غزة – «القدس العربي»: في شارعٍ ضيّق من أزقة البلدة القديمة في غزة، حيث تتشابك بقايا الحجارة مع أقدام الناس التي لا تتوقف عن المشي رغم انكسار المدينة، جلس أبو زهير قاسم على كرسي بلاستيكي أمام محله الذي لا يزال قائمًا رغم الدمار. كان المكان نفسه الذي شهد سنوات من رائحة المعجنات الطازجة يتحول اليوم إلى مساحة انتظار بين صمتٍ ثقيل وأملٍ يتأرجح بين الأنقاض.
«أنا أقيم في خيمة بجوار المسجد العمري بعد تدمير منزلي»، يقول أبو زهير، وصوته يختلط مع همس الريح التي تمر بين أزقة البلدة. ولم ينسَ الرجل أن يذكر أن هذا المكان ليس مجرد حي عادي بالنسبة له، بل هو مسقط رأسه وذاكرته وحياته كلها. «أنا مسقط رأسي في البلدة القديمة… ربيت هنا طفولتي، شبابي، حياتي كلها، وتزوجت هنا، وخلفت هنا، وعملت مشروعي… بجوار المسجد العمري».
تبدو الكلمات التي ينطق بها أبو زهير بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل ثقل ما يعنيه أن يفقد الإنسان مكانه، وأن يرى تاريخًا كاملًا يتقلص إلى بقايا حجر. فهو لا يتحدث عن مسجد فقط، بل عن هوية تُمحى، وعن «عبق التاريخ» الذي يختفي أمام عينيه. «المسجد العمري يمثلنا كفلسطينيين ويمثل تاريخنا… ليس هناك جمال كجمال المسجد العمري في جميع دول العالم».
لكن الرجل لا يكتفي بوصف الجمال، بل يصر على أن المسجد ليس مجرد بناء، وإنما رواية متواصلة من الأجداد والآباء. «كل حجر فيه حكاية… كل حجر فيه رواية».
ويقول لـ»القدس العربي»، قبل أن يتحول الحديث إلى نبرة أكثر حدّة: «لو سألت أي أحد: ما هذا؟ سيقول لي: حجر. أقول له: لا، هذا ليس حجرًا، هذا التاريخ الفلسطيني». ثم يضيف: «جيش الاحتلال حاول أن يهدم البلدة القديمة مرة أخرى، كي يطمس الهوية الفلسطينية… إلا أنه الحمد لله، بإرادتنا وبقوتنا، سنعمرها من أول وجديد».
في كلماته يظهر ما هو أبعد من الحنين؛ يظهر إصرار على التحدي، وعلى أن يبقى المسجد حيًا في ذاكرة الناس، حتى وإن كان غير موجود في الواقع. ومع قرب حلول شهر رمضان، يتحول هذا الإصرار إلى فعل يومي، عبر إعادة بناء المساجد بمواد بدائية، بأيدٍ لا تملك سوى الحديد والنايلون، وقلوب لا تملك سوى الإيمان.
دمار شامل
تشير الأرقام الرسمية إلى أن المسجد العمري ليس حالة منفردة، بل جزء من مشهد أوسع من التدمير الذي طال قطاع غزة بأكمله. فحسب تقرير وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة، تعرض 1109 مساجد للتدمير الكلي أو الجزئي من أصل 1244 مسجدًا خلال العامين 2024–2025. ويعني ذلك أن 89% من مساجد القطاع تضررت أو دمرت، وهو رقم يوضح حجم الخسارة في البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع.
ومن بين هذه المساجد، بلغ عدد المدمرة كليًا 834 مسجدًا «سُويت بالأرض»، بينما تضررت 275 مسجدًا بأضرار جزئية بليغة، ما جعلها غير صالحة للاستخدام. ولا تروي الأرقام وحدها الألم، لكنها ترسم صورة عن فقدان جماعي لمساحات كانت تُعد متنفسًا روحيًا واجتماعيًا للناس، لا سيما في أوقات الأزمات.
أما الأرقام التي تلت ذلك في آب/ أغسطس 2025 فتشير إلى ارتفاع النسبة إلى 93% من المساجد المستهدفة، ما يدل على أن المشهد لا يقف عند حدود تدمير عابر، بل يندرج ضمن مشروع ممنهج لإضعاف المجتمع الفلسطيني، بحسب توصيف كثير من أهالي غزة.
ومع أن منظمة «اليونسكو» تحدثت عن تحقق أضرار في 14 موقعًا دينيًا، من مساجد وكنائس، ضمن 150 موقعًا ثقافيًا وتاريخيًا متضررًا في غزة حتى 20 كانون الثاني/ يناير 2026، فإن هذه الإحصاءات تظهر أن الدمار لا يطال المباني فقط، بل يشمل التاريخ والثقافة والذاكرة الجماعية.
في ظل هذه الخلفية، يصبح ما يقوم به الأهالي أكثر من مجرد «ترميم»، بل محاولة للحفاظ على ما تبقى من الهوية، حتى وإن جرى ذلك باستخدام مواد بدائية لا تتناسب مع تاريخ هذه المباني ولا مع قيمتها الروحية، غير أن هذه المحاولات تبقى رمزًا للصمود.
ترميم بدائي
في أزقة البلدة القديمة، بدأت ملامح «الترميم» تبدو أقرب إلى المعجزة منها إلى أي مشروع هندسي. أدوات بسيطة، كالحديد والنايلون، تحولت إلى جدران مؤقتة وأسقف متواضعة، حتى تحولت مساحات من أنقاض المساجد إلى مصليات تستقبل الناس.
لم يجد أهالي غزة مواد بناء كافية، ولا دعمًا يوازي حجم الدمار، فكان الخيار الوحيد أن يخلقوا من البقايا ما يشبه الحياة. فهم لا يبنون مساجد بالمعنى التقليدي، بل يعيدون تشكيل الفكرة نفسها: المسجد يعني صلاة، ويعني جماعة، ويعني حضورًا.
وفي رحاب المسجد العمري، الذي دمر بالكامل، أقام أهالي البلدة القديمة ساحة صلاة باستخدام النايلون والحديد. وهذه الساحة لا تمثل بديلًا عن المسجد، لكنها محاولة لإبقاء الشعائر حية، خاصة مع قرب شهر رمضان الذي يشكل مساحة اجتماعية وروحية لا يمكن الاستغناء عنها.
ولا تبدو هذه المحاولات حلًا دائمًا، لكنها تعكس إرادة جماعية ترفض محو الحياة الدينية من قطاع يعيش تحت الحصار. وفي هذا السياق، لا ينظر الناس إلى النايلون والحديد كمواد رخيصة، بل كرموز لبقاء الصلاة فوق الأنقاض.
«المسجد العمري نموذجًا»
في الساحة المؤقتة المقامة في رحاب المسجد العمري، وقف الشيخ نبيل أكرم، إمام وخطيب المسجد، واصفًا ما حدث وكأن التاريخ يمر أمامه من جديد. «طبعًا نحن في رحاب المسجد العمري الكبير في قلب مدينة غزة… عمر هذا المسجد أكثر من 4000 عام»، يقول الشيخ نبيل لصحيفة «القدس العربي»، قبل أن يضيف أن الحرب دمرت المسجد بالكامل، وأن الهدف من ذلك كان «طمس المعالم الإسلامية في فلسطين».
وتأسس المسجد العمري في مدينة غزة في القرن السابع الميلادي، ويُنسب بناؤه إلى الخليفة عمر بن الخطاب بعد فتح فلسطين، ليكون من أقدم المساجد في العالم الإسلامي. وشهد المسجد مراحل ترميم وتوسع عبر العصور الأموية والعباسية والفاطمية والمملوكية والعثمانية، ما منح بنيته طابعًا معماريًا متداخلًا يعكس تأثيرات متعددة. وتتميز عمارة المسجد بقبة مركزية ومآذن عالية، إضافة إلى الفسيفساء والزخارف الحجرية والأعمدة القديمة، ما يجعله نموذجًا فريدًا يجمع بين الطابع الإسلامي الأصيل والتراث المحلي لمدينة غزة.
وهنا يتحول الحديث إلى معنى أعمق، لا يقتصر على تدمير مبنى، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إزالة حضور تاريخي وثقافي. ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر المسجد العمري «نموذجًا» بعد المسجد الأقصى، وهو ما يرفع من قيمة ما جرى من تدمير، ليس على المستوى المحلي فحسب، بل على مستوى الذاكرة الإسلامية في فلسطين.
ثم يشرح الشيخ كيف أُقيم المصلى من النايلون بفضل جهود الأهالي، بهدف جذب الناس إلى الصلاة بعد عام من الدمار. «أقمنا هذا المصلى من النايلون… في سبيل جذب الناس إلى الصلاة والطاعة»، يقول، معترفًا بحاجة الناس إلى مكان يجمعهم، ولو كان مؤقتًا.
وعندما يصف المسجد العمري بأنه «بعد المسجد الأقصى هو رقم اثنين»، يتضح أن الحديث لا يدور حول بناء فحسب، بل حول رمز يختزن تاريخًا طويلًا، ما يجعل الترميم فعلًا وطنيًا، وليس مجرد نشاط ديني.
«حجر من صمود»
ولم يكن الشيخ نبيل وحده من عبّر عن عمق الوجع.. «نحن في قطاع غزة شفنا ويلات وويلات من الحرب… دمروا جميع مساجد قطاع غزة»، يقول الشيخ محمد عبد الهادي، قبل أن يضيف أن الإنسان والحجر والشجر جميعها بدت مدمرة. وتتشابك كلماته لترسم صورة عن قطاع لم يعد يعرف حتى ما تبقى منه.
ويشرح كيف أن بعض الإخوة أقاموا المسجد من النايلون والحديد، لعدم وجود مواد خام أو مواد بناء، في وصف يعكس حجم الضيق الذي يعيشه الناس، وإصرارهم رغم ذلك على إعادة بناء أماكن العبادة.
«أهل الخير قاموا ببنائه حجرًا حجرًا، ونايلونًا نايلونًا، وحديدًا حديدًا»، يقول الشيخ محمد لـ»القدس العربي»، قبل أن يوجّه رسالة إلى من وصفهم بالأعداء، مؤكدًا أن المسجد لم يعد مكانًا للصلاة فقط، بل ساحة مقاومة رمزية تثبت بقاء الناس على أرضهم.
ويؤكد الشيخ أن الناس سيصلّون على الأرض، وعلى البلاط، وعلى النايلون، وعلى الحديد، ولن يتركوا طاعة الله. «كيف ننسى المساجد؟»، يتساءل، قبل أن يكرر: «عمّرنا مساجدنا بالنايلون وبالحديد… حتى نثبت للعالم أننا صامدون».
رمضان تحت الأنقاض
ومع قرب حلول شهر رمضان، تتزايد الحاجة إلى أماكن للصلاة، وإلى فضاءات تجمع الناس، وإلى لحظات يذكرون فيها الله وسط الدمار.
وما يقوم به أهالي غزة ليس مجرد تحضير لشهر رمضان، بل محاولة لإعادة خلق شهر يرمز إلى الرحمة والإنسانية في مدينة فقدت كثيرًا من معالمها. وفي هذا السياق، تتحول الساحات المؤقتة إلى مواسم جديدة للصلاة، تذكّر الناس أن الحياة لم تنتهِ، وأن الشعائر يمكن أن تستمر رغم الخراب.