لندن- “القدس العربي”:
أصبحت العواصم الأوروبية الكبرى تفكر في إنشاء نظام للدفاع رادع لكل من موسكو وبكين وكذلك واشنطن. ويضاف إلى مقترح ألماني يطالب بنهج اتحاد أوروبي “ذي سرعتين” لتفادي العراقيل نحو بلورة دفاع أوروبي متين.
ومنذ مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتخلي أوكرانيا عن إقليمها الشرقي دونباس لصالح روسيا من أجل إنهاء الحرب، أدرك الأوروبيون أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة مستقبلا في الدفاع الأوروبي. وتفاقم الأمر مع قرار إدارة ترامب الاستحواذ على جزيرة غرينلاند لأسباب وصفتها بحماية الأمن القومي الأمريكي من روسيا والصين مستقبلا.
وبدأ الأوروبيون يفكرون في استراتيجيات جديدة ومنها ما أورده الموقع الفرنسي المتخصص في الملفات العسكرية “ميتا ديفانس”، حيث يؤكد أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة الدفاع الأوروبي القائم على الحماية الأمريكية. ويبرز كيف بدأت هذه التحديات تؤدي الى سؤال بسيط ولكنه استراتيجي وحاسم بالنسبة لمستقبل أوروبا”: كيف يمكن بناء تحالف عسكري أوروبي، انطلاقاً من مجموعة مختارة من الدول، وتزويده بالهيكل والميزانية اللازمين لجعل أي عمل عدائي مكلفاً للغاية، سواء كان من روسيا على الأرض، أو من الصين في البحر، أو من الولايات المتحدة في أراضٍ بعيدة.
ينطلق الخبراء من وجود سلاح نووي أوروبي للردع وهو السلاح الفرنسي والبريطاني الذي بدأ يتخذ طابع الحماية الأوروبية
وينطلق الخبراء من وجود سلاح نووي أوروبي للردع وهو السلاح الفرنسي والبريطاني الذي بدأ يتخذ طابع الحماية الأوروبية، لا سيما بعدما بدأت بعض الدول ومنها السويد تتفاوض مع باريس ولندن حول الحماية النووية.
وعمليا، بدأت عواصم معينة تهتم بهذه الاستراتيجية وفق موقع غالاكسيا ميليتاري، حيث تقود ألمانيا مبادرة لإنشاء اتحاد أوروبي ”ذي سرعتين“، وتقترح أن تتفادى مجموعة مركزية من ستة اقتصادات كبرى نظام اتخاذ القرار التقليدي القائم على إجماع الكتلة والرهان على القرار النوعي من أجل تسريع التعاون في مجال الدفاع والقدرة التنافسية الصناعية، وذلك في ظل الضغوط الجيوسياسية المتزايدة.
وعمليا، في تطبيق للقرار النوعي وليس الإجماع، عقد وزراء اقتصاد ست دول وهي ألمانيا وفرنسا واسبانيا وبولندا وإيطاليا وهولندا اجتماعا الأربعاء الماضي تناول كيفية جعل الاستثمار في الدفاع أولوية الأولويات خلال السنوات المقبلة. وقدمت برلين ورقة في هذا الشأن تنص على اتحاد أوروبي “ذي سرعتين”. وجاء في وثيقة هذا المشروع جعل الدفاع عنصراً أساسياً في الميزانية المتعددة السنوات المقبلة للاتحاد الأوروبي، وكذلك جعل الدفاع محركاً للنمو الاقتصادي في القارة.
إن مفهوم السرعتين من أجل تكامل أوروبي أعمق، وإن لم يكن جديدًا تمامًا في مناقشات الاتحاد الأوروبي، فإنه يكتسب زخما جديدا في الوقت الذي يواجه فيه الاتحاد ما يصفه الكثيرون هنا بالحاجة الملحة إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال الدفاع. وبالتالي أصبحت الحاجة الى اتفاق القوى الكبرى اقتصاديا وعسكريا أمرا ملحا.
وباستثناء استدعاء بولندا، جرى تهميش باقي دول أوروبا الشرقية، لأنها موزعة بين الولاء لواشنطن أو موسكو، كما أنها عادة ما تعرقل الكثير من المبادرات الدفاعية رغم ضعف اقتصادها وجيوشها. وكان الرئيس الفرنسي جاك شيراك رفقة المستشار الألماني شرودر قد ألمح سنة 2003 مع أزمة حرب العراق الى ضرورة وجود “أوروبا من سرعتين” لتفادي التأخير الحاصل في الدفاع والدبلوماسية، وذلك بعدما أيدت أوروبا الشرقية الحرب الأمريكية ضد العراق.
وتمتلك الدول الأوروبية الست مقومات الجيش الأوروبي الكبير لأنها تتوفر على حاملات الطائرات وغواصات وتصنع المقاتلات المتطورة وتمتلك جيوش احترافية. وفي رفع للتنسيق العسكري والاستثمار في الصناعة الحربية، ستكون قادرة على مواجهة أي تهديد عسكري مهما كان مصدره روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة.