دمشق ـ «القدس العربي»: شكّلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض الأسبوع الفائت محطة حاسمة أعادت رسم ملامح الدور السوري إقليميا ودوليا. ورغم الطابع السياسي والعسكري الذي غلّف المشهد، إلا أن الهدف العميق للزيارة كان اقتصاديا بالدرجة الأولى، مع بروز رفع العقوبات الأمريكية، وخاصة قانون قيصر، كمدخل أساسي لإعادة إعمار سوريا ودمجها في الاقتصاد العالمي.
المبعوث الأمريكي إلى سوريا السفير توماس برّاك، وصف زيارة الرئيس السوري الشرع إلى البيت الأبيض بأنها «نقطة تحول حاسمة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط وفي التحول الملحوظ لسوريا من العزلة إلى الشراكة». مشيرا إلى أن الرئيس دونالد ترامب أعلن في 13 أيار/مايو رفع جميع العقوبات الأمريكية من أجل إعطاء سوريا فرصة، مؤكداً أن اللقاء بين ترامب والشرع كان «دافئًا وجوهريًّا، وشهد توافقًا على استبدال القطيعة بالمشاركة، وعلى إعطاء سوريا وشعبها فرصة حقيقية للتجديد».
توافق على تغيير قواعد اللعبة
ومع انطلاق اللقاء الرئاسي، برز اتفاق على استبدال القطيعة بالشراكة، وتعهد الشرع بالانضمام للتحالف الدولي ضد «داعش»، في خطوة اعتبرتها واشنطن انتقالاً لسوريا من «مصدر تهديد» إلى «شريك في مكافحة الإرهاب» حيث أكد توماس برّاك أن الرئيس الشرع تعهد بالانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش»، مشيرا إلى أن دمشق ستساعد بنشاط على مواجهة وتفكيك فلول «داعش والحرس الثوري الإيراني وحماس وحزب الله وغيرها من الشبكات الإرهابية» وفق قوله.
كما تحدث المبعوث الأمريكي عن جلسة ثلاثية جمعت وزيري الخارجية السوري والتركي إلى جانب الوزير الأمريكي ماركو روبيو، حيث رسمت ملامح المرحلة المقبلة من التعاون الثلاثي، بما يشمل إدماج قوات سوريا الديمقراطية في الهيكل الجديد للدولة السورية، وتعزيز التوافق الإقليمي حول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وقضايا الحدود اللبنانية.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وصل يوم الأحد الفائت إلى واشنطن في زيارة تاريخية هي الأولى لرئيس سوري منذ الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي.
ولفهم أعمق لمغزى الزيارة، يقول الكاتب السياسي–الاقتصادي طلال عبدالله جاسم السهو لـ«القدس العربي» إن الهدف الجوهري لزيارة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض «اقتصادي بامتياز»، موضحا أن سوريا لا يمكن أن تنهض دون إزالة العقوبات، وفي مقدمتها قانون قيصر.
وأضاف السهو: من خلال نظرة سريعة إلى تصريحات الرئيس الشرع ووزير خارجيته ووزراء الفريق الاقتصادي، المالية والاقتصاد وحاكم المصرف المركزي يتضح أن الاهتمام ينصب على جذب الاستثمارات للنهوض بالبلاد وتحريك العجلة الاقتصادية، التي ستكون الركيزة الأساسية في إعادة الإعمار، مشيرا إلى أن «زيارة الرئيس الشرع غلب عليها الطابع السياسي والعسكري، لكن الهدف الجوهري لها كان اقتصاديا بالدرجة الأولى. فبدون إزالة العقوبات، ولا سيما عقوبات قانون قيصر الصارمة، لا يمكن لعجلة الاقتصاد السوري أن تنطلق من جديد».
واعتبر المتحدث أن الحكومة السورية تبدو واضحة في موقفها بعدم الرغبة في الحصول على أي قروض، سواء من المؤسسات الدولية أو من الدول، كما أنها لا تعوّل كثيرا على المساعدات الدولية، وبما أن البلاد مدمّرة إلى حد مرعب، فإن الاستثمار في المرحلة الراهنة سيكون متركزا على مشاريع البنية التحتية والطاقة والأعمال الكبرى، وهي بطبيعتها استثمارات طويلة الأمد. مثل هذه المشاريع تحتاج إلى بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، مع ضمانات قانونية واقتصادية طويلة المدى، وهذان الشرطان لا يمكن تحقيقهما دون قرار أمريكي واضح.
فالبيئة القانونية الآمنة وفق رأيه: تتطلب رفع العقوبات وإلغاء قانون قيصر بطريقة تمنح المستثمرين الثقة بأن استثماراتهم لن تكون عرضة لخطر العقوبات الأمريكية أو تعطيل التمويل أو منع استيراد المستلزمات التكنولوجية الضرورية لأي تقدم في مجالات البنية التحتية.
ويرى المتحدث أن رفع القيود المالية والتجارية شرط أساسي لجذب رؤوس الأموال، خاصة أن الولايات المتحدة تتحكم في ثلث الأراضي السورية بما فيها الثروات النفطية والغازية، ما يجعل الاستثمار غير ممكن دون ضمانات أمريكية.
أما الأمن، فإن «الولايات المتحدة ما زالت تسيطر على نحو ثلث الأراضي السورية، وتتحكم بالثروات النفطية والغاز والمياه والسدود، فضلا عن وجودها العسكري ودعمها لقوات قسد، ما يخلق حالة من عدم الاستقرار وامكانية اندلاع صراع جديد في أي وقت، حتى الدول الداعمة للإدارة السورية الجديدة مثل السعودية وقطر وتركيا، تحتاج إلى رفع الحظر الأمريكي على الاستثمار في سوريا. فما تزال البلاد تعاني من منع تدفق الأموال من الخارج، ومنع الحكومة من الوصول إلى منابع الثروات السورية التي يمكن أن تسهم سريعًا في تحريك عجلة الاقتصاد».
العقوبات…
المفتاح الحاسم
وتؤكد المؤشرات وجود اهتمام عربي وغربي واسع بالاستثمار في سوريا، غير أن الجميع ينتظر قرار الكونغرس بشأن قانون قيصر لفتح الباب أمام تدفق رؤوس الأموال، حيث وصف المتحدث إزالة العقوبات الأمريكية بأنها «المفتاح الحاسم»، وأضاف: إن الموقف الأمريكي هو العامل الحاسم في دخول الاستثمارات العربية وحتى الأوروبية بشكل جدي. وهناك بالفعل بدايات لمشاريع كبرى في مجالات الطاقة والموانئ والمطارات، إلى جانب قانون استثمار عصري مشجع، منسجم مع تطلعات المستثمرين السوريين والعرب والغربيين.
وأمام ما تقدم قال السهو: الرئيس الشرع وفريقه يبدون اهتماما خاصا بجلب استثمارات أمريكية كبرى إلى سوريا في مختلف القطاعات، لما تمثله من مكسب مزدوج، أولا، لإطلاق عجلة الاقتصاد السوري بشكل فعلي، وثانيا، لتشكيل عنصر ثقة وضمان لبقية المستثمرين، إذ إن دخول الشركات الأمريكية في شراكات مع نظيراتها السورية والعربية والأوروبية يعدّ عامل أمان ثابتا وموثوقا، كما أن شركات ألمانية وسعودية وقطرية وخليجية باتت قاب قوسين أو أدنى من توقيع اتفاقيات كبرى، فيما بدأت شركات أخرى فعلا بتأسيس مكاتب لها وإرسال وفود استكشافية، إذ يلعب السوريون المغتربون دورا رياديا في هذه الجهود.
ومع إزالة دول أوروبية عديدة للعقوبات على سوريا، تبدو الأوضاع مهيأة لانطلاقة اقتصادية، إلا أن القرار الأمريكي يبقى الركيزة التي ستبنى عليها الاستثمارات الدولية.
وفي هذا الإطار يقول المتحدث: إن العديد من الدول الأوروبية والغربية أزالت العقوبات العامة والشخصية عن سوريا وقيادتها، وباتت الأوضاع في حالة جاهزية للانطلاق، في انتظار قرار الكونغرس الأمريكي برفع عقوبات قيصر، وما يتبعه من إجراءات تنفيذية من الإدارة الأمريكية، كما أن دعم واشنطن لرفع العقوبات الدولية عن الرئيس الشرع ووزير داخليته بعث برسائل إيجابية، وأعطى مؤشرات على بداية مرحلة جديدة، تعززها عودة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وعدد من الدول الأوروبية، وانضمامها إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب.
كما يشير إلى أن انفتاح دمشق على روسيا والصين بالتوازي مع الشركاء العرب والغربيين يعزز فرص بناء اقتصاد متنوع وقادر على استيعاب المشاريع العملاقة.
يطرح ملف إعادة الإعمار أسئلة جوهرية، في ظل حاجة سوريا إلى مئات المليارات، ووسط هواجس الفساد، واحتمالات تدخل «أثرياء الحرب» ممن قد يعطلون مشاريع الإصلاح، من سيموّله؟ كيف ستُدار هذه الأموال؟ وكيف ستُحمى من الفساد أو النزاعات السياسية؟
وأمام هذه الأسئلة يقول الكاتب السياسي الدكتور السهو: إن رغبة العديد من الدول والشركات العالمية في دخول السوق السورية تشير إلى أن هذا الملف قد يشهد حراكا متسارعا فور توافر المناخ السياسي والاقتصادي المناسب.
تحديات وإشكالات أمام إعادة الإعمار
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق إلى إعادة الإعمار لا يزال مليئا بالعقبات. تحدث الخبير السياسي الدكتور عبد الله جاسم السهو عن أهم تلك العقبات وعلى رأسها إيقاف إطلاق النار على امتداد الجغرافية السورية.
وقال: لا يمكن أن تبدأ عملية إعادة الإعمار فعلا قبل توقف الحرب في جميع المناطق السورية، وهو ما يتطلب توافقا إقليميا ودوليا حقيقيا، كما أن الفساد المتأصل في المؤسسات الاقتصادية الحكومية والذي تضاعف خلال سنوات الحرب يشكل عقبة كبرى أمام أي تمويل جاد. فالرشوة والمحسوبيات وغياب القوانين الصارمة تهدد بتحويل عملية الإعمار إلى فرصة جديدة للإثراء غير المشروع.
كما تطرق إلى «مقاومة أثرياء الحرب وتجارها، والفئات المستفيدة من استمرار الصراع، والذين يمتلكون نفوذًا ماليًا وعسكريًا واسعًا، تشكل خطرًا حقيقيًا على أي محاولة إصلاحية».
ومن هنا، يؤكد السهو أن إنجاح إعادة الإعمار يتطلب وقفاً شاملا لإطلاق النار وتوافقا إقليميا ودوليا يضمن استقرار البلاد.
ساعد الدعم السياسي من الرياض والدوحة وأنقرة، في تجاوز العقبات التشريعية الأمريكية ومنح دمشق «لحظة تحول تاريخية» وحول نجاح هذا اللقاء يقول الخبير السياسي والاقتصادي مصطفى السيد لـ«القدس العربي»: وضعت الروافع السياسية السعودية والقطرية والتركية ثقلها كاملا من أجل نجاح مهمة الرئيس الشرع في تذليل العقبات البيروقراطية والإجراءات التشريعية الأمريكية التي تحتاج دورة زمنية طويلة لإقرارها مما يتيح لنا القول إنها صنعت لحظة تاريخية حملت في طياتها امكانيات التحول الجذري للدور السوري المستقبلي بما يعزز رؤية السعودية 2030 ورؤية قطر التنموية والرؤية التركية في بناء منطقة ازدهار إقليمي مشترك. ووصف السيد اللقاء، بأنه ليس مجرد تبادل دبلوماسي روتيني، بل نقطة تحول استراتيجية تتجاوز الحدود السياسية لتمتد إلى الأبعاد الاقتصادية العميقة، إذ اللقاء الرئاسي يأتي بعد ستة أشهر من أول اتصال بين الرئيسين في الرياض ليعكس تحولا إيجابيا في السياسة الأمريكية تجاه دمشق، مدفوعا بمصالح أمنية واقتصادية متشابكة، ويفتح آفاقا واعدة لمستقبل الاقتصاد السوري المثقل بالحروب والعزلة.
ويشير السيد إلى أن الولايات المتحدة ترى في سوريا قوية ومستقرة شريكا أساسيا في مواجهة الإرهاب والمشروع الإيراني، وفي بناء فضاء اقتصادي ـ أمني يستند إلى رؤية السعودية وقطر وتركيا.
وقال المتحدث: الولايات المتحدة الأمريكية هي رابح أكبر في سوريا قوية، عازيا السبب إلى أن «سوريا قوية في التحالف العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب وتتطلب اقتصادا سوريا قويا يعزز لحظة التحول الإستراتيجي لسوريا التي تنتقل منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 بأفق حركتها الاستراتيجية من حلقة الوسط القوي في بناء الهلال الفارسي الذي دمر اقتصاديات المنطقة وأوقف حركة النمو الاقتصادي واستهدف الثروة البشرية للعرب السنة في سوريا وكان الأطباء والمهندسون على رأس قائمة القتل التي استهدفتها قوات حزب الله اللبناني في سوريا والقوات الإيرانية في سوريا وقوات الميليشيات الشيعية التي غزت سوريا حماية لنظام الأسد إضافة إلى عمليات التغيير السكاني التي مارستها حكومات الأسدين».
وبرأي المتحدث أن «هذا الانتقال السياسي يحتاج إلى انعاش اقتصاد الشعب السوري الذي تم تدميره على يد أنصار المشروع الإيراني وبالتالي تعتبر مهمة إعادة المهجرين السوريين وإجراءات الانعاش الاقتصادي ومن ثم إطلاق عمليات إعادة الإعمار مسألة تتجاوز الحدود السياسية لتمتد إلى الأبعاد الاقتصادية العميقة في إعادة الحياة للاقتصاد السورية وعلى رأسها قطاعي الزراعة والصناعة».
أرقام انهيار الاقتصاد
تحت وطأة العقوبات، خسر الاقتصاد السوري أكثر من 80 في المئة من قيمته منذ 2011، مع تضخم يفوق 200 في المئة سنوياً وتراجع الليرة بنسبة تتجاوز 99 في المئة، ما يجعل إلغاء قانون قيصر شرطا للحياة الاقتصادية مجدداً.
وفي الإطار يقول السيد: من الناحية الاقتصادية، يمثل قانون قيصر ـ الذي أُقر في عام 2019 ودخل حيز التنفيذ في 2020 ـ أبرز التحديات التي تواجه الإنعاش الاقتصادي السوري، فالتشريع يفرض عقوبات صارمة على سوريا، وعلى أي كيان أو دولة تتعامل مع النظام السوري السابق، ما يشل تدفق الاستثمارات الأجنبية ويعيق الوصول إلى الأسواق الدولية ويكبل حركة الصادرات والواردات السورية ويضع قيودا صارمة على أنظمة التحويلات البنكية ويضع أي شركة تتعامل مع سوريا موضع الشبهة.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن في الرياض أمام الأمير محمد بن سلمان تعليقا فوريا لمفاعيل قانون قيصر لمدة ستة أشهر وتم تجديد التعليق الرئاسي لمفاعيل القانون لستة أشهر إضافية خلال زيارة الرئيس الشرع الأخيرة لواشنطن.
أعلن ترامب تعليق مفاعيل قانون قيصر مؤقتا، إلى جانب رفع اسم الشرع من قوائم العقوبات، ما فتح نافذة لاستثمارات أمريكية قد ترتفع بنسبة 30 في المئة العام المقبل، كما قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار مجلس الأمن الدولي لرفع العقوبات عن الشرع ووزير داخليته مما يمهد لتخفيف الضغط الاقتصادي عن سوريا ويمنحها وفقا لتصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية «فرصة للتعافي» ما يعطي سوريا فرصة بناء دولة قوية، وهو ما يتطلب دمجها في التحالف الدولي لمكافحة داعش، كشرط أمني مقابل التقديمات الاقتصادية.
كما أكد الشرع خلال اللقاء على ضرورة رفع هذه الحواجز للسماح بتدفق الاستثمارات في قطاعات الطاقة والزراعة والبنية التحتية، حيث يُقدر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار.
آفاق ما بعد الزيارة: شريك موثوق وتحول رئاسي
ترى واشنطن في الشرع بحسب خبراء لـ«القدس العربي» شريكا يمكن الاعتماد عليه لمرحلة مكافحة الإرهاب، وهو «ما عزز الثقة الدولية وفتح الباب لعودة رؤوس الأموال الخليجية إلى السوق السوري».
ترامب، بدوره، أعرب عن دعمه لـ«جهود النهضة والاستثمار في سوريا»، مشدداً على أن الولايات المتحدة ترى في الاستقرار السوري مفتاحاً لمكافحة الإرهاب ومواجهة النفوذ الإيراني والروسي.
هذا التوافق وفق الخبير السياسي مصطفى السيد «يعكس تحولاً في الرؤية الأمريكية، حيث يُعتبر الشرع ـ الذي تولى الرئاسة الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد ـ شريكا موثوقا، خلافا للسابق، وأسفر اللقاء عن تطور فوري بإعلان وزارة الخزانة الأمريكية تعليقا جزئيا لعقوبات قيصر لمدة 180 يوما، مستثنيا المعاملات مع روسيا وإيران».
وأضاف: هذه الخطوة، التي طال انتظارها، تفتح باباً مشروطاً للتعافي، حيث يُتوقع زيادة الاستثمارات الأمريكية في الطاقة السورية بنسبة 30 في المئة خلال العام القادم، وفقا لتقديرات خبراء في صندوق النقد الدولي الذي التقى به الشرع مسبقا مما يعزز الثقة الإقليمية ويجذب رؤوس الأموال الخليجية.