«دول عصابة يا بابا*

الاعتراف بفلسطين الذي هو اعتراف خجول ومتأخر جداً من حيث اقترابه الشديد زمنياً من القضاء النهائي على غزة أرضاً وبشراً، ليس بعلامة مبشرة أو خطوة عالمية انقلابية على العصابة الإسرائيلية، تماماً كما أن خطة العشرين نقطة لـ «السلام» ليست خطة ذات منحى عادل تجاه فلسطين وحماس، أو ستحقق أي إنجازات إيجابية للجانب الفلسطيني. كلتا الخطوتين مجرد بروباغندا، تهدئة للشارع الغربي العام المتفجر غضباً ومحاولة لإثبات حسن نية، حسن نية ذئب ذي أنياب دامية يكشر عنها بكل وضوح في وجه حمل وديع أعزل يقف منفرداً في غابة موحشة قاسية.
وعلى الرغم من أن الاعتراف بفلسطين من قِبل فرنسا وأستراليا وكندا، والأكثر تأثيراً بريطانيا، قد خلق حواراً مهماً وأشار بوضوح للمحتل بصفته، لكن هذا الاعتراف لا يختلف كثيراً، كما ورد في مقال جوناثان كوك المنشور في Middle East Eye، عن اتفاق أوسلو وعن حل الدولتين المشوه، هذا الحل الذي اتُهم الفلسطينيون بسبب رفضه بأنهم متعنتون، معادون للسلام، والذي حُمد الإسرائيليون على قبوله ومحاولة إتمامه، على الرغم من أنهم غيروا بنوده تماماً لتأتي على مقاس الدولة الإسرائيلية التي يريدون و»الكيان» الفلسطيني الذي سيسمحون له بالتواجد داخل الدولة على مضض وإلى حين.
وشرح إيلان بابيه في كتابه «عشر خرافات عن إسرائيل» مؤامرة أوسلو بدقة وتفصيل، ليتبين أنها المؤامرة الأكبر ضد فلسطين وضد حق أهلها بالعودة والاستقرار على أرضها، وذلك حتى الاعترافات المفاجئة والخجولة بالدولة الفلسطينية اليوم، والتي تشكل مؤامرة تفوق مؤامرة أوسلو في مكياج براءتها، ذلك أن اعترافاً مثل هذا سيتطلب بالطبع تحديداً لماهية الدولة الفلسطينية، وفي حين أن هذه الدولة تمتد من النهر إلى البحر عند أصحاب الحق والحقيقة، فإنها ستتضاءل إلى جزء صغير جداً عند أصحاب المصلحة، جزء قابل جداً للاختفاء القريب. الاعترافات الحالية بالدولة الفلسطينية تحمل في طياتها دعوة لتحديد حدود الدولة الفلسطينية، والتي بلا شك ستكون داخل حدود «الدولة الإسرائيلية»، وأي مطالبات بعودة الأرض برمتها لأصحابها سينظر إليها على أنها دعوات متطرفة معادية للسامية كارهة للسلام ومتعنصرة ضد اليهود. إن محاولة تحديد حدود الدولة الفلسطينية هي أول الخطوات باتجاه القضاء على هذه الدولة وتمكين العدو الإسرائيلي منها.
وكما أن الاعتراف بفلسطين هو خطة عالمية ظاهرها رحمة وباطنها سرقة، كذلك هي خطة العشرين نقطة، التي تشع كل نقطة من نقاطها العشرين إشعاعاً تآمرياً قاتلاً؛ فأولى نقاط «خارطة السلام» الجديدة هذه كُفر، إذ تنص على أن غزة ستكون «خالية من التطرف والإرهاب»، ولم نعرف بعد من هم عنوان التطرف والإرهاب؛ أهم من يقاومون الاحتلال المسلح، أم من يفجرون المدنيين ويقنصون الأطفال في عرض الشوارع الخربة بفعلهم وفي وضح النهار؟ لا شك أن الإجابة ستأتي لصالح الإرهابي الحقيقي الذي تبدو بصمته واضحة على كل بند من بنود «فاجعة الطريق» تلك.
تسلب هذه الخطة كذلك «حماس» من المؤثر الوحيد الذي لديها، الأسرى، حيث تفرض الخطة على «حماس» البدء بالإفراج عن الرهائن لتليها إسرائيل بذلك، حيث تنص الخطة على الإفراج عن كل من اعتقل بعد 7 أكتوبر بمن فيهم «جميع النساء والأطفال»، وهو ما يعتبر إقراراً بجريمة حرب كبرى، والتي هي واحدة من بين مئات ارتكبتها إسرائيل باعتقالها للأطفال. كذلك تنص الخطة على نزع سلاح «حماس» وتشجع على ترحيل أفرادها، في حين أنه لا يوجد ذكر لموضوع سلاح إسرائيل وماهية التصرف به، كما لا توجد إشارة لأي نوع من المحاكمات لمنتهكي القوانين الدولية ولمرتكبي جرائم الحرب البشعة.
وتتجلى كارثة الخطة الكبرى في تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية تحت إشراف «مجلس سلام» يرأسه ترامب ورؤساء عدة دول أخرى، ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير. إذن، سيكون الأمر منوطاً بترامب، الممول الأول للسلاح الذي قتل ولايزال آلافاً مؤلفة من الفلسطينيين، وبرئيس وزراء بريطاني سابق عليه شبهات جرائم حرب في العراق ما أنزل الله بها من سلطان. والله، أنعم بها لجنة وأنعم به مجلس سلام!
ويبدو أن ترامب آخذ في تنفيذ مشروعه المنتجعيّ في غزة، الذي صاغته النقطة 10 على استحياء، وفي الوقت ذاته بفظاظة وقلة أدب غير مسبوقين تجاه آلاف القتلى ضحايا حرب إبادية بشعة ما زالت مستمرة على أرض المنتجع المرتقب. أما المادة 13 فهي -مشكورة- تقضي على كل شكل حقيقي وفاعل من أشكال المقاومة الفلسطينية بالقضاء على حماس وكل بناها التحتية الموصوفة بـ «الإرهابية»، وذلك حتى «تلتزم غزة الجديدة التزاماً كاملاً ببناء اقتصاد مزدهر والتعايش السلمي مع جيرانها». إن كاتب هذه الجملة لا بد أنه أنه سيكوباتي فاحش، إذ لم يكتف بصياغة مادة تنص على القضاء على المقاومة التي تصد عن المدنيين العزل، ولكنه كذلك يوجه أمراً لهؤلاء المدنيين منزوعي السلاح والذين تعرضوا للتو لواحدة من أبشع حروب الإبادة في العالم، بالتعايش السلمي ثم يطلق وعوداً ببناء اقتصاد مزدهر على أرض غرقت بالدم، والتي كل أهلها محطمون نفسياً وبدنياً بالفقد والإصابات والإعاقات والتجويع والتحطيم الذهني الكامل. أي حقارة تحملها لغة هذه الخطة في طياتها!
هذا وطبقاً للمادة 15، «ستعمل الولايات المتحدة مع الشركاء العرب والدوليين على إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة» والتي ستدعم قوات الشرطة الفلسطينية في غزة. هذه النقطة تحديداً ستنخر في البنية العربية المخلخلة أصلاً، وستضع عرباً أمام عرب فرجة أمام العالم وهم يخوّنون بعضهم وينشرون غسيلهم الذي تعفن طويلاً ببلله. أما النقطة 16 فتؤمّن، في الواقع، البقاء الأمني لإسرائيل في غزة على عكس ما تحاول هذه المادة أن تُظهر، وذلك لضمان ألا «تهدد غزة» إسرائيل أو مصر كما ورد في المادة. مازلنا في مرحلة الكتابة، والصياغة لم تأل جهداً لجعل الغزاويين يبدون إرهابيين، وبقية العالم -ومن بينهم جيرانهم المصريون- يبدون ضحايا مهددين. أي استخفاف بالعقول!
الخطة تعدنا في النهاية بإطلاق حوار بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن من سيمثل الفلسطينيين؟ إذا كانت الخطة ستمسح «حماس» من الوجود وتضع أوصياء عرباً ودوليين على غزة سالبة كل إرادة لأهلها، كما وستقلب المدينة إلى منتجع مبني فوق مقابر لم تقفل بعد، وعلى حساب أرواح لم تبدأ بالتشافي حتى، من هذا الذي سيمثل الجانب الفلسطيني؟ ربما ترامب أو بلير؟
هذا اعتراف، وتلك خطة، تسلبان غزة كل ما تبقى لها من إرادة فلسطينية، وتشلان قواها تماماً وتضعانها تحت سيطرة قوى خارجية تحيلها ريشة في مهب قراراتها. هما اعتراف وخطة، تخدمان سعر برميل النفط وسوق السلاح وقيمة الدولار والقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وهذا الجاسوس القابع في قلب الوطن العربي. وهما؛ أي الاعتراف والخطة، ينفذان بمعية عصابة عالمية كبرى وجهها حكومي وقفاها مرتزق أفّاق. دول عصابة يا بابا…
كل الأعين على أسطول الصمود، الله ينصركم ويحفظكم.
*عنوان مسرحية لمحمد نجم

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية