية صفقات إف 35 الأمريكية يبين بأن الاتحاد لا يمكنه البقاء حلفا سياسيا واقتصاديا، بل عليه الانتقال إلى بناء الحلف العسكري بعيدا عن المظلة الأمريكية.

لندن ـ «القدس العربي»:  يقطع الاتحاد الأوروبي خطوات متسارعة حثيثة من أجل التحول إلى قوة عسكرية قادرة على تأمين الدفاع عن نفسه والوقوف إلى جانب الثلاثة الكبار الصين وروسيا والولايات المتحدة. ومن ضمن التحديات المطروحة: إلى أي حد يمكن الإبقاء على التنسيق العسكري مع واشنطن واستمرار اقتناء السلاح الأمريكي وخاصة المقاتلات وعلى رأسها إف 35، بعدما بدأت بعض الدول تعيد النظر في الصفقات؟

وهكذا، تعيد عدة دول أوروبية النظر في خططها لشراء طائرات مقاتلة من طراز F-35 سواء مراجعة الصفقات الموقعة أو التي يمكن توقيعها، وذلك على ضوء المستجدات المفاجئة نسبيا وهي التطورات الجيوسياسية الأخيرة والمخاوف بشأن العلاقات الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض خلال كانون الثاني/يناير الماضي في إطار الولاية الثانية المتقطعة.
وعادة ما تحبذ البرتغال السلاح الأمريكي لأن التنسيق بينها وبين البنتاغون متطور للغاية وكذلك مع البريطانيين، لكن هذه المرة، تعيد وزارة الدفاع في لشبونة، وفق الصحافة البرتغالية، تقييم خطتها لاستبدال طائرات F-16 الأمريكية بطائرات F-35 الأمريكية حيث تبلغ قيمة الصفقة 6 مليارات دولار أمريكي، مستشهدةً بالمخاوف بشأن تغير المواقف الأمريكية داخل منظمة شمال الحلف الأطلسي. وسلط وزير الدفاع البرتغالي، نونو ميلو، الضوء على عدم القدرة على التنبؤ بالسياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب، كعامل رئيسي لمراجعة صفقة إف 35.
في التوجه نفسه، بدأ رئيس الوزراء الكندي الجديد مارك كارني مراجعة التزام بلاده بشراء 88 طائرة إف-35 بقيمة 13 مليار دولار. كما أن عزم ألمانيا طلب 35 طائرة من طراز F-35 هو الآن موضع شك. وتبقى هولندا ضمن الحلف الأطلسي هي التي لا تراجع صفقة إف 35 وأكدت استمرارها في شراء المقاتلة الأمريكية التي تعتبر الأكثر تطورا ضمن المقاتلات التي تبيعها واشنطن للحلفاء.
ووفق عدد من المواقع المتخصصة في الشأن العسكري مثل «غلاكسيا ميليتاري» الإسباني و«ميتا ديفانس» الفرنسي تعزى عمليات إعادة نظر الأوروبيين إلى مراجعة صفقات إف 35 وصفقات أخرى إلى عوامل متعددة، وعلى رأسها، أولا، مخاوف لدى الجيوش الأوروبية بشأن مستوى الثقة في الولايات المتحدة بسبب مواقف الرئيس ترامب المتقلب في قراراته والمناهض لتحمل مصاريف الدفاع عن أوروبا، ثم ميله إلى التنسيق مع روسيا كما يحدث الآن في البحث عن حل للحرب الروسية-الأوكرانية. والعامل الثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق، كانت الصحافة الألمانية هي السباقة في الحديث عن فرضية واحتمال تحكم البنتاغون في طائرات إف-35، وبالأساس شائعات عن «مفتاح إيقاف التشغيل»، أي التحكم في البرامج الإلكترونية للمقاتلة لجعلها لا تؤدي مهامها كما يجب. وكانت بعض الدول غير الأوروبية قد فضحت كيفية تحكم الولايات المتحدة في مقاتلات إف 16، وأبرزها التصريحات التي جاءت على لسان محمد مهاتير الرئيس السابق الراحل لماليزيا الذي قال إن إف 16 التي كانت في سلاح الجو الماليزي تصلح فقط للاستعراض.
وعلاقة بالجانب التقني، دائما توجد مخاوف بشأن صعوبة الحصول على الصيانة وقطع الغيار في المستقبل في حالة حدوث نزاعات بين أوروبا والولايات المتحدة. وفي هذا الصدد، تمتلك تركيا أكبر الأساطيل الجوية من مقاتلات إف 16 بعد الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن واشنطن ترفض وتماطل منذ سنوات في تحديث إف 16 التركية.
ويبقى السبب الآخر هو التوجه الحالي للاتحاد الأوروبي بتشجيع الصناعة العسكرية الأوروبية وتخصيص 800 مليار يورو بين المفوضية وباقي الأعضاء، ومنها 160 مليار يورو للبحث العلمي المرتبط بكل ما هو عسكري. ولهذا تريد غالبية الدول الاستفادة من هذه الميزانية لتطوير برامجها الحربية المشتركة مع دول أخرى.
تماشيا مع المباحثات الأوروبية الأوسع نطاقًا حول استقلالية الدفاع، بدأت الدول التي لا تصنع مقاتلات تبحث عن بدائل أوروبية الصنع بحكم أنها لا يمكنها اقتناء مقاتلات روسية أو صينية وتتحفظ الآن على المقاتلات الأمريكية. وفي هذا الصدد، تجد في السوق الأوروبية ثلاث مقاتلات وهي رافال الفرنسية، ومقاتلة يوروفايتر تايفون التي تصنعها عدد من الدول ومنها إسبانيا وبريطانيا وإيطاليا، علاوة على مقاتلة ساب غرينبين السويدية. وعمليا، تقدم هذه الخيارات مزايا متفاوتة من حيث فعالية التكلفة، وتعدد الاستخدامات، والاستقلالية عن القيود التنظيمية الأمريكية. ومن جهة أخرى، قد يكون لعملية الاستغناء المحتمل عن شراء مقاتلة F-35 من قبل العديد من أعضاء الحلف الأطلسي الناتو آثار كبيرة على التحالف، لاسيما وأن هذه المقاتلة كانت هي المرشحة لتصبح المقاتلة الرئيسية لدى الدول الأوروبية. وتعتبر رافال الفرنسية الرابح في هذا التطور بحكم أنها تضاهي إف 35، كا أن فرنسا مستعدة لصنعها بالتعاون مع الدول الأعضاء.
ارتباطا بهذا التطور، عملية الإلغاء المفترض للمقاتلة الأمريكية من شأنه أن يقوض خطة الحلف الأطلسي الطويلة الأجل لجعل جميع الأعضاء يستخدمون مقاتلات متشابهة ومماثلة كما يحدث مع المقاتلة إف 16. ومن النتائج المباشرة سلبا لهذا التطور، انخفاض توافق الاتصالات بين القوات الأوروبية الجوية وتراجع التنسيق. في الوقت ذاته، تحديات في توحيد الذخائر، وتعقيدات في تدريب الطيارين والصيانة، وصعوبات في مشاركة قطع الغيار.
ويبقى التأثير الكبير في حالة حدوث هذه الإجراءات هو أنها ستؤدي حتما إلى جعل عمليات التحالف أكثر صعوبة وربما إضعاف تماسك الحلف الأطلسي، خاصة إذا قررت أوروبا التقليل من الروابط العسكرية مع الولايات المتحدة.
إن موضوع عزم مراجعة عدد من الدول الأوروبية صفقات إف 35 الأمريكية هو منعطف يبرز استيقاظ الاتحاد الأوروبي من سباته العميق بأنه لا يمكنه البقاء حلفا سياسيا واقتصاديا، بل عليه الانتقال إلى بناء الحلف العسكري والاعتماد على القدرات العسكرية الأوروبية بعيدا عن المظلة الأمريكية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية