سوريات بنات ريادة وخطوب

حجم الخط
0

في أيار (مايو) الماضي، وتحت عنوان “مُحينَ ولكن لم يُنسَين”، أو هكذا اجتهدت هذه السطور ترجمة العنوان في الأصل الإنكليزي؛ كان الموقع المتميز ArabLit، الذي تديره من القاهرة الكاتبة والصحافية الثقافية مارشيا لينكس كويلي، قد نشر مادة عن نساء كاتبات بالعربية، كانت لهنّ مساهمات أدبية وفكرية ذات قيمة عالية، وأنشطة كفاحية ذات طابع نسوي؛ وكان مصيرهنّ المحو أو التجاهل أو الاضطهاد، بفعل المرض أو الانتحار أو الإهمال، ولكنّ مصيرهنّ لم يكن النسيان، بل الاستذكار. وفي اللائحة تلك، تظهر أسماء زينب فواز، وميّ زيادة، وسميرة عزام، وعنايات الزيات، وليلى بعلبكي، وأروى صالح، ومليكة مستظرف.
مرجّح، وإنْ كان غير مؤكد، أنّ غياب نساء سوريات عن الدفعة الأولى قد دفع التحرير إلى احتساب بعضهنّ في لائحة ثانية، نُشرت مؤخراً على الموقع، وضمت الشاعرتين سنية صالح ودعد حداد؛ إلى جانب الفلسطينية عنبرة سلام الخالدي، والمصرية سعاد زهير، واللبنانية منى جبور. وأياً كان الاتفاق أو الاختلاف مع تقديرات الموقع حول مصائر هذه الأسماء، فإنّ المحو أو الإهمال أو الاضطهاد لم يكن القاعدة دائماً؛ وكاتبات مثل فواز وزيادة وبعلبكي وعزام والخالدي لم يكنّ مجهولات، بل قد يكون العكس هو الصحيح، على مستوى التداول في الفضاء العام.
هو، في كلّ حال، جهد حميد، وفي رأس منافعه الكثيرة أنه يحثّ على استعادة أسماء أخرى جديرة بالاستذكار وإعادة القراءة، خاصة حين تكون سياقات سياسية واجتماعية وثقافية مستجدة أكثر تحريضاً على سيرورة كهذه، من باب الإنصاف وتمثُّل دروس التاريخ. كما هي الحال في إعادة تثمين وداد سكاكيني (1913 ـ 1991، مؤلفة “أروى بنت الخطوب”، 1950، أوّل عمل نسائي سردي جدير يحمل صفة الرواية بالمعنى الفنّي للمصطلح)؛ أو الحال اليوم في سوريا الجديدة ما بعد 54 سنة من نظام “الحركة التصحيحية”، حيث تستوجب المناخات الراهنة، السلبي منها قبل الإيجابي في الواقع، إنصاف نساء سوريات كانت لهنّ فضائل شتى في ميادين مختلفة تخصّ حقوق المرأة والآداب والفنون والتعبير بصفة عامة. وأسماء مثل ماري عجمي (1888 ـ 1965)، ومريانا مراش (1849 ـ 1919)، ونازك العابد بيهم (1887 ـ 1959)، لم يلعبن دوراً حيوياً بالغ الأهمية على صعيد النضال من أجل تحرير المرأة السورية فحسب؛ بل كانت لهنّ أدوار لا تقلّ أهمية ومغزى وجدوى، على صعيد تحرير الرجل أيضاً!
عجمي، في نموذج أوّل، أسّست مجلة “العروس” سنة 1910، وواصلت إصدار هذه المطبوعة النسائية الأولى من نوعها رغم ظروف القهر العثماني، هذه التي كانت تختلف تماماً عن شروط الحرية النسبية في مصر؛ وارتبط كفاحها من أجل المرأة بالدفاع عن أحرار سوريا الرجال المطالبين بالاستقلال، وموقفها من شهداء السادس من أيار/مايو عام 1916 فريد حقاً بالنسبة إلى امرأة في ذلك الزمان. كذلك تبنّت عجمي قضية السجناء السياسيين، وأصرّت على زيارة السجون، ونشرت في مجلتها تحقيقات مفصّلة عن بؤس المعتقلات وسوء معاملة المعتقلين. ويُروى أنها طلبت مقابلة جمال باشا السفاح (الطاغية العثماني الذي حكم سوريا بالحديد والنار والمشانق)، كي تطالبه بالعفو عن الوطنيين المعتقلين، ولما رفض الاستجابة إلى طلبها، شنّت عليه هجوماً شنيعاً في مجلتها، وواصلت التعريض به من خلال الشعر والمقالة (سرّاً وعلانية في الواقع) حتى أخذ الناس يستغربون كيف لم يضمّها السفاح إلى قوافل شهداء ساحة المرجة.
في حلب بادرت مراش إلى تأسيس “النادي الأدبي”، الذي كان أحد أهمّ المنابر التي أطلقت صوت المرأة السورية؛ وكانت أيضاً أوّل شاعرة سورية تقطع الخطوة الحاسمة في طبع مجموعة شعرية، بعد نشر عدد من القصائد في الصحف والمجلات. وبتأثير من زيارتها إلى فرنسا، أغلب الظنّ، حيث أمّت صالونات أدبية شهيرة مثل صالون مدام دو ستال، ومدام دو نوييه، ومدام وسفينييه؛ بادرت إلى افتتاح صالونها الأدبي في حلب، فارتاده حشد من الأدباء الرجال، ونشّط الحركة الأدبية على نحو لم تعرف له المدينة مثالاً من قبل. وهنا كانت مرّاش قد سبقت ميّ زيادة، لأنّ صالونها افتُتح قبل صالون الأخيرة الشهير في القاهرة.
أمّا بيهم، فإنّ مقامها ضمن هذه الكوكبة لم يقتصر على كفاح صريح وواضح الخطاب والسلوك معاً ضدّ الاستعمارَين التركي والفرنسي، فحسب؛ ولم يشفِ غليلها إلى العمل العامّ أنها أسّست جمعية “النجمة الحمراء” التي ستكون النواة المبكّرة لـ”الهلال الأحمر”، بل شاءت تجنيد ذاتها في الجيش السوري، وشاركت في موقعة ميسلون الشهيرة التي خاضها وزير الدفاع الوطني يوسف العظمة، واستُشهد فيها، وتردد أنه أسلم الروح بين يديّ بيهم. وفي ضوء هذه المعطيات، وسواها كثير أغلب الظنّ، لم يكن مفاجئاً، وإنْ ظلّ سابقة كبرى، أن يمنحها الملك فيصل الأوّل رتبة نقيب فخرية في الجيش!
وأن تتوقف هذه السطور عند الثلاثي عجمي ومراش وبيهم أمر لا ينتقص، حتى في قليل القليل، من مكانة عشرات سواهنّ؛ أمثال ألفت الإدلبي، وسلمى الحفار الكزبري، وإنعام مسالمة، وملاحة الخاني. رائدات في ميادين شتى، ولكن… بنات خطوب أيضاً!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية