سباق بين امتثال طهران لأمريكا والضربة الكبرى: «وحدة الساحات» في المسار المعاكس!

رلى موفّق
حجم الخط
0

وحدها «العجيبة» يمكنها أن تُنقذ المنطقة، وبينها لبنان، من الحرب القادمة، والتي ستكون أقسى وأشد وطأة مما عاشته وتعيشه راهناً. و«العجيبة» هي أن تتفق إيران مع أمريكا وتسير في ركبها في ملف النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والنفوذ خارج حدودها، وهو أمر يمكن أن يحصل في اللحظات الأخيرة قبل «ساعة الصفر» للضربة الكبرى التي ستطال ساحات أذرع إيران و«رأس الأُخطُبوط» في آن معاً، بحيث تكون معادلة «وحدة الساحات» قد تحققت، إنما في المسار المعاكس. تُتقن طهران اللعب على حافة الهاوية، لكنها تُدرك اليوم أنها في موقع ضعيف، وأنها تُقاتل بآخر أوراقها.
في المعلومات، أن الجهات المعنية في لبنان من مسؤولين وهيئات أجنبية، قد تبلَّغوا بالضربة المرتقبة عليه، والتي ستترافق مع الضربات على سوريا واليمن وإيران. ربما العراق وحده نجح في إزاحة الكأس المرَّة عنه بفعل امتثاله لما هو مطلوب منه أمريكياً. الاستهدافات الجوية الأمريكية التمهيدية على الحوثيين ماضية على قدم وساق، وكذلك الغارات الإسرائيلية على سوريا والتوغل جنوباً، فيما عاد الجيش الإسرائيلي لاستئناف حربه في غزة عبر توسيع المنطقة الأمنية وتثبيت تقطيع أواصرها. ما هو أكيد بالنسبة للبنان أن ترسانة الصواريخ الاستراتيجية لـ«حزب الله» ستكون الهدف. وهي منتشرة على جغرافيا واسعة، وتتركَّز بشكل أساسي في البقاع، الذي سيكون، بحسب مطلعين، مسرحاً للعمليات من دون استبعاد دخول القوات الإسرائيلية من سوريا إلى البقاع لإنجاز العملية. فالصواريخ الدقيقة الموجودة في لبنان، مهمتها الدفاع عن طهران إذا ما تعرَّضت لهجوم، وليست لحماية «حزب الله» في الحرب المدمرة التي تعرَّض لها سابقاً وسيتعرَّض لها لاحقاً. وحين أطلق «الحزب» أحد الصواريخ الاستراتيجية باتجاه إسرائيل، كان جواب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله للإيرانيين، لدى سؤالهم عن السبب: «إن الشباب تحمَّسوا». يقول عارفون إن قوات الحرس الثوري أقدمت على تغيير رموز استخدام الصواريخ كي لا تتكرر الحادثة من دون قرار إيراني. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر عليمة أن نحو 30 إلى 40 ضابطاً إيرانياً موجودون في لبنان حالياً، وأن السلطات اللبنانية تعلم بوجودهم، لكنها لا تتحرَّك ولن تتحرَّك حيال هذا الموضوع.
في واقع الأمر، وَصَّفَ مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط في ولاية ترامب الأولى ديفيد شينكر بدقة وضع الحكومة اللبنانية، إذ قال في حديث صحافي: «يبدو أنها تفضِّل أن تُواصل إسرائيل عملياتها العسكرية ضد حزب الله على أن تقوم هي بنفسها بتلك العمليات». ما تريده أمريكا من السلطة اللبنانية لا تستطيع أن تقوم به من دون موافقة «حزب الله». لو لم يقبل «حزب الله»، في زمن حكومة نجيب ميقاتي بوقف إطلاق النار، لما كان حصل. كان «حزب الله» حينها يريد التقاط الأنفاس، وكان واضحاً لديه أن عدم السير في الاتفاق سيعني إتمام الإجهاز عليه، عسكريا وسياسياً. عَمِل الراعي الإيراني على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من «الحزب»، ذلك أن وظيفته لم تنتهِ بعد، وبدأ سريعاً بإعادة بناء هيكليته العسكرية، في رهان على ما قد يحمله الوقت من تبدلات وفرص جديدة. إلا أن التطورات المتسارعة في سوريا – مع سقوط بشار الأسد – قلبت الموازين أكثر لغير صالح إيران و«الحزب»، لكن الأمر لم يصل إلى حد الاستسلام النهائي. فما زال هناك الشوط الأخير قبل الوصول إلى خط النهاية، صحيح أن طهران خسرت الجائزة الأولى لكنها تأمل بجائزة ترضية، وهذا يتطلب إبراز ما تبقى لديها من مخالب، سواء من صواريخ دقيقة في لبنان، أو قوة كاسرة في اليمن تُمسك بأمن الملاحة الدولية، أو ورقة الرهائن الإسرائيليين لدى «حماس». يظهر، حتى الساعة، أن القيادة العراقية استطاعت لجم الميليشيات المحسوبة على إيران ضمن الحشد الشعبي من الانزلاق إلى ساحة الحرب في المنطقة، إلا أن الامتحان الحقيقي سيكون عند انطلاق الضربة الكبرى في المنطقة. وسيبان ما إذا كانت الحكومة العراقية قادرة على عدم المجاملة مع أي طرف داخلي أو خارجي، كما قال رئيسها محمد الشيّاع السوداني.

الارتباط العقائدي

ما يجري حالياً في لبنان هو أن «حزب الله» لا يستطيع إلا أن ينخرط في المعركة، حتى ولو كانت كلفة ذلك الانخراط ثقيلة جداً عليه وعلى بيئته ومناطقه وعلى لبنان، فهو وإنْ أراد تجنُّب الكأس المرة ثانية، فلا يستطيع أن يعصى طلب المرشد الإيراني والحرس الثوري، وربما لا يبغي ذلك من منطلق الارتباط العقائدي، حتى ولو أودى ببيئته كلياً إلى التهلكة.
على أن المأزق نفسه ينسحب على العهد الجديد وحكومته في لبنان. صحيح أن خطاب القَسَم لرئيس الجمهورية تحدَّث عن حصرية السلاح بيد الشرعية، لكنه أيضاً تحدث عن استراتيجية أمن وطني، بمعنى أن حل عنوان سلاح «حزب الله»، ولا سيما شمال الليطاني، سيكون نتاج توافق داخلي يؤول إلى وضع الحكومة جدولاً زمنياً لتسليمه. لا شك في أن العهد الجديد يريد أن يبسط سلطة الدولة على كامل التراب اللبناني، ولا سيما أن الرجل (جوزيف عون) آت من المؤسسة العسكرية وهو اليوم القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتقع على مسؤوليته والحكومة والجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الالتزام بتنفيذ آلية وقف إطلاق النار وتطبيق القرار الدولي 1701 ومندرجاته، ومن ضمنها القرار 1559، أي تجريد كل المنظمات سواء أكانت لبنانية أم غير لبنانية من سلاحها، والقرار 1680 المتعلق بالحدود الشمالية والشرقية مع سوريا، والأحكام ذات الصلة في «اتفاق الطائف» الذي ينص على بسط سلطة القوات الشرعية على الأراضي اللبنانية. غير أنه يُدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة أمر محفوف بالمخاطر الداخلية، فيما السلاح كان قراراً ما فوق لبناني، والانتهاء منه هو أيضاً قرار غير لبناني.
أتت المبعوثة الأمريكية مورغان أورتاغوس، والتي ترأس الجانب السياسي من اللجنة الخماسية المعنية بمراقبة آلية تنفيذ وقف إطلاق النار والقرار 1701، إلى بيروت، وسبقت وصولها تسريبات بما هو مطلوب من لبنان، سواء على المستوى الأمني – العسكري وتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق أو على مستوى الإصلاحات المالية، ولا سيما ما من شأنه أن يُطوِّق سياسة «اقتصاد الكاش» المعبر الأساسي لتبييض الأموال الآتية من تجارة المخدرات وتمويل الإرهاب. وثمة كلام أن أورتاغوس تحمل «خريطة طريق» للسلطة اللبنانية ومؤسساتها، ومن بينها تأليف لجان تفاوض سياسية مع إسرائيل.
ما يتوقعه مراقب عسكري – أمني هو أن تحصل الضربة الكبرى في غضون أسبوعين أو أربعة أسابيع على أبعد تقدير، غير أن مراقباً آخر يعتبر أن الضربة بدأت فعلياً في اليمن وسوريا لكنها ستتدحرج بقوة خلال أسابيع قليلة ككرة النار في «وحدة ساحات» عملت إيران لعقود على بنائها، إلاّ اذا استدرك «حائك السجاد» لما هو آت عليه وعلى نظامه، فامتثل لـ«سيد البيت الأبيض» دونالد ترامب الذي يخطب ود المرشد، ولا يريد أن يرى إيران ضعيفة!.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية