انشغلت التّلفزيونات ووسائل الإعلام في غير ما بلد غربيّ باستحقاقات انتخابيّة ما بين عامة برلمانية (كندا، وأستراليا وسنغافورة) ورئاسيّة (رومانيا)، وأخرى محليّة بلديّة (بريطانيا)، إلى جانب استمرار المشاورات لتكليف مستشار جديد وحكومة في ألمانيا بعد ما يقارب ستة أشهر من انفراط عقد الحكومة السابقة. على أن المتابع لهذه العمليّات سيجد أنّ ثمّة شبحاً متفرداً يحوم فوقها جميعها: إنّه شبح دونالد ترامب.
تاجر العقارات الفاخرة، والنجم التلفزيونيّ السابق الذي صار رئيساً للمرّة الثانية قبل أشهر فقط أصبح، سلباً أو إيجاباً، شئنا أم أبينا، عنصراً أساساً في معارك سياسيّة داخليّة في زوايا العالم الأربع. فبعد حرب التعرفات الباهظة التي أطلقها على حلفائه قبل الأعداء، وتصريحاته المثيرة للجدل بشأن نواياه تجاه كندا وغرينلاند وغزّة وبنما، وانقلابه على سياسة سلفه (جو بايدن) بشأن الحرب في أوكرانيا، غدا الرجل البرتقالي غريب الأطوار مادة الاستقطاب في المجتمعات الغربيّة، وأصبحت خيارات الناخبين تتقلب بين دعم من يتماهى معه أو معارضتهم، وربما على حساب القضايا المحليّة.
ترامب للكنديين: أنا موجود شخصياً على بطاقات اقتراعكم
فيما وصفه المعلقون بالمعجزة، وقيامة من مواتٍ سياسيّ، انتزع الحزب الليبرالي الذي يقوده رئيس الوزراء مارك كارني ولاية رابعة بعد جولة الانتخابات الفدراليّة العامة في كندا رغم أن استطلاعات الرأي تقاطعت طوال ما يزيد عن عامين لتعطي حزب المحافظين المعارض أفضليّة للفوز بأكثر من 25 بالمئة.
كارني عديم الخبرة السياسية، وفريقه الذي كان يرزح تحت ثقل عشر سنوات من الملل في عهد رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو استفادوا من تحوّل حاد بما خصّ المزاج السياسي داخل كندا بعد مطالبات الرئيس ترامب بضم بلادهم ولاية أخرى – حادية وخمسين – إلى الولايات المتحدة كان آخرها صبيحة اليوم الانتخابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كتب يذكرهم بأنّه موجود شخصياً على بطاقات الاقتراع، ومردداً تصريحاته السابقة بأن كندا يجب أن تلتحق بالولايات المتحدة. ويبدو أن لهجة الخطاب المتماسك لكارني أمام التهديدات الترامبيّة دفعت بكثير من الناخبين المترددين للالتفاف حوله كأفضل خيار ممكن لمواجهة ضغوطات الرجل البرتقالي، فيما اُعتبر منافسوهم المحافظون وكأنّهم امتداد عضوي لتيار (فلنجعل أمريكا عظيمة مجدداً MAGA) اليميني – الأمريكي المؤيد لترامب، كما وتراجعت بشكل ملحوظ أهمية القضايا المحليّة والإقليمية، لتنتهي الانتخابات أقرب إلى تصويت مستقطب الطابع – بين ما يفوق 80 % من الناخبين – ضد أو مع ترامب. ويبدو أن استراتيجية المحافظين للتقليل من شأن روابطهم باليمين الأمريكي وزعيمه الصاخب ترامب لم تكن ناجحة بما يكفي حتى أن زعيم الحزب، بيير بويليفر، فقد مقعده البرلماني الذي احتفظ به لما يزيد عن عشرين عاماً. وحاول المحافظون خلال حملتهم الانتخابية إقناع الكنديين بأن رئيس وزراء مقبول من ترامب سيكون أقدر على إدارة العلاقات الثنائية المحتدة بين البلدين، لكن نتائج الاقتراع كشفت بجلاء أن الأغلبية صوتت ب «لا» لترامب – مع نسبة مشاركة بلغت 68.7 % تعد الأعلى منذ عام 1993 -، وأهدت فوزاً عزيزاً غير متوقع لكارني والليبراليين.
وفي أستراليا ترامب محور للاستقطاب
في الجهة الأخرى من العالم حقق حزب العمل الأسترالي بقيادة رئيس الوزراء أنطوني ألبانيزي فوزاً ساحقاً في الانتخابات ما منحه فترة ثانية بأغلبية برلمانية معززة، وأصبح ألبانيزي أول رئيس وزراء من الحزب يُعاد انتخابه بأغلبية منذ بعام 1990، في حين قدّم تحالف المعارضة الليبرالي الوطني ما عدّ أسوأ أداء له منذ أكثر من 80 عاماً، وأصبح زعيمه بيتر داتون أول زعيم للمعارضة يخسر مقعده البرلماني في انتخابات عامّة بعدما تعرض لانتقادات بسبب تقليده لخطاب ترامب. وبينما ركزت حملة حزب العمل على قضايا محليّة بعضها مثير للجدل، فإن الأستراليين صوتوا في غالبهم لرئيس وزراء لم يتردد عن انتقاد مواقف ترامب، وأعلن استعداد بلاده لمواجهة التعرفات التي فرضتها الولايات المتحدة ما يشكل علامة فارقة في السياسة الأسترالية.
في رومانيا: الشعب يريد رئيسه ترامبياً
على عكس الأطراف في أستراليا وكندا حيث انتصر مناهضو الترامبيّة، فإن الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المعادة في رومانيا أسفرت عن فوز واضح للمرشح اليميني المتطرف جورجي سيميون، زعيم حزب «تحالف وحدة الرومانيين» (AUR)، المؤيد من ترامب، بحصوله على نحو 41% من الأصوات، فيما حل بعيداً في المركز الثاني نيكوشور دان، عمدة بوخارست – والمرشح المستقل المؤيد للاتحاد الأوروبي -، بنسبة 21 %، وسيخوضا جولة الإعادة في الثامن عشر من الشهر الحالي. وأدت هذه النتيجة الصاعقة إلى استقالة رئيس الوزراء مارسل تشيولاكو وانهيار التحالف الحاكم المؤيد للغرب.
سيميون، المعروف بانتقاده للاتحاد الأوروبي ودعمه لحركة «إجعل أمريكا عظيمة مجدداً يعتبر الرئيس ترامب ملهماً له، وسيكون له إن ظفر بالرئاسة كما هو متوقع الآن أن يغيّر بشكل كبير من تموضعات بلاده السياسية بحكم الصلاحيات الكبيرة التي يمنحها الدستور لشاغل المنصب.
من سنغافورة إلى ألمانيا وشمالي إنكلترا… ترامب أيضاً
تجارب كندا وأستراليا ورومانيا تردد صداها هذا الأسبوع في سنغافورة، حيث استفاد الحزب الحاكم من صراحة رئيس الوزراء لورانس وونغ بشأن الأوضاع بعد تعرفات ترامب الجمركيّة، وتحذيره في خطاب متلفز أن «الظروف العالمية التي مكنت سنغافورة من النجاح على مدى العقود الماضية ربما لم تعد موجودة»، وبدا للمراقبين بأن الشعور بالقلق العميق لدى السنغافوريين بشأن حروب ترامب التجارية يدفع عدداً حاسماً من الناخبين إلى إظهار دعم قوي لشاغل المنصب. وفي ألمانيا، وبالرغم من أن فريدريك ميرتس، مستشارها الجديد لم يستفد مباشرة من شبح ترامب كما استفاد منه زعماء كندا وأستراليا خلال الانتخابات الأخيرة، لكن تصريحاته حول عزم ألمانيا وحلفاء أمريكا الأوروبيين التصدي للتعرفات الجمركية مكنته من جمع تأييد كافٍ لسياساته لا سيما لناحية تعليق العمل بسقوف الإنفاق الحكومي وتعزيز بناء الدّفاع الذاتي لألمانيا والقارة بعد إبداء ترامب عزمه على تغيير المقاربة الأمريكية للعلاقة بحلفاء بلاده التاريخيين.
وفي بريطانيا، حيث أجريت انتخابات بلدية جزئيّة في شمالي إنكلترا وويلز تعرض حزب العمال الحاكم وحزب المحافظين المعارض كليهما إلى هزيمة مذلة، وظهر رئيس الوزراء كير ستارمر زعيم حزب العمال على التلفزيون ليعترف باستلام الرسالة بعدما صوت الناخبون عقابياً ضد الحزبين الكبيرين وبشكل حاسم لصالح حزب الإصلاح اليميني المتطرف الذي تتقاطع مواقفه في عدد من الملفات مع توجهات تيار (فلنجعل أمريكا عظيمة مجدداً MAGA). ومع أن دافع الناخبين كان مرتبطاً أساساً بقضايا داخلية، إلا أن لا أحد ينكر بأن شبح ترامب كان يحوم في الأجواء وقدّم مظلّة لانتعاش تيار أقصى اليمين على حساب الأحزاب الأقرب إلى الوسط.
الترامبية باقية، والعالم يعيد تموضعه حولها
وللمفارقة الفاقعة كل ذلك حصل خلال ثلاثة أشهر فقط منذ تولى ترامب منصبه، ولذلك ليس سابقاً لأوانه أو مبالغاً به القول بأن الناخبين في الغرب وحول العالم لديهم شبح قابعٌ في أذهانهم، ترامبي الهيئة، بينما يذهبون إلى قراراتهم بالتصويت لجهة دون أخرى، وبما أن ولايته ستستغرق أربع سنوات، وسياساته قد تستمر من بعده، إن فاز خليفة له بالانتخابات الرئاسية التالية وربما لثماني سنوات في حال التجديد له، فإن العالم وكأنّه بدأ بالفعل بإعادة تموضعه، صوتاً صوتاً، وصندوقاً صندوقاً، حول الترامبيّة، سواء معها أو في مواجهتها، ولن يزيدنا الشبح البرتقالي في تلك الأثناء إلا استقطابا.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن