سينما السؤال الأخلاقي

هذا كتاب جديد رائع مما يكتبه محمود الغيطاني منذ سنوات، من كتب فارقة في البحث السينمائي، عن مخرجين عالميين مثل «سينما المشاعر المنتهية الصلاحية- وونج كار واي» و»فلسفة السينما- بيلا تار» و»أندرية تاركوفسكي- رسول السينما»، وغيرها عن السينما المصرية كثير. الكتاب بعنوان» أندري زفياجينتسيف ـ سينما السؤال الأخلاقي»، الصادر حديثا عن دار بوملحة الإماراتية، التي أسسها مؤخرا الروائي عبيد بوملحة، في ثلاثمئة وأربعين صفحة من القطع الكبير.
زفياجينتسيف هو المخرج الروسي المعاصر، والكتاب عنه وعن أفلامه ورحلته وما كابده فيها، وما حققه من جديد. يلخص المخرج في البداية، بأنه في جوهره مصلح اجتماعي ضل طريقه إلى السينما. فسينماه في جوهرها سينما ذات رسالة، لا يرى إنقاذ المجتمع إلا من خلالها. ويمشي الكتاب مع حياته وعلاقته بالسلطة السوفييتية وخلافهما، والمخرجون الذين تشابه معهم أو تأثر بهم، مثل الروسي الذي رحل عن الدنيا في غربته في فرنسا عام 1986 أندرية تاركوفسكي، والذي كتب عنه الغيطاني من قبل. من أهم وأكثر ما أثر في زفياجينتسف المولود عام 1964، ما جرى لأسرته حين ترك أبوه أمه وهو طفل، وتزوج من أخرى وأنجب منها ولدا سماه «أندري» على اسمه، كأنه لم ينجبه ولا يعترف به. هذا ما جعل العلاقات الأسرية موضوعا لأفلامه، وطبعا يتحدث عن مكونات أفلامه وعناصرها في الصورة والحوار والموسيقى وغيرها.
الدور النسائي المهم في أفلامه، الذي جاء من كفاح أمه، والذي سيظهر في أفلام مثل «العودة» عام 2003 وفيلم «إيلينا» عام2011. وأيضا في أفلام قصيرة مثل فيلم «سرّ». كيف تكاد التجربة القاسية التي مر بها طفلا تتطابق مع تجربة أندرية تاركوفسكي، فقد هجر والده أيضا الأسرة، تاركا أندرية وأخته مارينا صغارا مع أمهما الشابة، التي تنقلت في العمل والبلاد ولم تتزوج.

كيف عشق زفياجينتسيف التمثيل والمسرح منذ الصغر، وحلمه أن يكون ممثلا كالنجوم الذين يراهم، والتحاقه بالمعهد الروسي للفنون المسرحية، وقصة حبه للزميلة «إنا» التي كانت في السابعة عشرة وهو في الرابعة والعشرين، وكيف تزوجا وكانا بلا دخل ولا مكان، فعمل هو عامل نظافة، وسكنا سكنا مؤقتا، وكيف كان يكتب لنفسه قصصا قصيرة وسيناريوهات وهو معها، وكيف انفصلا بسبب عبء الزواج عليه. عمل أعمالا غريبة مثل النظافة وتجريف الثلوج وغيرها، وجاءت الصدفة ليتحول من التمثيل في المسرح إلى الإخراج السينمائي. كان قد حصل على أدوار صغيرة في بعض المسلسلات، والتقى بالمخرج الروسي ديميتري ليسنيفسكي فعرض عليه تصوير ثلاث حلقات من المسلسل الروسي «الغرفة السوداء» عام 2000 ثم التقي في العام نفسه، بالمصور الروسي ميخائيل كريشمان وعملا معا ولم يفترقا. حديث مفصل عن علاقته بأفلام تاركوفسكي، وعلاقة تاركوفسكي بسينما أنجلو أنطونيوني وغير ذلك، وحوارات مع زفياجينتسيف تكشف أسرارا ورؤى له، وأسلوبيته الهادئة البطيئة، وكيف صار شريكا مع الروائي الروسي والسيناريست أوليج نيجين في الكتابة والمصور كريشمان ولم يفترقوا.
عرض فيلمه «إيلينا» في مهرجان كان عام 2011 وهو عن الأوليغاركية الروسية والقضايا الطبقية، وكان يفكر أن يسميه غزو البرابرة. حديث مفصل عن جوهر الفيلم وتصويره ومكوناته والقصص والأحداث التي جاءت منها أفلامه. أخرج فيلمه «ليفياثان» فحصل عام 2014 على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان. وهو فيلم يعبر عن تفسخ الأسرة، وكيف هنأه الرئيس بوتين في رسالة جميلة، لكن تغير الحال مع عرض الفيلم في روسيا، فهاجمته السلطة واتهموه باتباع أجندة سياسية خارجية. ففي أحد المشاهد صورة لبوتين على جدار غرفة، كما أنه فيلم عن مواجهة الاستبداد والظلم أيضا. على الجانب الآخر كانت الإشادة العالمية بفيلم «ليفياثان» نظرا لصدور الفيلم في أسوأ مرحلة بين الغرب وروسيا، وأضيف الفيلم إلى فيلمه السابق «إيلينا» الذي يدين أوليغارشية الحكم.

أحاديث وأجزاء من مقالات عن الحالة كعادة الغيطاني في التوثيق، وكيف بعد أن وافقت السلطات في البداية على ترشيح «ليفياثان» للأوسكار قررت فجأة أنها تكرهه، وندد سياسيون يمينيون به ووصفوه بالقذارة، ووضع وزير الثقافة فلاديمير ميدينسكي مجموعة من المبادئ التوجيهية، التي تستهدف صراحة الأفلام التي تُدني من شأن روسيا، مما دفع زفياجينتسيف إلى مغادرة البلاد. بالضبط كما حدث مع تاركوفسكي قبله، رغم أنه مثل تاركوفسكي قال مرات عديدة، أنه لا يمارس السياسة، وليس معارضا للنظام الروسي، وهو فقط يبحث عن المعنى الأخلاقي، فلا فائدة.
مقارنة بين أفلامه، وأفلام المجري بيلا تار خاصة في بطء الحركة. ويأتي الحديث عن أثر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، على تفكك الأسرة والعلاقات الاجتماعية، ففي فيلمه «إيلينا» كان هناك انفصال شكلي بين إيلينا وزوجها الثري، لكن مما قوى هذا الانفصال في نفوس المشاهدين، انزواء كل منهما في حجرته، منشغلا في مشاهدة التلفزيون وما يقدمه من أخبار، حتى ينام أمام شاشته. أما في فيلمه الأخير «مجرد من الحب» عام 2017 فقد ركز زفياجينتسيف بكثافة على الأثر السلبي للثورة التكنولوجية على العلاقات في المجتمع، ولاسيما الود الأسري. من المشاهد المؤثرة الأم «زينيا» داخل القطار منكفئة على هاتفها النقال، وكذلك كل الركاب، وكأنما المجتمع صار جُزرا منعزلة، وغير ذلك من مشاهد. في كل الأحوال فالأسرة عنده هي النواة الأولى للمجتمع.

نعود إلى كيف صار زفياجينتسيف في نظر الشعبويين والسياسيين العدو الأول لهم، ورأوا فيه يهوذا الخائن، وتعليقات صحف بذلك، رغم أفلامه التي فازت بجوائز مهمة، مثل فيلم «مجرد من الحب» الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان عام 2017 وجائزة أفضل مصور لميخائيل كريشمان، فضلا عن ترشيحه للحفل التسعين للأوسكار كممثل رسمي لروسيا، والترشيح جاء من دول أوروبية. الوضع في روسيا وآرائه ومنها احتجاجه على حكم المحكمة في موسكو، على مخرجة وكاتبة مسرحيتين بالسجن ست سنوات عام 2024 وهما المخرجة جينيا بيركوفيتش والكاتبة المسرحية سفيتلانا بيتريشوك. كانت المسرحية بعنوان» فينيست الصقر اللامع»عن تجارب نساء روسيات انتقلن إلى سوريا وتزوجن من مقاتلي داعش. كتب زفياجينتسيف مقالا ناريا ضد ذلك في صحيفة «ميدوزا» الإيطالية. مما قاله» بلدي المسكين يعيش من جديد أحلك الأوقات، رغم مرور سنوات طويلة على هذا الظلام الذي نشهده اليوم» وغير ذلك كثير. كذلك انتقد الحملة على الفنون والرقابة التي منعت عرض فيلم « موت ستالين» عام 2017 للمخرج الأسكتلندي أرماندو إيانوتشي، ومما قاله» كنا نعتقد أننا حضرنا عام 1991 جنازة الحزب الشيوعي السوفييتي لكنه لم يدفن، بل نهضت الجثة من النعش تتجول بيننا وتخيفنا». توقف زفياجينتسيف عن الإخراج بعد إصابته بمرض غريب جعله غير قادر على المشي، بعد أن تلقى لقاح مضاد للكوفيد، فانتقل إلى العناية المركزة في مستشفى فيسبادن في ألمانيا، وأصيب فيها أيضا بتسمم دم، وعدوى مقاومة المضادات الحيوية وغيرها، وحتى عام 2022 كان لا يزال يتلقى العلاج في المستشفى. لكنه أعلن في ما بعد عن مشروعات مقبلة يتحدث عنها الكاتب، وهو يعيش الآن في فرنسا.

ننتقل بعد ذلك إلى دراسة لأفلامه الروائية الطويلة، وهي «العودة» و»النفي» و»إيلينا» و»ليفياثان» و»مجرد من الحب» وأفلام روائية قصيرة، بتوضيح أكثر للموضوع والأسلوبية. أتوقف قليلا عند فيلم «ليفياثان»، وكيف جاءت الكلمة في التوراة بمعنى ثعبان البحر العظيم أو الحوت، وأحيانا تجسيدا للشيطان. كيف تحقق ذلك في الفيلم من ظلم وعذاب، وقع على بطل الفيلم نيقولاي من العمدة والشرطة والمحكمة والقس والقضاة، في رغبتهم في سلب أرضه واعتقاله، إذ تصدى لهم، فكأنه النبي أيوب في سفر أيوب الذي وقعت عليه المصائب من كل صوب، كما هو استعارة لفكر توماس هوبز في كتابه «ليفياثان» حيث السلطة الفاسدة من اختيار المجتمع فعليه أن يتحمل اختياره ولا يعترض. هو من أهم أفلام الفساد السياسي. وأترك باقي الكتاب الزاخر بالتوثيق والتحليل لكم. رحلة جديدة من رحلات محمود الغيطاني الرائعة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية