أدت «قمة شرم الشيخ»، وما نتج عنها من ديناميّات جديدة في المنطقة العربية، إلى إلغاء قمة عربية ـ روسية كان مزمع عقدها أمس الأربعاء، غير أن الرئيس السوريّ أحمد الشرع حوّل اللقاء العربي ـ الروسيّ المُجهض إلى فرصة ممكنة لمتابعة الرحلة المقررة إلى موسكو ولقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
خلال لقائه بالزعيم الروسي قام الشرع بالحديث عن «إعادة ضبط العلاقات مع روسيا» و«إعادة تعريف طبيعتها». وضع الرئيس السوري ذلك ضمن سياق ربط «سوريا الجديدة»، كما وصفها، «مع كل الدول الإقليمية والعالمية»، مشيرا إلى أن الهدف الأهم من هذه التحركات هو «الاستقرار في البلاد والمنطقة». من ناحيته، تحدّث بوتين عن «العلاقة الخاصة التي ربطت بين البلدين على مدى عقود» والتي «استرشدت دائما بمصالح الشعب السوري».
تظهر لقطات الفيديو التي جمعت الرئيسين، بداية، بعض التغيير على الزعيم الروسي صاحب «وجه لاعب البوكر» البارع في إخفاء مشاعره، حيث بدا ممكنا تلمّس ابتهاجه بزيارة زعيم سوريا الجديد لمقرّه الرسميّ في الكرملين، كما لوحظت آثار خبرته الطويلة في استقبال الزعماء عبر توجيه الوقفة والمصافحة أمام الكاميرات. تظهر اللقطات أيضا سعيا حثيثا من قبل الشرع إلى «كسر الجليد» الذي راكمته سنوات «العلاقة الخاصة» الطويلة التي جمعت موسكو بالرئيس المخلوع بشار الأسد (ووالده حافظ من قبله) وجعلت روسيا القوة الكبرى الحاضنة للنظام السابق والعدوّ الأكبر لآمال السوريين، منذ عام 2011، بالتغيير.
تذكّر عبارة «العلاقة الخاصة» التي استخدمها بوتين بتسمية «العملية الخاصة» التي أطلقها على الحرب الواسعة التي شُنّت على أوكرانيا، ولكن ترجمتها التاريخية كانت شكلا من تبعيّة الأسد المذلّة لبوتين، ومشاركة لموسكو في قمع وحشيّ للسوريين في محاولة إبقائه في الحكم، مما ساهم في هبوط سوريا إلى قاع غير مسبوق من تقسيم البلاد بين جيوش متصارعة، وتدهور اقتصاديّ هائل، وانغماس الطاقم الحاكم في عمليات صناعة وتهريب المخدرات.
كلام الشرع عن «إعادة ضبط» العلاقات، وتأطيرها ضمن «العلاقات مع كل الدول الإقليمية والعالمية»، مقابل حديث بوتين عن «العلاقة الخاصة الممتدة لعقود» ليس مجرّد اختلاف في اختيار الألفاظ. يريد رئيس «سوريا الجديدة» التشديد على أنه لا يمكن لروسيا تجاهل التغيّر الكبير الذي طرأ على سوريا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
بهذا المعنى فإن احترام «جميع الاتفاقات السابقة» لسوريا مع روسيا، كما أكد الشرع خلال الزيارة، سيجري ضمن أولويات «سوريا الجديدة» التي قلبت تحالفاتها السياسية الإقليمية رأسا على عقب. «سوريا الجديدة» هذه، ضمن رؤية الطاقم الحاكم الجديد، صارت جزءا من عالم «الاعتدال» العربيّ وليست من «محور المقاومة» الذي كان يمتدّ من إيران فالعراق وصولا إلى لبنان (خلال حقبة سطوة «حزب الله») وهو ما يعني أيضا انتقال الحكم الجديد لسوريا إلى الحلف الغربي.
يؤدي هذا التموضع الجديد لسوريا، أيضا، إلى علاقة استراتيجية مع تركيا (وإرثها العثماني) بشكل ينهي النزاع ذي الطبيعة الأيديولوجية والطائفية (أيام الأسد المخلوع) مع أنقرة، ويمكن أن يفتح مصاريع الجغرافيا السياسية للعالم التركيّ الوسيع (الذي يضم أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان) نحو العالم العربي، عبر سوريا والأردن فالسعودية ودول الخليج العربي.
حصل بوتين، خلال المقابلة، على ما يهمّه فعليا، لكن الشرع، وقادة سوريا الجدد، يراهنون، من جهتهم، على الحصول على الطاقة والقمح والدعم في التصويت في الأمم المتحدة، وربما في السلاح أيضا، وإذا لم تؤد هذه الزيارة إلى تسليم موسكو للأسد، فإنها ستجعل من الصعب على موسكو، بعد الآن، مساعدة الموالين للأسد لمحاولة استعادة نفوذهم، كما حصل في آذار/مارس الماضي، كما أنها ستعطي الطرفين خيارات للمناورة مع الدول الغربية، فيما يتعلّق بقضايا الطاقة والدفاع والسياسية، بالنسبة لدمشق، وفيما يتعلّق بإبقاء مخلب «الدب الروسي» على الطرف الجنوبيّ لحلف الأطلسي، من دون أن ننسى طبعا إمكانيات المناورة للطرفين في العلاقات مع إسرائيل.