رأس «الجزيرة» المطلوب: مخطط ذكي هذه المرة!

حجم الخط
0

هي حملة، ووجدت في الأخير هدفًا لها، وكان هذا الهدف هو موفد قناة «الجزيرة» إلى طهران عبد الفتاح فايد، الذي قيل فيه الشيء ونقيضه!
لست من أنصار نظرية المؤامرة، لكني منذ بداية الحرب على إيران وأنا أرصد حالة غير طبيعية بدأت على منصات التواصل الاجتماعي، في دعوة الناس لكي يتوقفوا عن مشاهدة قناة «الجزيرة»، لأنها غيرت مسارها من قناة عالمية إلى محطة تلفزيونية قطرية داخلية، تنحاز للعدوان الإسرائيلي – الأمريكي، وذلك كردة فعل على استهداف إيران لدولة قطر!
ولأن من أطلقوا النصيحة كانوا أذكياء، فكان لا بد من بديل يقدم للناس، وكان هذا البديل هو تلفزيون «العربي»، فليس منطقيًا دعوتهم للذهاب لقناة «العربية» مثلًا، أو قناة «سكاي نيوز عربية». وفي مرحلة تالية كانت الدعوة لمقاطعة «الجزيرة» و»العربي» معًا، لأنهما تعملان وفق الأجندة القطرية وهي في حالة حرب مع إيران. فلم تعد «الجزيرة» كما كانت، وتسأل: وما الذي تغير؟ فتكون كمن ينده ويرد الصدى!
تابعت هذا الادعاء متابعة دقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومشكلته أنه لم يقدم حيثيات، غير أن الجزيرة تضخم العدوان الأمريكي، وتتستر على انتصارات طهران. فتنتظر أن يذكروا أخبارًا من طهران حجبتها الجزيرة وأذاعتها قناة أخرى، فيستقر في وجدان المرء أنه سينتظر طويلًا، فهي أقوال مرسلة. فأين يشاهد هؤلاء أخبار الحرب؟ في قناة «الميادين»؟ فماذا أضافت من أخبار؟!
وهل يُطلب من «الجزيرة» أن تكون «الميادين»؟
ومن المعروف أن إعلام الدول يتحول إلى بوق في زمن الحرب، وأحمد سعيد في «صوت العرب» ليس بدعًا. والرجل كان يقرأ البيانات العسكرية ولا يستحدثها من العدم، لكنه تحمل النصيب الأكبر من الهزيمة، وبأكثر مما تحمله المشير عبد الحكيم عامر، والرئيس جمال عبد الناصر!
وإذا كان المشاهد يبحث عن «طبول الحرب»، لا عن المصداقية، وعن التضخيم لا عن الحقيقة في التغطية، فلماذا يرابط أمام الجزيرة، ولا يذهب حيث شحذ الهمم ودق الطبول؟!

الرأي لا الرأي الآخر

قرأت لأحدهم أن هذه قضية لا تقبل شعار الجزيرة «الرأي والرأي الآخر»، ولا بد للجزيرة أن تنحاز كلية لإيران. وهذا هو الرأي عندهم، فلماذا يرابطون أمام قناة الجزيرة ليقفوا بأنفسهم على هذا القصور؟
ولن أرد عليهم بما رد به وزير داخلية مصر السابق زكي بدر على نائب من نواب الإخوان في برلمان (1987 – 1990)، عندما تحدث النائب عن نشر التلفزيون للخلاعة، فعلق الوزير في مجلس الشعب: «وكيف تكون أخًا مسلمًا وتشاهد التلفزيون بهذا الشكل الذي يجعلك تكون رأيًا عنه؟!»
كانت مزحة على أية حال، لكن ما فات هؤلاء أن الجزيرة حتى في الحصار على قطر لم تتحول إلى بوق، ولم تتوقف عن إذاعة أخبار وبيانات دول الحصار، وكانت تأتي بمن يمثلون رؤية هذه الدول. وهذا مصدر قوتها، بل والدليل على ثقة الموقف القطري من نفسه. ولك أن تتخيل أن هذا الأداء الموضوعي هو ما خلق رأيًا عامًا ضاغطًا ضد الآخرين، وجعل منهم مادة للفكاهة والتندر. وكذلك الحال في موضوعية تغطية حرب غزة!
وعلى ذكر هذه الحرب، فلماذا ننسى أن البعض ممن احتفوا بتحليلات المحللين التي تبشر بالنصر في البداية قد ملوهم في الأخير، وأوشكوا أن يجعلوا منهم أحمد سعيد آخر؟ وقد خُلق الإنسان هلوعًا.
يأتي «عاجل الجزيرة» عن تعرض الدوحة للعدوان، وبعده وقبله قد يكون العاجل مصدره الحرس الثوري الإيراني أو تلفزيون القوم، عن إطلاق صواريخ لتل أبيب!
ولم يثبت الادعاء أن بيانًا واحدًا مصدره طهران تجاهلته الجزيرة، التي من الطبيعي أن تذيع بيانات الطرف الآخر. وليس دور الإعلام القيام بدور طرفي المواجهة، فينفي بيانًا من الجهة الأخرى أو يكذبه، وهو لا يملك وسيلة التحقق من صدق كل ما يقال. ولا يجوز أن يكون بديلًا لإعلام الحرب هنا وهناك!
وعلى كل، فإن الطرف الإيراني لم يصدر منه نفي عما يذيعه الطرف الآخر. والأمر نفسه يسري على واشنطن وتل أبيب، فلم تنفيا أخبارًا قادمة من طهران. وليس للقنوات التلفزيونية في زمن الحروب إلا مراسلون يعملون على الأرض وحركتهم محدودة.
والأمر مختلف بطبيعة الحال من حيث العمل على الأرض في غزة من أبنائها، وكذلك بالنسبة للعراق قبل السقوط. وقد ظلت الآلة العسكرية الأمريكية تقول لأيام بسقوط أم القصر، وترد الجزيرة عبر مراسليها بأن أم القصر لم تسقط، مما دفع الرئيس الأمريكي للتفكير في استهدافها.
الأمر مختلف في طهران، وهو بلد مغلق على الإعلام، لأنه في حالة حرب طويلة، وما فرضته من آثار، أخصها الأخذ بالاشتباه والتخوف من الكاميرا والمراسل!

التخندق مع طهران

ولم نكد ننتهي من هذا الموشح، حتى وجدنا أنفسنا مع موشح آخر، وهو أن الجزيرة تعمل بالكلية ضد مصالح دولة قطر ولحساب طهران، وأنها تتجاهل العدوان الأمريكي على دول الخليج، متخندقة مع آيات الله في خندق واحد!
كل هذا في الوقت الذي نشاهد الأخبار الخاصة بالعمليات الإيرانية في دول الخليج في التو واللحظة. في حين أنني ذهبت إلى قناة «سكاي نيوز عربية» ذات يوم، فوجدت أن الخبر الوحيد الذي يظهر على الشاشة هو إطلاق الصواريخ الإيرانية على الدوحة، وكأن قطر هي الدولة الوحيدة التي تتعرض للعدوان من دول الخليج. ولم أفهم مغزى هذه الرسالة الإعلامية، فغادرت غير مستأنس لحديث!
وبدا لي من هول الحملة بانحياز الجزيرة ضد قطر أن الذين فشلوا في إيقافها بكافة الضغوط التي بذلت، غيروا السيناريو. وقد فشلت «الأوامر» بإغلاقها، فلا بد من خطة بديلة، وهي تحريض الدولة القطرية عليها بحجة أنها مطية لإيران وامتداد للحرس الثوري الذي يستهدف طهران!
والمواقف المتناقضة يمكن قراءتها في التعامل مع حالة عبد الفتاح فايد، موفد الجزيرة إلى طهران. فقد قرأت لمن يتهمون رسالته من هناك بالتخاذل لصالح أمريكا وإسرائيل بسبب تعرض قطر للعدوان الإيراني، وكيف أن ما يقدمه باهت وضعيف. وذلك قبل هذا الاحتشاد والحملة القومية عليه، والتي تزامنت مع الموقف المدان الذي تعرض له على الهواء مباشرة من اعتداء من جانب موتورين في طهران، لست متأكدًا من هويتهم!
وبدت الحملة توحي كما لو كنا أمام مخطط متفق عليه من الأطراف كافة، سواء من اعتدوا أو من استغلوا الاعتداء، لولا أننا لا نؤمن بنظرية المؤامرة!
ومما قالوه إن رسائل عبد الفتاح فايد هي تعبير عن الحرس الثوري الإيراني. إذن من اعتدى عليه؟ المعارضة الإيرانية التي خاطبها ترامب بالخروج لإسقاط النظام؟!
إن البعض يحمل الحرس الإيراني جريمة الاعتداء، وفي الوقت نفسه فعبد الفتاح فايد يعمل لصالح هذا الحرس الثوري! وهي حالة من الأداء لا بد أن تصيب من يسلم بها باللوثة العقلية.

فايد كما عرفته

إنني أعرف عبد الفتاح فايد منذ أن بدأنا العمل في الصحافة. فنحن من جيل واحد، عملنا في التوقيت نفسه: هو في جريدة «الشعب»، وأنا في «الأحرار». وخلال عمله لا نعرف له انتماء إلا لمهنته وتقاليد ممارستها. وربما كنا محظوظين لأننا عاصرنا جيل الكبار في المهنة فتشربنا منهم تقاليدها.
وعندما يأتي موتور ويتهمه بأنه «مطية لإيران»، فهذا جهل مركب!
لكن يبدو أن عبد الفتاح فايد ليس مقصودًا في حد ذاته، ولكن الهدف هو الجزيرة: تشويهًا، وتشهيرًا، وطعنًا في المصداقية، وتحريضًا للدولة القطرية عليها، بعد فشل المخطط القديم الأرعن بإغلاق القناة عن طريق ممارسة الضغوط.
لا أنكر أنه مخطط ذكي هذه المرة! فرأس الجزيرة هو المطلوب!

صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية