دمشق ـ «القدس العربي»: توفي ثلاثة أشخاص، بينهم متطوعة في الهلال الأحمر السوري، نتيجة سيول ضربت مناطق في شمال وغرب سوريا بعد هطول أمطار غزيرة، وتسببت السيول كذلك بأضرار جسيمة في 14 مخيما، ونزوح عشرات العائلات.
سيل جارف
وأدت الأمطار الغزيرة إلى تشكّل سيل جارف في مجرى مائي موسمي تمر بمحاذاته المخيمات، ما تسبب بجرف وغمر عدد كبير من الخيام، وإغراق مستشفى عين البيضاء في المنطقة.
وبينما أعلنت فرق الطوارئ والدفاع المدني استنفار آلياتها وفرقها الميدانية لتصريف المياه وفتح الطرقات، أطلقت مؤسسات حكومية وحملات تضامنية مبادرات لإغاثة المتضررين.
ويقدَّر عدد قاطني المخيمات شمال غربي سوريا، حسب إحصائيات رسمية، بنحو 120 ألف عائلة، أي ما يقارب 719 ألف شخص، يعيش معظمهم في خيام مهترئة لا توفر حماية من الأمطار أو الرياح أو البرد.
وحسب مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، فإن أكثر من 450 مخيما مصنّفة على أنها عالية الخطورة من حيث التعرض للفيضانات والطين، في حين تشير التقديرات إلى أن أكثر من 90 ٪ من الخيام في حاجة إلى استبدال عاجل نتيجة تلفها بالعوامل الجوية والاستخدام الطويل.
وتعاني هذه المخيمات من غياب شبكات الصرف الصحي والطرقات المعبدة، ما يؤدي إلى تجمع المياه حول الخيام وتحول الأرضيات الترابية إلى مستنقعات موحلة، الأمر الذي يعيق الحركة اليومية ويزيد مخاطر الانزلاق والإصابات، إضافة إلى احتمال انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية، خصوصاً بين الأطفال.
الخيم غرقت
ويروي رباح محمد خليل (33 عاما) مدير مخيم شهداء سوريا، وهو من أبناء قرية الكبانة في ريف اللاذقية، لـ «القدس العربي» تفاصيل ما جرى في مخيم خربة الجوز بعد العاصفة المطرية الأخيرة، مؤكدا أن المخيم يعيش أوضاعا صعبة للغاية عقب السيول التي ضربت المنطقة.
يقول إنه يقيم في المخيم منذ عام 2015، أي منذ نحو أحد عشر عاما، موضحا أن الأهالي اعتادوا على قساوة الحياة في الخيام، لكن ما حدث هذه المرة كان مختلفا تماما.
وأضاف: تعرضنا لعاصفة مطرية قوية جدا تسببت في فيضانات داخل المخيم، سيما أن موقع المخيم قريب من الجبل، ومع شدة الأمطار انحدرت سيول طينية ومياه جارفة في اتجاه الخيام بشكل مفاجئ.
وأشار إلى أن أكثر من 65 خيمة غرقت بالكامل، من أصل 130 في المخيم، مؤكدا أن جميع العائلات تضررت بدرجات متفاوتة، وأن قسما منها اضطر إلى التوجه نحو مراكز الإيواء، فيما لجأت عائلات أخرى إلى أقارب لها في مناطق قريبة، هربا من المياه والبرد.
ووصف خليل اللحظات الأولى لهطول الأمطار بأنها كانت «مرعبة» قائلا: كنا في المخيم عندما بدأت الأمطار تهطل بغزارة غير مسبوقة، وبسبب موقعنا القريب من الجبل، تحولت المياه سريعا إلى سيول طينية قوية لم نتمكن من فعل أي شيء أمامها. وأضاف: «لم نستطع أن نأخذ معنا شيئا على الإطلاق، خرجنا كما نحن، بملابسنا فقط. كل أغراضنا ولوازمنا اليومية ذهبت مع الوحل والطين. الأغطية، الفرش، الملابس، المؤن. كل شيء ضاع خلال دقائق».
وتابع: «هربنا في اتجاه مناطق مرتفعة تحت وابل المطر، نحاول حماية أطفالنا من البرد والمياه، فيما توجهت عائلات أخرى إلى أقاربها. كانت لحظات صعبة جدا، لا يمكن وصف الخوف الذي شعر به الأطفال وهم يرون الماء يحيط بالخيام ويجرف كل ما فيها».
وزاد: «لم تقدم أي مساعدات داخل المخيم نفسه. المساعدات تقدم حصرا في مراكز الإيواء، أما العائلات التي بقيت أو عادت لتفقد خيامها، فهي بلا دعم».
وختم حديثه بالتأكيد على أن الوضع الإنساني في المخيم «مؤلم» في ظل فقدان المأوى والمستلزمات الأساسية، داعيا إلى تدخل عاجل لتقديم المساعدة للعائلات التي فقدت كل ما تملك خلال ساعات قليلة.
وبالقرب من خيمة خليل، يسكن جاره حسن محمد جانودي، وهو شاب عشريني من ريف إدلب الغربي، يقول لـ «القدس العربي»: أعيش لاجئا في مخيمات خربة الجوز منذ نحو 11 سنة. خلال هذه السنوات تنقلت أكثر من مرة داخل المخيم بسبب غزارة الأمطار في فصل الشتاء، وانقلاب مياه النهر القريب علينا في كل موسم مطري تقريبا.
وزاد: أمس، خرجت إلى السوق لأجلب بعض الاحتياجات المنزلية، وبينما كنت هناك بدأت الأمطار تهطل بغزارة شديدة، احتميت في السوق مع عدد من الناس بانتظار أن تخف حدة المطر، لكن الأمطار اشتدت أكثر، وبدأت السيول تتشكل، وارتفع منسوب مياه نهر عين البيضا القريب بشكل مخيف.
طالت 14 مخيماً… واستنفار واسع لفرق الطوارئ… وحملات تضامن
وزاد: «وصلت الأمور إلى مرحلة لم أعد أستطيع معها العودة إلى خيمتي، بينما المياه تقترب أكثر فأكثر، بدأ النهر يفيض، والسيول تتجه نحو الخيام.
لم يكن بيدي حيلة، سوى الشعور بالعجز. حاولت على مدار ساعة تقريبا، حتى وصلت أخيرا إلى خيمتي بعد أن كان السيل قد دخل إليها وقد جرف معه الأغراض وأدوات الأطفال ومستلزماتهم، وخلال ساعات اجتمعنا أكثر من 4 عائلات في خيمة واحدة، في مساحة ضيقة بالكاد تتسع لنا».
ويضيف: «غمر نهر عين البيضا المخيم، ووصلنا إلى مرحلة كنا نقف فيها نشاهد خيامنا وأغراضنا تذهب أمام أعيننا مكتوفي الأيدي، ورغم ذلك، نحن الآن لا نطلب طعاما ولا شرابا بقدر ما نطلب أن نتحرر من معاناتنا مع هذه الخيام التي لا تقي بردا ولا مطرا.
ويقول: «ما قدرنا نلحق شيء لا بطانيات ولا فرش ولا حتى لقمة خبز. كل همّنا كان نطلع الأطفال من الخيام قبل ما تغمرها المي بالكامل. كنا نحملهم ونركض بين الطين وتحت المطر، والمياه كانت عم ترتفع حوالينا بسرعة مخيفة».
وعن أكبر مخاوفه يقول جانودي: «في كل ليلة منذ حلول الشتاء، عندما أنام في خيمتي، أستيقظ ليلا مرات ومرات خائفا مذعورا، أتفقد أطفالي خوفا من أن يكون أحدهم قد مات من شدة البرد».
وانتهى بالقول: ما في بيت بالمخيم إلا وتضرر. في عائلات خسرت كل شي تملكه.
في ناس رجعت تفتش بين الوحل يمكن تلاقي غرض أو وثيقة أو شي بسيط، لكن أغلب الأشياء دفنتها السيول.
واستجابت فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لنداءات الاستغاثة، حيث عملت حسب بيان رسمي على إنقاذ العالقين في المناطق التي اجتاحتها السيول، وتأمين عبور آمن للأسر المتضررة، وإجلاء النازحين من المواقع الأكثر خطورة إلى مراكز إيواء مؤقتة جرى افتتاحها في مدارس ريف إدلب الغربي بالتنسيق مع غرفة عمليات مشتركة بين الوزارات المعنية، حيث بلغ عدد مراكز الإيواء التي تم افتتاحها 8 مراكز لاستقبال العائلات التي فقدت المأوى.
وتركزت جهود الفرق الميدانية حسب مصادر رسمية، على تصريف مياه الفيضانات وفتح الطرق المغلقة نتيجة ارتفاع منسوب المياه، وقد تمت الاستجابة للمخيمات المتضررة في خربة الجوز وعين البيضاء والمسامك وبداما، وشفط المياه من مشفى عين البيضاء، إضافة إلى فتح وتصريف المياه من طرقات الجانودية ومحمبل وأريحا والناجية وسراقب وسرمدا وحارم ومدينة إدلب.
كما عملت الفرق على فتح ممرات مائية على طريق دمشق ـ حلب الدولي قرب سراقب، وتصريف تجمعات المياه في مداخل مدينة إدلب وعلى كورنيشها الجنوبي والغربي، وحفر خندق وإنشاء ساتر ترابي لحماية تجمع خيام في تل مرديخ في ريف سراقب.
وفاة طفلين
وفي ريف اللاذقية، شهدت مناطق جبل التركمان فيضانات قوية أدت إلى وفاة طفلين في منطقتي العسلية وعين عيسى بعد أن جرفتهما السيول في وادٍ شديد الوعورة، فيما تمكنت فرق الدفاع المدني من إنقاذ طفل وشاب وانتشال جثماني الطفلين. كما تم إخلاء عوائل في منطقتي البدروسية والشيخ حسن في ريف اللاذقية نتيجة ارتفاع منسوب المياه.
وفاة متطوعة
وسجلت الاستجابة أيضا وفاة متطوعة في منظمة الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة ستة آخرين، بينهم خمسة من متطوعي المنظمة، إثر حادث سير تعرض له فريق من الهلال الأحمر في منطقة جبل التركمان أثناء توجهه لتقديم المساعدة للمتضررين من السيول مساء السبت.
وحسب وكالة الأنباء الرسمية «سانا» فقد عملت فرق الدفاع المدني على إنقاذ المصابين وانتشال جثمان المتطوعة ونقلهم إلى المشفى الجامعي في مدينة اللاذقية.
وأعلنت مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في محافظة اللاذقية توجيه فرق مؤازرة وآليات إنقاذ مزودة بمضخات لشفط المياه لدعم الاستجابة في خربة الجوز، كما باشرت استجابة موازية في منطقة البدروسية التابعة لناحية كسب لمعالجة تداعيات الأحوال الجوية، مؤكدة استمرار الأعمال الميدانية حتى استكمال معالجة الأضرار وضمان سلامة الأهالي.
وخلال أعمال فتح الطرقات داخل مخيمات خربة الجوز، غرقت آلية تابعة للدفاع المدني وأخرى تابعة لخدمات إدلب نتيجة الأوضاع الميدانية الصعبة وسوء الأحوال الجوية، أثناء تنفيذ أعمال خدمية تهدف إلى تسهيل حركة الأهالي ونقل العائلات المتضررة.
وأكدت وزارة الطوارئ أن الفرق استنفرت آلياتها ومراكز عملياتها في المنطقة والمناطق الأخرى لتوجيه المؤازرات، بمشاركة فرق متخصصة لضمان سرعة الاستجابة والحد من توسع الأضرار في إدلب وريف اللاذقية وغربي حماة، ولا تزال الأعمال الميدانية مستمرة لمعالجة آثار الفيضانات والتخفيف من تداعياتها الإنسانية.
حملات تضامن
وأعلنت جامعة دمشق عن إطلاق حملة إنسانية تحت عنوان «حين يتحول الانتماء إلى فعل» لدعم الأهالي في مخيمات إدلب المتضررة جراء السيول، مؤكدة أن دور الجامعة يتجاوز الإطار الأكاديمي ليجسد القيم الإنسانية وروح المسؤولية الوطنية.
وأوضح سنان الجلالي، عضو اللجنة التنظيمية للحملة وعميد المعهد العالي لبحوث الليزر وتطبيقاته، في تصريح رسمي، أن الحملة تهدف إلى جمع تبرعات نقدية لدعم سكان مخيمات إدلب، ولا سيما في ظل الظروف الجوية الصعبة التي فاقمت معاناة الأهالي. وأشار إلى أنه سيتم افتتاح مكاتب مخصصة لجمع التبرعات في جميع كليات الجامعة ومشافيها ومديرياتها، بالتعاون مع فرع نقابة المعلمين والهيئات الطلابية.
وبيّن أن الحملة تنطلق من شعور بالمسؤولية تجاه المجتمع وتعزيزاً لقيم التضامن والتكافل، لافتاً إلى أنها ستبدأ غدا الثلاثاء وتستمر حتى يوم الإثنين من الأسبوع المقبل.
في حين أكدت وزارة الدفاع أنها ستقدم كل ما يلزم لمساعدة الأهالي المتضررين في ريفي إدلب واللاذقية جراء الأمطار والسيول.
وقالت إدارة الإعلام والاتصال في الوزارة لـ«سانا» إنه بتوجيهات مباشرة من وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، تم استنفار عدد من الهيئات والإدارات والفرق ضمن حالة جاهزية مخصصة لدعم جهود الاستجابة للكوارث الطبيعية بالتنسيق مع الوزارات المعنية.
وفي السياق ذاته، أجرى وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح ومحافظ إدلب محمد عبد الرحمن جولة تفقدية في مخيمات خربة الجوز في ريف جسر الشغور، للاطلاع على حجم الأضرار ومتابعة أوضاع الأهالي. واطّلع الصالح خلال الجولة على عمليات الاستجابة التي تنفذها فرق الدفاع المدني، بما في ذلك جهود الإجلاء وتأمين الطرق وتقديم المساعدة للعائلات المتضررة، إضافة إلى متابعة عمل الفرق الحكومية الداعمة في المنطقة.
رفع مستوى التأهب
كما أعلن وزير الصحة مصعب العلي أن الوزارة تتابع التداعيات الصحية الناجمة عن السيول في منطقة خربة الجوز وريف جسر الشغور، مشيراً إلى أن مديرية صحة إدلب باشرت منذ الساعات الأولى بالتعاون مع فرق وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تقييم الوضع الصحي وتحديد احتياجات المرافق الطبية والسكان المتضررين.
وأوضح أن الوزارة رفعت مستوى التأهب في المؤسسات الصحية القريبة من المناطق المتضررة، وعززت جاهزيتها من حيث الكوادر والمستلزمات الطبية تحسباً لأي طارئ، فيما شاركت منظومة الإسعاف في جهود الاستجابة عبر نشر سيارات الإسعاف وإخلاء المرضى من مشفى عين البيضا الذي تضرر جراء السيول.
وأكد وزير الصحة استمرار المتابعة المباشرة للوضع الصحي في المنطقة، وتسخير الإمكانات المتاحة لضمان تقديم الرعاية الطبية اللازمة والتدخل السريع بما يحفظ سلامة المواطنين ويخفف من آثار الحادثة.