المقطع التالي مقطع نثري تجريبي للكاتب المغربي ادور مولود، يستحضر فيه شخصيات أسطورية ودينية ليبني حوارًا متخيلاً مع أمون العظيم، حيث يلتقي التأمل الفلسفي بالشعر، ويتجاور السؤال الوجودي مع الاحتجاج على صمت الآلهة.
النص:
جاءني طَيف في منامي، في ليلة غامَرني فيها سُبات لطيف. أوْزعَني أن أُجادل سليمان الحكيم، مُتسائلا عن لقائه مع ماكِيدا أو بلقيس بلغة أهل اليمن ـ حاكمة أرض السواد من جبال إثيوبيا إلى مغرب الشمس، وما يلي اليمن شرقا- ودرجة الخسة، أو الذكاء في أعراف أهل الأرض؛ التي استعملها لتُسريّ إلى سريره محجوبَة العينين، بأورشَليم، ليُنبتا خارج الشريعةِ، إبن الحكيم، وَريثُ عرشها؛ عرشُ الذين لحفتهم الشمس.
( 1)
رَد عليّ. يا حفيدي الضَئيل، إسْأَل خَليلك أمون العظيم، عن عظمة العشق، وكل ما يُبرر. أما أنا فقد رَحلْت إلى الغَرب؛ راحة العِليّين، منذُ أمدٍ بعيد. لا طاقة لك، وللأجيال ما بَعدك وما قبلك، إلى جدك 8188، على إدراكه واستبصاره.
(2)
فقلت يا حكيم الأرض، أعرف أنني ضئيل، وزمني منحط، لا قِبل لي على فهم ما تقول، ولكن فطرتي، جعلتني أراك حكيما، وخسيسا، ومحبا للشهوات.
أليس لنا نحن أبناء أمون العظيم الفِطرة نفسها؟
نعم. قولك حسن، لكني لا أحب أن أُجادل الفِتية الأغْرار، فلم أعد قادرا على سماع التْخربيقات (جمع ما بين التخريب والتحريق).
(3)
لك ما تريد، يا من تكلم مع النمل والطير، وسخّر الهدهد ليسرق أبناء أعظم الملكات. فهل حتى أنتم الحكماء والمختارون، تتحكم فيكم الشهوات؟ أليست الشهوة بَلسمُ القلوب العليلة؟ يا عجبا! يا عجبا! يا عجبا!
فأجاب: عليك بأمون العظيم، أما أنا فلست إلا عبدا من عبيده الأَكابر.
(4)
هاتفت أمون، لأشكو حزني وجراح لسان عبده الحكيم، فلمْ يُجبنِ. فهل أنا صغير فعلا، رغم أني أتجاوز الثلاثين، بل وصلت شمسُها منتصف النهار؟
هل أنا سيئ الطالِع إلى هذا الحد؟ أم أنا عصري لن أو لم يولد بعد؟ ولكن! ألم يخرج زرادشت من الانحطاط في هذا العمر، ومضى إلى الجبل، الذي نعِم فيه بسُموه ووحدته وعقله وحِكمته؟ ألم يُرفع يوسف الحزين، في هذا العمر، وجُعل وَليا على خزائن الأرض، ومفسرا لِأحلام حكام الفانية، وغَفر الحسد؟
ألم يُصبح الممسوح أو الممسوخ، داعيا إلى وحدتك، وشافعا لبعض عبيدك اللِئام.
(5)
كم أنا حائر يا أمون العظيم!
يا شمس الشموس
يا بدرا في تمَام كماله
يا قمرا في لَيْلي الدامس
يا مخنث!
هل كل من خلقت على هيئتك، مثلك تماما، لا يسمع للضعفاء والمجذوبين؟
يا أمون الجليل لم أعد قادرا على الصمت الحارق. أريد أن أتكلم.
(6)
أريد أن أقول إن الوجع أصاب ذهني وعقلي. وجسدي السقيم، سلب مني إرادتي؛ حتى خارت قواي.
أريد أن أقول إنني نظرت إلى وجهك الماسي المبرور، وأحسست بدفء يدك اللطيفة. وعاينت كبرياءك الذي لا ينتهي، ومشيتك المتزنة المتبخترة، ونظراتك الخاطفة كثيرا، وحدقتي عينيك لِماما.
يا أمون العظيم
يا نخلة درعة
وجبال إثيوبيا
أريد أن أرحل
لكن..
ليس وحيدا
بل..
معك وآخر الملكات
كاتب مغربي