سيرة القراءة كما يرويها ألبرتو مانغويل

حجم الخط
0

تعودنا الحديث عن الكتب والكتاب، عن سوق النشر وواقع النقد، كما تعودنا أن نهمل حلقة مهمة في العملية، ونادرا ما نحكي، نقصد منها: القراء. بوصفهم حلقة لا مناص منها في العملية الإبداعية. لأن صنعة الكتاب تنتقل من مؤلف إلى ناشر ثم ناقد، ثم هناك عنصر مهم لا تكتمل العملية في غيابه، وهو القارئ. لأن غياب القارئ يعني غياب التلقي، وغياب التلقي يعني أن الكاتب سيظل يتيما، وفي أفضل الحالات يتحول إلى سلعة نخبوية، يدور في حيز ضيق. ولا بد أن كل كاتب، وقبل أن يشرع في التخطيط إلى عمل جديد، قد يفكر في قارئ، ليس من منظور أن القارئ من يضبط البوصلة الإبداعية، أو أن يستهدف قارئا بعينه وبالتالي يُضيق من هامش الحرية، إنما يرجو قارئا من أجل أن يحصل عمله على تلقٍ، كما إن أكثر شيء من شأنه أن يصيب كاتبا بالإحباط ليس النقد السلبي، الذي قد يتعرض له الكتاب، بل أن يجري تجاهله، وهذا التجاهل يتأتى من غياب قارئ.
وفي بلد مثل الجزائر فكّرنا وخططنا في شروط صنعة الكتاب، لكن لم نفكر في صنع قارئ، ولا يزال هذا العنصر هو الغائب، على الرغم من الخطابات الموسمية، التي لم تخرج من الدائرة الفلكلورية، التي تتحدث عن وجود قراء في البلاد، ولا أحد يجازف بالتصريح بأرقام مبيعات الكتب، لأن هذه المصارحة سوف تكشف الحقيقة، بأن القراء في تناقص.
وعندما نتحدث عن القراء، أو مهنة القراءة، فهناك نموذج عالمي يستحق أن نتوقف عنده، ونقصد به ألبرتو مانغويل، الذي حول القراءة إلى مهنة، وجعل من نفسه عاملا في شؤون القراءة والكتب، فهو يمارس القراءة بداوم كامل، مثل عامل في مصنع أو مزارع يرجو حصادا. فكلما ورد اسم هذا الرجل لا بد أن تتلوه كلمة (القراءة)، وقد جعل من قراءة الكتب نموذجا في النجاح، بعدما كان النجاح يقتصر على تأليفها. ولا نُبالغ بالقول، إن الكثير من الكتاب يتمنون أن تصل أعمالهم إلى مانغويل، أن يسمعوا رأيه فيها. فبعدما كان الكاتب يبتغي مقالا في مجلة أو جريدة، أو يبتغي بلوغ أرقام مبيعات في المكتبات، صار كذلك يتمنى أن يحظى بقارئ بعينه، اسمه ألبرتو مانغويل، هذا الرجل الذي صدر أخيرا كتاب عنه، بعنوان: «الرجل الذي تحول إلى مكتبة» (دار العين، 2025) لمصعب غربي. وهي سيرة عن مانغويل تنضوي على تاريخ بديل أو تاريخ آخر عن مهنة القراءة.
في هذا الكتاب، تترافق سيرة مانغويل في القراءة مع سيرة الأحداث السياسية التي عاشها، فيصير الكتاب مطية في فهم التحولات والتقلبات التي عاشها، من فلسطين إلى الأرجنتين، ومن فرنسا إلى بريطانيا، ثم بقاع أخرى من العالم. فقد عاش مانغويل متجولا في الأمكنة، مثلما عاش متجولا بين الكتب، وقبل أن يحزم حقيبة من أجل وجهة جديدة، لا بد أن يتأكد من أن الكتب سوف ترافقه إلى وجهته. فهذا الرجل الذي تحول من قارئ هاوٍ إلى قارئ متمرس بوسعه أن يصير نموذجا في تنشيط عملية القراءة، أن يصير معلما في تحريض أجيال جديدة من أجل أن تنحو نحوه، فبعدما كان البطل هو المؤلف وحده مثلما أسلفنا، بات البطل هو القارئ كذلك. وبعد عقود من القراءة، تحول ألبرتو مانغويل إلى حكاء كذلك، يحكي عن الكتب التي قرأها ويحرض الناس على أن يفعلوا مثله، وهذا الانتقال إلى ضفة الحكي والكتابة زاد من تشبثه بالقراءة، لذلك يُحب أن يُشار إليه كقارئ لا ككاتب. فقد وضع مهنة القراءة على خريطة الأدب، وبعدما كان القارئ مجرد رقم في سوق الكتب، يشار إليه حسب أرقام المبيعات، صار القارئ بشرا، ومعلوم الاسم والنسب، صار القارئ يقتفي أثر ألبرتو مانغويل، في أن تتحول المطالعة من مجرد متعة إلى مهنة بدوام كامل.


من أجل أن يؤلف مصعب غربي هذا الكتاب، فقد تحول بدوره إلى قارئ، يتصفح ويفحص، وطالع كل الأعمال التي أصدرها ألبرتو مانغويل، وكذلك المقالات، ثم جمع المادة وأعاد ترتيبها، مع ربط الأحداث التي خاض فيها مانغويل، مع السياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية التي رافقتها، ليخرج في الأخير بكتاب «الرجل الذي تحول إلى مكتبة»، الذي يتيح للقارئ سيرة مكتملة عن الرجل، ويزيل عنه التعب والجهد والمشقة في البحث عن التفاصيل من كتب مانغويل، أو مقالاته، المبعثرة في أكثر من مكان. فقد بذل المؤلف جهدا لا يقل عن جهد باحث في الإلمام بسيرة الرجل، وبالتالي في الإلمام بسيرة قارئ خارج عن المألوف. وقام بجمع مادته مثل من يجمع قطع الليغو، منذ اللحظة التي وُلد فيها مانغويل إلى غاية اليوم، متيحا سيرة جامعة عن الرجل ـ المكتبة، كما يطلق على مانغويل. عندما ندخل إلى سيرة مانغويل نشعر مثل من دخل عالما من السحر ومن الشغف، حيث إن الكتب تتطاير من صفحة لأخرى، لا يمكن أن نتخيل مانغويل سوى صبي يقلب كتابا، ثم مراهقا وبالغا، ثم في السنين الأخيرة وقد تقدم به العمر من غير أن يتخلى عن شغف الطفولة، ومن غير أن يفارقه الكتاب. فهذا الرجل جعل من الكتاب مرافقا لحياة الإنسان وشاهدا على تحولات في الجغرافيا والتاريخ، شاهدا على مأزق السياسة وعلى الانتقال في الأمكنة، فقد كان يسافر في البلدان مثلما يسافر بين الكتب. ويعلمنا في سيرته أن الكتاب بوسعه أن يقلب حياة البشر من خمول إلى نشاط، إن مطالعة كتاب بوسعها أن تنقلنا من مكان لآخر من غير أن نبرح المكان. ولكن مانغويل يصر على الحديث عن الكتب في صيغة الجمع لا المفرد. لأن القراءة لا تكتمل من مجرد مطالعة كتاب واحد، بل تحتم على صاحبها توسيع أفق القراءات. لأن الإكثار من الكتب ومن القراءات يحيل القارئ إلى الإكثار من الأسئلة، ومن لذة الشغف، بينما الاكتفاء بكتاب واحد، هو خدعة سوف تحيله إلى الارتضاء بالأجوبة الجاهزة.
كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية