رضاك مجدداً

يسألني البعض من آن إلى آخر هذا السؤال الذي يُطرح على شركاء الحياة الزوجية الممتدة، أن ما سر استمرار هذا «التحالف» بينكما وكيف استطعتما تخطي التحديات؟ أفكر كثيراً في هذا السؤال رغم أنني أحياناً أقدم تلك الأجوبة النمطية التي لا تغني ولا تسمن من جوع. فأجوبة من نوع أن الحب والاحترام والإخلاص وحتى الصداقة القريبة هي كلها ما تحمي العلاقة الممتدة وتغذيها، إنما هي أجوبة تشكل نصف الحكاية، لربما أقل من النصف، وإنما هي تقدم مظهراً خارجياً، لربما أقل من صادق. فحقيقة الأمر، في تصوري، أنه لا توجد وصفة سحرية ولا خلطة نافذة ولا حتى نظرية علمية اجتماعية تحمي هذا «التحالف» وتمد من عمره، إنما هي مجموعة من العوامل المجتمعة المُبَهَّرة بكثير من الحظ، والمضغوطة بكثير من التوقعات والقواعد الاجتماعية وأحياناً الدينية، التي تسير مراكب هذا «التحالف»، أو التي تجبره إجباراً على المسير، أو التي في أحيان كثيرة تجره جراً دون إرادة من ركابها.
في تجربتي، وأتصور أنها تتطابق في أجزاء منها مع تجارب الكثيرين، كان هناك الكثير من الانجذاب الأولي للشخصية والشكل، الذي ساعدنا على التخطي في بداية الحياة، وهو الانجذاب الذي تغلف مع الوقت بالمغفرة والتجاوز والرحمة بمن يشاركنا الحياة في أخص خصوصياتها. أنا وهو سرعان ما خلقنا «روتيناً» مريحاً في حياتنا، وسرعان ما رتبناها رغم تنقلاتنا الكثيرة في بلاد الله لاستكمال علومنا العليا. دائماً ما تغلفت علاقتنا بدرجة كبيرة من الراحة، لا وصف لها غير ذلك، حيث نجلس آخر الليل في المكتب، كل في يده كوب شايه، لنحكي كثيراً ونضحك كثيراً. في الغالب أنا أحكي أكثر، وهو يسمع أكثر؛ أنا ألتف بالحكايات من حكاية إلى رواية، فأخرج من باب هذه القصة وأدخل في شباك هذه النميمة، وألف وأدور وأستعرض رأيي وتحليلاتي، وهو بهذا الوجه الهادئ البشوش يستقبل حكاياتي، يؤمن عليها، يعلق تعليقات مختصرة حول تفاصيلها، يضحك على لحظات جنونها، والأهم من كل ذلك أنه يشعرني بالأمان التام إبان سردها.
مع مرور الزمن أصبح الحكي حاجة، كالماء والهواء، لا أكاد أقول شيئاً أو أفعله أو أفكر فيه حتى أشعر بتلك الحاجة الملحة والفورية للبوح، فأخابره في منتصف النهار وأحياناً أوقظه من نومة أول الليل لأفرغ ما في صدري، لآخذ رأيه، لأستعين بتوجيهه، أو لأصب المشكلة كلها في حجره حتى يتعامل هو معها. أحياناً أحكي وأنسى أن الذي أمامي رجل شرقي قد تفور غضبته، وسبب رئيسي لهذا النسيان أنه لم يسمح قط للغضب أن يفور، ولم يشعرني في لحظة بتوجس من الحكي أو خوف من رد الفعل. حكيت له ما تحكيه الصديقات للصديقات، ما تحكيه المثقلات إبان الاعتراف الكنسي، ما تحكيه المهمومات بتأنيب الضمير، ما تحكيه الضائعات في قرارات الحياة، ما تحكيه الحاشرات للهموم العامة في الحياة الخاصة. لم يردّني في يوم، لم يقل كيف تجرئين، لم يقل ما شأني وهذا، لم يقل أوجعت رأسي، ولم يقل أنت تحتاجين لطبيب نفسي. كان يستمع ويعلق ويرحم ويغفر بكل صبر الدنيا يقدمه بين يديه.
لربما هذا سر استمرار زواجي؟ لا أعرف. كل ما أدركه حقيقة، أن البوح خلق علاقة عميقة وخاصة وخطرة بيننا، فنحن نعرف عن بعض أكثر مما يعرفه معظم الأزواج والزوجات بعضهم عن بعض، حتى تلك الخصوصيات التي تصورنا أننا لن نبوح بها أبداً، أخرجناها من نفوسنا كل إلى الآخر، حتى تلك الأفكار المتضاربة المتصارعة اللامنطقية، غالباً من طرفي، تهوَت خارج عقلي وتحررت من قفصي الصدري. أنا أحكي كل شيء، لا أخفي شيئاً، حتى لا تفرض دماثة الخلق ومراعاة نفسية الطرف الآخر إخفاءه، ولأن استقباله غريب جداً في حنانه وهدوئه وتقبله وسعة صدره، تشكلت عندي درجة من الثقة والأمان جعلت من علاقتنا شيئاً وكأن له وجوداً مادياً، وجوداً معقداً وعميقاً ومتشابكاً لأقصى حد.
هو لا يغضب كثيراً، لكنه يغضب، وأنا لا أهدأ كثيراً، لكنني أهدأ، وبين الغضب والهدوء لحظات متراكمة من المغفرة والتخطي والحب الصادق، وهذا الشعور العميق بالتقدير والاحترام لمن يشاركك المكان والزمان وتفاصيل الحياة. كنا نتخطى أحياناً كثيرة تقديرنا لوجودنا معاً، لتشاركنا المكان والزمان، فلو ضاعت كل المعاني الأخرى في لحظة الغضب، ألا تكفي الشراكة الطيبة كدافع للمغفرة والتسامح والتعدي للموقف ولو لحظياً؟ ألا تكفي لتأجيل الانفجار عله يخبو لتطفو بوادر المحبة والاتفاق مرة أخرى؟ أتصور أن أحد أهم عوامل خبو الغضب هو أننا كنا واعين تماماً في لحظة الغضب، في لحظة الانفعال، أن هذا المغضوب عليه يبقى حبيباً ولا يمكن أن يتحول عدواً، أن هذا الغضب مؤقت، وأن هذا الود دائم، وأن معركة اليوم لا يجب أن تنسينا فرح الأمس ولا شوق الغد.
ياه على غضب الأمس، كأنه من ماض سحيق. وعلى الرغم من أننا هادئان في معظم لحظات حياتنا، فإن الغضبات الفائرة لا بد وأن مرت علينا، وقد مرت وذابت وكأنها قطعة زبدة لينة في صحراء حارة مشمسة، ذابت واختفت، وما بقي لها من طعم سوى ذلك الذي لحلاوة الصلح الذي تبعها. أما غضب اليوم فيختلف، غضب اليوم ثلاثة أرباعه ضحك ومزاح، غضب لا يستمر أكثر من نصف ساعة، غضب في الغالب أصنعه أنا وأتعارك حوله ثم أعقله وأمنطقه ثم أغفره، كله وحدي، بمجهودي الذاتي، دون تدخل حقيقي منه، حيث يقف هو موقف المتفرج الضاحك الغافر كعادته. غضب اليوم لا يغير نظام حياتنا قيد أنملة، لا يفصل يومنا ولا يبدل خطوات تعاملنا المنظمة عميقة الجذور. غضب اليوم فكاهي خفيف، لا أحد منا يقوى عليه، دع عنك الاستمرار فيه. غضب اليوم غضب لحظي لا نحترمه، فلا نكاد نقع في فخه، حتى نسخر منه ونقلب الصفحة عليه.
ورجلي هذا نادر الغضب، نادر البكاء، دائم الابتسام، دائم الدندنة، أبكته غزة كما يفترض أن يبكي أي إنسان طبيعي له أدنى درجات الحس والشعور، فطرت قلبه كما يفترض أن تفطر قلب أي بشر له ضمير. لن أنسى يوم سمعت شهقاته وهو يشاهد ذلك الأب الذي ينادي على أبنائه تحت الأنقاض، لا أكاد أتخيل وجع الفاجعة ولا حتى وجع تخيل زوجي للمشهد وهو يستجوب نفسه أن ماذا لو كانت زوجتي والأبناء تحت الأنقاض؟ ماذا لو وقفت عاجزاً عن إنقاذهم؟ ماذا لو ناديت دون مجيب؟ هي الأسئلة الإنسانية الأنانية الطبيعية التي تخطر على بال أي بشر ذي حس أو شعور، وهي ذاتها التي عجنته لأيام في حزن ضخم مستمر. عشقت حزنه هذا لأنه إنساني وطبيعي ونبيل، لأنه ضمائري ومستحق مستوجب، ويعبر عن هذا الرجل الخاص الذي تسعدني سعاداته وتشرفني أحزانه بنقائها واستحقاقها.
نحتفي بعد أيام بسنتنا الخامسة والثلاثين، نحتفي بحزن وعلى استحياء، ذلك أننا، كملايين البشر في هذا العالم، نتابع ونشهد ونستشعر نقص الحيلة ونعاني من «متلازمة غزة»: نلوم أنفسنا على لحظات السعادة، ونخجل من أوقات الراحة، ونتصارع داخلياً بسبب مفارقات الحياة الفظيعة باهظة الثمن. لكنها الحياة التي تستمر والتي ما يمكن أن تستمر وأن أتخطى فظائعها دون وجودك ورحمتك وصبرك ورضاك. كل عام وأنت بخير.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية