رجع مارتن فالزر إلى زمن غوته مستلهما تجربة عشقه. ما يجمع بين الكاتبين أنهما عاشا تلك التجربة في عمر متأخّر. كان كاتب ألمانيا الأشهر في الثالثة والسبعين من عمره، حين فتنته أولريكا، ابنة التاسعة عشرة، فيما كان فالزر، كما يذكر مترجم كتابه سمير غريس، في الثمانين. أي أن هذا الأخير كان في حاجة إلى التعرف على حالة مشابهة سبقت، ليعرف كيف يكتب تجربته الشخصيّة. وفي ما خصّ كاتبا في حجم غوته، كانت هناك ميزة الكاتب العظيم يعوّض بها ما أفقده إياه فارق الزمن في تصوّر شخصيّة الأديب. ذاك أن الطبقة الأرفع في المجتمع الألماني كانت متعلقة بالكتّاب حدّ جعلهم في مصاف الآلهة. وكان غوته، على وجه الخصوص، الكاتب الأهمّ مكانة، ليس بين الكتّاب فقط، بل إن أُخذ الأمراء ورجال الدولة الكبار أيضا في الحساب.
في كل ما وصف فيه، وفي كل لقاء أو مناسبة حضرهما، كان غوته الأكثر تكريما. ذاك أن ألمانيا كلها كانت تقرأ كتبه، وهو كان يعرف كيف ينبغي أن تكون عليه صورة المؤلّه المعبود. كان خطيبا وشاعرا ورجل مجتمع سَحَر جمعَ الساهرين بالرقصة، التي أدّاها في مارينباد برفقة فاتنته التي تبدو كأن قدميها، لخفتها التي تقرّبها من إمكان الطيران، تكادان لا تمسّان الأرض.
نوع من التكريم، بل من التبجيل يصعب تصوّر وجوده في القرنين اللذين تليا. أينما حلّ في الرواية يظهر غوته محتفَلا به إلى حدّ أن لا يجد ما يكافئ ذلك، إلا إن نتخيّل ظهور شكسبير، أو غوته نفسه، حاضرا بيننا مزوّدا بكل الشهرة التي حظي كل منهما بها، بعد انقضاء كل ذلك الزمن على رحيله. لكن، على رغم عِظَم مكانته، وجد غوته نفسه أقلّ من أن يكون معشوقا من حسناء في مطلع شبابها. ما كان يسعى متحرّقا إلى معرفته هو، هل أن ذاك التبجيل الذي تظهره له أولريكه، نابع من تعلّق غرامي. كان غوته مهجوسا بذاك التساؤل، وقد بذل له كل طاقته الفكرية والأدبية فكان يدقّق في كل جملة تقولها، مقلّبا إيّاها على كل أوجهها الممكنة، وغير الممكنة. حين قالت له، إن حضوره بدا ساحرا تلك الليلة. راح يتساءل لماذا «تلك الليلة»؟ أي أن أولريكه، بما قالته، جعلت سحره استثنائيا وعابرا وليس صفة دائمة له. ثم لماذا «بدا» كما لو أن تحت سحره ذاك، يكمن وجود عادي يحتاج إلى تصنّع كي يظهر.. إلخ.
كما إن حسّه الجمالي الفذّ تحولّ موضوعه إلى أن يكون هو نفسه، مشيته مثلا، جلوسه، درجة تقوّس ظهره، صموده في الرقص حين يطول أو يعنُف. تلك الفتاة جعلته ناقدا نفسه، بل إنها أرجعته عن تقديره لنفسه، حيث بات مثلا يظهر الاستخفاف تجاه من ترى هي أنهم كبار المجتمع ومشاهيره. لكن تحت هذه الزلّات يقبع ذاك الحبّ الذي لا يُحتمل. أي يصعب تصديق مشاركة القبلة حين استجابا لدعوتهما معا، هو وهي، ذاك لأنه سيظلّ يتساءل من بعدها إن كانت تركت أثرا مباشرا في نفسها، كما قد يحدث لها إن أقبلت على ذلك من شاب يداني عمره عمرها.
هل يمكن أن يكون ذلك حبّا مطلقا، ذلك المطلق الذي لا يُقاس بتعيين نسبته، ثم، هناك الغيرة التي تدفع إلى التيقّظ المستمر لكل ما يبدر من نظرة، أو حركة في المحيط الموجودة هي ضمنه. في تلك الرقصة التي أدّتها مع الشاب تاجر المجوهرات بدت كل حركة دالّة على تخيّل الاستسلام التام للغواية التي وقعت أولريكا في حبائلها. أما الازداء الذي رمى غوته ذاك الشاب به، فكان أقرب إلى ترك الشعر للانحطاط يخفضه إلى أسفل درك أخلاقي. ولا تنبو نظرة غوته إلى معاصريه من الكتاب، وبينهم شيلر واللورد بايرون وآخرون، من إقحام ذلك الهاجس في قراءته لأدبهم.
ومثلما استلهم فالزر سيرة غوته، ليكتب تجربته هو، نقرأه كيف جعل غوته يستلهم كتابه الشهير عن «فرتِر» الذي أودى به التعلّق بـ»لوته» إلى إطلاق النار على نفسه. لكن غوته، وإن عمد إلى قتل بطله العاشق، آثر أن يبعد هذا المصير عن نفسه. فقرّر أن يتخلّص من ذاك الجحيم الذي كان دفع نفسه إليه، مرجعا وجوده إلى ما كان عليه من قبل.
أما فالزر، وقد كتب الرواية عن رواية جرت وقائعها، أو جرت وقائع تخيلها، قبل نحو مئتي عام، فلم ينج من أن يكون ما وصف به ملهمَه وصفا لنفسه. كان كأنه يعترف أمام شهود أنها هكذا كانت حاله عاشقا في عمر الثمانين لفتاة كانت، هي أيضا، في أول الشباب.
*رواية مارتن فالزر «رجل عاشق» صدرت عن دار ممدوح عدوان ودار سرد للنشر ونقلها عن الألمانية وقدّم لها سمير غريس في 288 صفحة لسنة 2026.