كان الاستقبال المعد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة متناسبا مع صورته كهارب، فرحلته الطويلة التي استمرت لساعات في الأجواء محاولا تجنب القبض عليه والمقاعد الفارغة في قاعة الجمعية العامة، حيث خرجت الوفود المشاركة في الدورة الثمانين للجمعية، تعطي صورة أن العالم سئم من إسرائيل ونتنياهو بالتحديد، وقد خاب أمله وهو الذي حضر نفسه لاستعراض كان ممثلو الدول يتجرعونه كل عام، خرائط وصور وأكاذيب وتنمر على المؤسسة الدولية، تماما كما فعل الرئيس دونالد ترامب يوم الثلاثاء في خطابه الذي هاجم الأمم المتحدة واعتبرها فارغة، وفي الوقت الذي لم تتجرأ ولا دولة على الخروج من كلمة ترامب التي استمرت 54 دقيقة، إلا أن نتنياهو لم يجد من يستمع إلى كلمته. لكن نتنياهو الذي ارتدى شارة «كيو أر» على بدلته وطلب من الحضور تصويرها للحصول على معلومات عن هجمات 7 أكتوبر لم يجد من يهتم بكلامه المعاد المكرر، وخاصة اتهامه للدول التي اعترفت بدولة فلسطين بمعاداة السامية واتهم الشاجبين للإبادة الجماعية بفرية الدم المعروفة في تراث معاداة السامية.
مكبرات صوت
وقبل خطابه أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أن نتنياهو أمر بنصب الكاميرات في غزة من أجل أن تتاح فرصة للفلسطينيين الإستماع إلى «خطابه التاريخي»، وهي خطوة عارضها الجيش لأنها تعني وضع الشاحنات العسكرية المحملة بالمكبرات في وسط التجمعات السكانية الفلسطينية وكشف الجنود لنيران مقاتلي حماس، وتقول صحيفة «واشنطن بوست» (26/9/2025) إنها اتصلت مع فلسطينيين في غزة قالوا إنهم لم يسمعوا صوت المكبرات ولم يتلقوا رسائل نصية بشأنه. ولكن هل كانوا سيهتمون بالخطاب الذي يحاول فيه نتنياهو التنمر على العالم وإقناعه بصحة ما يفعل ويستجدي الولايات المتحدة بمنحه فترة أطول لإنهاء المهمة، حيث يزعم الآن أن بقايا حماس محاصرة في مدينة غزة؟ وهو زعم قاله مرة بعد الأخرى في مراحل الحرب التي ستدخل عامها الثالث. والحقيقة هي أن نتنياهو وجيشه يقومون بتدمير أحياء غزة وتسويتها بالأرض حسبما أشارت صور الأقمار الاصطناعية التي تحققت منها صحيفة «نيويورك تايمز» (26/9/2025)، ونقلت عن مواطن من مدينة غزة أن الهدف على ما يبدو من الحرب هو الهدم ولا شيء آخر، وهذا الكلام يتطابق مع دعوات وزراء في الحكومة الإسرائيلية لتحويل مدينة غزة لأنقاض مثلما حول الجيش مدينة رفح. ويعكس لجوء نتنياهو إلى مكبرات الصوت لإجبار سكان شردهم أكثر من مرة وجوعهم وقتل أكثر من 65.000 من أبنائهم وإخوانهم وعائلاتهم وأحبائهم سادية رئيس الوزراء الإسرائيلي وجيشه ومن يصفق له ويعتذر له.
وكعادة نتنياهو في إزدارئه لحلفائه الغربيين الذين اعترفوا بدولة فلسطين، فقد هاجمهم قائلا إن إسرائيل لن تسمح لهم بأن تدفع دولة إرهاب غصبا في حلقها. ويبدو أن نتنياهو الذي حذر قبل اسبوع الإسرائيليين من العزلة الدولية وطلب منهم بناء اقتصاد الاعتماد على الذات كما فعلت إسبرطة المحاربة، اختار الهجوم والتنمر وشجب حلفائه السابقين والتحدي، ففي الوقت الذي لم يذكر فيه نتنياهو ضم الضربة الغربية التي يعمل عليها وزراء اليمين المتطرف، إلا أنه أكد أن إسرائيل ستبقى في غزة وستحتلها بالكامل، وهو كلام يتناقض مع تصريحات ترامب التي أعلن فيها أن هناك امكانية لوقف الحرب في غزة. وكان ترامب قد تعهد لمسؤولي ثماني دول عربية وإسلامية بأنه لن يسمح بالضم وان هناك خطة لليوم التالي بعد الحرب. ومن هنا تداولت الصحف الإسرائيلية والبريطانية خطة لوضع غزة تحت الوصاية الدولية لمدة خمسة أعوام، والشخص المرشح لإدارتها، ليس إلا توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، سيء الذكر. وتساءلت مجلة «إيكونوميست» (25/9/2025) عن صلاحية بلير للمهمة، نظرا لسمعته إن بمشاركته في غزو العراق والأكاذيب التي ساقها لتبرير الغزو وعمله الفاشل مدة 8 أعوام كمبعوث للرباعية الدولية التي اتسمت بالفشل. وقالت إن أحدا لا يريد أن يحكم غزة المدمرة لكن بلير يبدو أنه مستعد ويحظى بدعم الولايات المتحدة ودول عربية. وأكثر من هذا يحظى بدعم جاريد كوشنر، صهر ترامب وستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط. وقد نوقشت الخطة مع ترامب في آب/أغسطس. وتعد الخطة على حد تعبير «إيكونوميست» واحدة من أكثر من اثنتي عشرة حكومة ومؤسسة فكرية ترعاها الحكومات خططا لـ«اليوم التالي» لغزة ومنذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر. وتتراوح هذه الخطط من إعلان نيويورك المكون من سبع صفحات والذي كشف عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية السعودي فيصل آل سعود في الأمم المتحدة في تموز/يوليو، إلى «الورقة الخضراء» المكونة من 200 صفحة والتي نشرتها حماس، الحركة الإسلامية المسلحة التي تحتفظ ببعض السيطرة على القطاع، في كانون الثاني/يناير. وقد صاغت حكومات بريطانيا والدنمارك ومصر وإسرائيل وفلسطين وأمريكا الوثائق، كما فعل ذلك مركز أبحاث مدعوم من الحكومة في الإمارات العربية المتحدة ورجال أعمال في العواصم الإقليمية والغربية.
وقالت المجلة إن توني بلير، كان الأكثر حرصا، حيث زار إسرائيل بعد أسابيع من اندلاع الحرب في غزة وعملت منظمته في لندن على تقديم مسودات لخطط ما بعد الحرب. وحسب مصادر عدة مشتركة في الخطط، فقد يقود بلير، هيئة بمسمى سلطة غزة الانتقالية الدولية أو حسب مختصرها الإنكليزي «غيتا».
وستسعى هذه الهيئة للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لتكون «السلطة السياسية والقانونية العليا» في غزة لمدة خمس سنوات. وترى مصادر مطلعة أن هيئة «غيتا» بنيت على أساس إدارات دولية أشرفت على العملية الانتقالية في كوسوفو وتيمور الشرقية. وستتخذ في البداية من مدينة العريش المصرية القريبة من غزة مركزا لها. ثم تدخل القطاع بعد استقراره ولكن بمعية قوة دولية.
وبناء على الخطة، فلن يشجع الفلسطينيون على ترك غزة التي سيتم توحيدها مع الضفة الغربية وستسلم بشكل تدريجي إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، حسبما تؤكد المصادر. لكن فكرة الانتداب، أو التفويض عادة ما تمتد لسنوات. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 1917 أصدرت بريطانيا وعد بلفور وعدت فيه اليهود بوطن قومي على أرض فلسطين، وقد صدر الوعد في اليوم الذي غزت فيه القوات البريطانية غزة. واستخدمت القطاع كقاعدة جوية ومحطة توقف للطيران الإمبريالي (التي سبقت الخطوط الجوية البريطانية)، وظلت هناك لمدة 30 عاما. ويخشى بعض الفلسطينيين الآن أن تكرر بريطانيا نفس الشيء.
ماذا سيقول ترامب
وترتهن حياة الخطة الجديدة بموافقة إسرائيل، وبناء على كلام نتنياهو فلن يسمح لأي هيئة ولو خارجية بإدارة غزة، حيث أكد أن إسرائيل ستدير القطاع وستعلن عن هيئة مدنية. فيما يرى وزير المالية بستلئيل سموتريتش بأن غزة ستشهد طفرة عقارية. وقال في تصريحات إن المرحلة الأولى للبناء وهي الهدم قد انتهت. ويجادل بأن العالم، عاجلا أم آجلا، سيشفق على سكان غزة ويعرض عليهم المأوى في مكان آخر. ولكن كما هو الحال مع حل الدولتين، قد يجد أن المحادثات حول المستقبل مجرد فرصة لإسرائيل لخلق حقائق بديلة على الأرض.
يبقى أن نرى ماذا سيقول ترامب لنتنياهو في اجتماعهما المقبل، هل سيجبر إسرائيل على وقف الحرب أم يتراجع كما تراجع في الكثير من المواقف المتعلقة بالحرب. وبدا ترامب يوم الجمعة متفائلا: «يظهر أن لدينا صفقة»، وتفكر إدارته بتعيين توني بلير لإدارة غزة، وفي يوم الخميس قال إنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية. وتعتمد قدرة ترامب على إنهاء الحرب على مدى استعداده للضغط على نتنياهو، الذي رفض بشدة التراجع عن حملته العسكرية وازداد تحديا مع اعتراف العديد من الدول الغربية الأسبوع الماضي بدولة فلسطينية. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» (26/9/205) عن نيد لازاروس، الأستاذ المشارك في الشؤون الدولية في كلية إليوت بجامعة جورج واشنطن، إن بيان ترامب بشأن الضفة الغربية، التي يقطنها حوالي ثلاثة ملايين فلسطيني، كان بمثابة رد فعل قوي ضد اليمين المتطرف في إسرائيل، الذي حرض على ضم المنطقة. وأضاف لازاروس إن «ترامب هو على الأرجح الشخص الوحيد القادر على إجبار نتنياهو على تغيير المسار الذي اختاره». وأضاف: «لذا أعتقد أننا ندخل مرحلة قد يحاول فيها نتنياهو استشعار مدى جدية ترامب، لأنه ليس لديه خيار آخر. لقد أحرق الدعم الدولي لإسرائيل».
ولاحظت صحيفة «الغارديان» (26/9/205) أن هناك تشابها بين خطة ويتكوف المكونة من 21 نقطة ووضعها البيت الأبيض لفلسطين، ويزعم أنها تحظى بدعم واسع من قادة المنطقة وإعلان نيويورك الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكن كيف يمكن أن يكون هناك هذا التقارب بين الخطتين – إحداهما أمريكية والأخرى مدعومة من الأمم المتحدة – وهل هذا مجرد سراب مؤقت آخر من صنع ترامب؟
وبغض النظر عن أي دور لبلير، فإن الخطط المدعومة من ترامب والأمم المتحدة تتشابه في أوجه قد تجعل التقارب ممكنا. على سبيل المثال، لا تدعو أي من الخطتين إلى التهجير الجماعي للفلسطينيين من غزة. ولا يدعم بلير «ريفييرا ترامب»، وهو مصطلح يشير إلى عمليات الطرد القسري أو الطوعي، وهو أمر مرفوض تماما في مصر والأردن. ولا تمنح أي من الخطتين حماس دورا في الحكم المستقبلي لفلسطين، ويصر كلاهما على نزع سلاحها، ولكن ليس حظرها كمنظمة.
صحيح أيضا أن الخطتين تفترضان استحالة ضم إسرائيل المزيد من الأراضي في الضفة الغربية، وقد وافق ترامب على ذلك، على الأقل وفقا لماكرون – خلال اجتماعهما مع القادة العرب يوم الثلاثاء. وقد يعتمد الكثير على تعريف الضم. إن استبعاد هذا الضم تماما في الضفة الغربية سيكون كارثة سياسية على حركة الاستيطان الإسرائيلية. وسيتعين على ترامب الإصرار على ذلك إذا أراد الحصول على موافقة الدول العربية واستثماراتها.
وتظل التقاصيل حول دور السلطة الوطنية التي حاول نتنياهو إفلاسها وإضعافها غير واضحة، وكذا مدى الإصلاح المطلوب منها. ولطالما أصر نتنياهو على أنه لن تكون هناك دولة فلسطينية، وأن جوانب خطة بلير لا تحمل خصائص الحكم الذاتي. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي فشل في وضع أي رؤية لما سيحدث بعد انتهاء الحرب في غزة. اللحظة التي يجب أن يُعلن فيها ما سيقبله تقترب بسرعة.
ومنذ بداية الحرب والعالم منشغل باليوم التالي، وبالنسبة للغزيين فاليوم التالي معروف وحاضر امام أعينهم من خلال الدمار والأنقاض التي تحتاح لسنين من أجل إزالتها، فقد دمرت إسرائيل البشر والحجر والشجر، والرسالة كما يقول جورج مونبيوت، في صحيفة «الغارديان» (27/9/2025) هي أنكم أيها الغزيون لا تستطيعون البقاء هنا. وقال إن شعار الحكومة الإسرائيلية في غزة «شعب بلا أرض وأرض بلا شعب» وهناك وسيلتان لتحقيق هذا. الأولى هي القتل الجماعي وتهجير الفلسطينيين. والثانية هي جعل الأرض غير صالحة للسكن. إلى جانب جريمة الإبادة الجماعية، تتكشف فظائع أخرى: الإبادة البيئية. وفي حين أن تدمير المباني والبنية التحتية في غزة واضح في كل فيديو نشاهده، فإن التدمير الموازي للأنظمة البيئية وسبل العيش أقل وضوحا. فقبل هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر كانت حوالي 40 في المئة من أراضي غزة مزروعة. وعلى الرغم من كثافتها السكانية الهائلة، كانت غزة مكتفية ذاتيا في الغالب من الخضراوات والدواجن، وكانت تلبي معظم احتياجات السكان من الزيتون والفواكه والحليب. لكن في الشهر الماضي، أفادت الأمم المتحدة أن 1.5 في المئة فقط من أراضيها الزراعية لا تزال الآن متاحة وغير متضررة. وهذا يعادل حوالي 200 هكتار – وهي المساحة المتبقية الوحيدة المتاحة مباشرة لإطعام أكثر من مليوني شخص. ويعود جزء من السبب إلى التدمير الممنهج للأراضي الزراعية على يد الجيش الإسرائيلي. فقد هدمت القوات البرية الدفيئات الزراعية، واقتلعت الجرافات البساتين، وجرفت المحاصيل، وسحقت التربة، ورشت الطائرات مبيدات الأعشاب فوق الحقول.
وقال مونبيوت إن الحكومة الإسرائيلية تعمل وبشكل ممنهج على اقتلاع أشجار الزيتون الفلسطينية العتيقة لحرمان السكان من سبل العيش، وإضعاف معنوياتهم، وقطع صلتهم بالأرض. ويعد الزيتون بالغ الأهمية ماديا، إذ يُشكّل 14 في المئة من الاقتصاد الفلسطيني، كما أنه ذو قيمة رمزية كبيرة: إن لم تكن هناك أشجار زيتون، فلن يكون هناك غصن زيتون. إن سياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها إسرائيل، إلى جانب حصارها للإمدادات الغذائية، تضمن المجاعة. وتسبب هجوم الجيش الإسرائيلي على غزة في انهيار معالجة مياه الصرف الصحي. وتغرق مياه الصرف الصحي الخام الأرض، وتتسرب إلى طبقات المياه الجوفية، وتسمم المياه الساحلية. وقد حدث الشيء نفسه للتخلص من النفايات الصلبة: فجبال من القمامة الآن تتعفن ويتصاعد منها دخان كثيف بين الأنقاض أو تدفع إلى مكبات نفايات عشوائية تعد مصدرا للتلوث. وقبل الهجوم الحالي، كان سكان غزة يحصلون على حوالي 85 لترا من المياه للفرد يوميا، وهو، على الرغم من ندرته، يلبي الحد الأدنى الموصى به. واعتبارا من شباط/فبراير من هذا العام، انخفض المتوسط إلى 5.7 لتر. ويتعرض خزان المياه الجوفية الساحلي الحيوي في غزة لمزيد من التهديد جراء إغراق الجيش الإسرائيلي أنفاق حماس بمياه البحر: فتسرب الملح، بعد تجاوز حد معين، سيجعل الخزان غير صالح للاستخدام. وقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة العام الماضي أن كل متر مربع من مساحة غزة يحتوي على ما معدله 107 كيلوغرام من الحطام الناتج عن القصف والدمار. ويختلط جزء كبير من هذه الأنقاض بالأسبستوس والذخائر غير المنفجرة والبقايا البشرية والسموم المنبعثة من الأسلحة. وتحتوي الذخائر على معادن مثل الرصاص والنحاس والمنغنيز ومركبات الألومنيوم والزئبق واليورانيوم المنضب. وتشير تقارير موثوقة إلى استخدام الجيش الإسرائيلي للفوسفور الأبيض بشكل غير قانوني: وهو سلاح كيميائي حارق بشع يسبب أيضا تلوثا واسع النطاق للتربة والمياه. كما أن استنشاق الغبار السام والدخان له آثار بالغة على صحة الناس.
وعلاوة على الآثار المباشرة المدمرة على حياة سكان غزة، فإن انبعاثات الكربون الناجمة عن العدوان الإسرائيلي فلكية: مزيج من الانبعاثات المباشرة الهائلة الناجمة عن الحرب والتكلفة المناخية الباهظة لإعادة إعمار غزة (إذا سمح بذلك) – فإعادة الإعمار وحدها ستنتج غازات دفيئة تعادل الانبعاثات السنوية لدولة متوسطة الحجم. وعندما تفكر في الإبادة البيئية إلى جانب الإبادة الجماعية، تبدأ في إدراك مجمل محاولة الدولة الإسرائيلية للقضاء على الفلسطينيين ووطنهم. وكما يجادل عالم البيئة الفلسطيني مازن قمصية: «التدهور البيئي ليس عرضيا- إنه متعمد وممتد ويهدف إلى كسر الصمود البيئي للشعب الفلسطيني». وبالنسبة للحكومة الإسرائيلية، يبدو أن محو النظم البيئية وسبل بقاء الناس هدف استراتيجي رئيسي. ويبدو أنها تسعى إلى ما أسماه البعض «الإبادة الجماعية»: التدمير الكامل لجميع جوانب الحياة في غزة. حتى في غياب قانون محدد للإبادة البيئية، وهو ما يسعى إليه الكثير من الباحثين، فإن تدمير النظم البيئية الفلسطينية يخالف بوضوح المادة 8 من نظام روما الأساسي، ويجب النظر إليه جنبًا إلى جنب مع جريمة الإبادة الجماعية الكبرى. ولكن إذا كانت الخطة النهائية هي إنشاء «ريفييرا غزة» أو مخطط مماثل لبناء مدينة تكنولوجية نخبوية غريبة مجردة من المكان والتاريخ، من النوع الذي يفضله ترامب وبعض كبار السياسيين الإسرائيليين «حسنا، من يحتاج إلى أشجار أو تربة أو محاصيل لذلك؟ لن يتحمل الجناة أي تكلفة. أو على الأقل لن يتحملوا أي تكلفة حتى يتم تقديمهم للعدالة». وبدون مساءلة دولية وضغط فلن يكون هناك معنى لاعترافات رمزية بفلسطين، وهي محاولات تظل مدفوعة بالاحتياجات المحلية أكثر من كونها دعما لحق تقرير المصير. خذ مثلا قرار إيطاليا التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إرسال فرقاطة بحرية لدعم أسطول الصمود، في إشارة إلى الحرب في غزة أصبحت جزءا من المشهد السياسي في الدول الغربية وتغمر النقاش العام، كما تقول صحيفة «واشنطن بوست» (25/9/2025)، كما وبات الندم على الصمت على الإبادة وسيلة الكثير من الساسة، وخاصة الديمقراطيين الأمريكيين للحفاظ على مناصبهم وأهميتهم، كما بدا في تقرير لمجلة «بوليتيكو» (25/2025) وقال بعضهم إن أمريكا لم تتصرف كدولة عظمى فيما يتعلق بغزة. ولعل هذا نابع من تغير المواقف بين الأمريكيين، ففي الوقت الذي كان فيه نتنياهو يزبد ويرعد في قاعة فارغة كان آلاف النيويوركيين يتظاهرون مطالبين باعتقاله، ويأتي هذا وسط استطلاعات الرأي تقول إن نسبة 83 في المئة من الأمريكيين يطالبون بوقف الحرب في غزة.