القاضية الأوغندية جوليا سيبوتندي، نائبة رئيس محكمة العدل الدولية، عادت مؤخراً إلى الأضواء بتصريحات أقرب إلى الهلوسة منها إلى التعبير عن أساس قانوني أو روحي أو حتى سياسي، وبالتالي كان طبيعياً أن تختلط الضجة حول تلك التصريحات بمزيج من التهكم والإشفاق. كان منتظراً أيضاً أن تتبلور ردود الأفعال هذه في بلدها الأم أولاً، ثم في الأوساط القضائية والقانونية الدولية تالياً، وأن تنتقل على نطاق عالمي واسع بالنظر للعلاقة المباشرة بين أقوالها وحرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة.
وخلال تواجدها في إحدى كنائس أوغندا، كانت سيبوتندي قد صرحت بأن «الربّ يعتمد عليها للوقوف إلى جانب إسرائيل»، وأن الحرب الإسرائيلية الراهنة في قطاع غزة هي «علامة على نهاية العالم» في تلميح مباشر إلى ركن أساس ضمن عقائد المسيحيين الصهاينة. وذهبت القاضية أبعد في استيهاماتها، فقالت: «لدي قناعة قوية بأننا في نهايات الزمان، والعلامات تظهر الآن في الشرق الأوسط، وأود أن أكون على الجانب الصحيح من التاريخ. أنا مقتنعة بأن الوقت ينفد، وأود التشجيع على متابعة التطورات في إسرائيل». كما ختمت بالقول إن الربّ ناداها هكذا: «أيتها الجبانة»، ودعاها إلى «الاستيقاظ» من النوم والتوجه إلى التصويت لصالح دولة الاحتلال.
معروف بالطبع أن سيبوتندي كانت، مطلع العام 2024، الوحيدة بين 17 قاضية وقاضياً التي صوتت ضد خلاصة محكمة العدل الدولية حول احتمال ممارسة دولة الاحتلال الإسرائيلي الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وذلك خلال مداولات المحكمة في شكوى جنوب أفريقيا ضد الكيان. وفي تموز/ يوليو من العام ذاته كانت سيبوتندي الصوت الوحيد المنشق عن قرار من المحكمة ذاتها، حول عدم قانونية احتلال الأراضي الفلسطينية.
معروف كذلك أن الحكومة الأوغندية وقعت في حرج إزاء سلوك سيبوتندي، فأصدرت بياناً رسمياً يفيد بأن آراءها في المحكمة لا تعبر بأي حال عن سياسة الحكومة، واضطرت كمبالا إلى تكليف عدد من دبلوماسيي أوغندا لتأكيد هذا التبرؤ. وفي كتابه الجديد «نابشو قبور غزة» ينقل الكاتب الأمريكي اليهودي نورمان فنلكستين عن باحث فلسطيني أن فقرات كاملة من مرافعة سيبوتندي أمام محكمة العدل مستقاة بالحرف من مطالعات إسرائيلية أو موالية لدولة الاحتلال، والكثير من الفقرات منتزعة حرفياً من موقع ويكبيديا أو من تقارير محطة بي بي سي البريطانية.
وليس جديداً أن تعرب تيارات المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة بصفة خاصة عن مساندتها لدولة الاحتلال الإسرائيلي، اتكاء على سلسلة تفسيرات خرقاء لنصوص توراتية، بينها مثلاً عودة «المخلّص» وإعادة بناء الهيكل الثالث على أطلال المسجد الأقصى واهتداء اليهود جماعياً إلى المسيحية، وما إلى ذلك. وثمة شرائح لا يُستهان بها من جمهور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنتمي إلى هذه التيارات، وكانت جزئياً وراء قراره الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على أراض فلسطينية محتلة.
جديد هذا المشهد أن القاضية سيبوتندي اختارت اقتياد محكمة العدل الدولية إلى تلك الاستيهامات الأقرب إلى الهلوسة، ولكن بتكليف رباني كما تزعم. ولعل القادم منها سوف يكون أعظم، أي أشد انحيازاً وضلالة وحماقة.