دلالات عودة «كابوس» الاستيطان إلى جنين

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

جنين ـ «القدس العربي»: كان بإمكان فريق «تجوال وترحال- جنين» المتخصص في تنظيم تجوالات ومسارات طبيعية وبيئية تنظيم مسار مشي من غرب مدينة جنين حيث بلدة عانين على حدود الخط الأخضر (الذي يفصل بين المناطق الفلسطينية في فلسطين التاريخية) إلى بلدة جلبون شرق المحافظة، من دون ان يشعر القائمون عليه بالخطر والقلق.
يتخلل المسار المذكور الذي يبلغ خمسة وثلاثون كم، عشرات القرى والبلدات إلى جانب مدينة جنين التي تتوسطه، ويحتاج إلى اجتيازه نحو ثماني ساعات مشيا على الأقل. كان ذلك يعني للفريق ولكافة المهتمين بالمسارات الطبيعية والبيئية فرصة ثمينة ونادرة للارتماء في الطبيعة الفلسطينية وجولات اكتشاف المحافظة التي بقيت طوال 20 عاما براحة جزئية نسبيا من هجمات المستوطنين وممارسات مشروعهم الاستيطاني.
لكن الأسبوع الماضي حمل مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر «الكابينت» على إقامة وشرعنة 19 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة، شملت المصادقة الموافقة على إعادة تشييد مستوطنتي جانيم وكاديم الواقعتين بالقرب من جنين شمال الضفة، وذلك بعد أن تمت المصادقة قبل أشهر على تشييد مستوطنتين أخريين في المنطقة نفسها بعد أن تم إخلاؤهما عام 2005، وهما حومش، وسانور، لتكتمل بذلك عملية عودة الاستيطان الكاملة إلى مستوطنات شمال الضفة.
الإعلام العبري وصف الخطوة بأنها «ثورة حقيقية، وزلزال في عالم الاستيطان».
لم يكذب المستوطنون المتحمسون للنشاط الاستيطاني الخبر، فبعد أيام على القرار ظهر مستوطنون يعودون إلى مستوطنتي جانيم وكاديم كخطوة تمهد لإعادة الاستيلاء على مكانهما السابق وخاصة مستوطنة جانيم التي لا تبعد سوى مئات الأمتار عن منازل ومنشآت بعض المواطنين في الأحياء الشرقية للمدينة.
وحسب الاحتلال فإن الخطوة الجديدة تعبر عن تصحيح تاريخي لمشروع الاستيطان، الذي تلقّى ضربة قاسية خلال عملية فك الارتباط من غزة وشمال الضفة عام 2005، «إنها بداية تحقيق العدالة التاريخية للعائلات التي هدمت منازلها قبل 20 عاماً، بل أكثر من ذلك، إنها نبأ سار ومهم لدولة إسرائيل بأكملها».
أما رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، الوزير مؤيد شعبان، فاعتبر القرار الإسرائيلي الجديد يأتي في سياق «إبادة الجغرافيا الفلسطينية لصالح مشروع الاستيطان الاستعماري»، أما سكان المدينة الذين عاشوا سنوات بعيدا عن هجمات المستوطنين فأصبحوا يتحسسون أنفسهم وأراضيهم ومنازلهم وتحديدا من يعيشون بالقرب من المستوطنتين جانيم وغانيم جنوب المدينة.
وكانت جانيم بؤرة استيطانية إسرائيلية في محافظة جنين، وأُدرجت إدارياً ضمن مجلس شمرون الإقليمي، حيث أسّستها منظمة «بيتار» الشبابية الصهيونية عام 1983، واشتُق اسمها من الاسم التوراتي لمدينة جنين القريبة.
وأُخليت البؤرة الاستيطانية ودُمّرت منازلها ضمن خطة فك الارتباط الأحادية الإسرائيلية عام 2005.
ويعود آخر وجود لقوات الاحتلال في المستوطنة إلى تاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2023، حين اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي موقع مستوطنة جانيم المُخلاة، الواقعة جنوب مدينة جنين.
وكانت جانيم تضم نحو 30 أسرة، ويعيش فيها قرابة 100 شخص، وأُقيمت فوق أراضٍ صُنّفت على أنها «خزينة دولة» بمساحة 185 دونماً بشكل مباشر، ثم جَرت مصادرة 1863 دونما لاحقاً من أراضي المواطنين.
وتوسّعت جانيم تدريجياً ضمن مساحتها الهيكلية، ولا سيما فوق أراضي قرية عابا الشرقية المتاخمة للمستوطنة، ثم باتجاه المحمية الطبيعية وآثار قرية أم التوت، ورغم أن عدد سكانها لم يتجاوز 100 مستوطن، فإن هذا العدد تراجع قبيل انتفاضة الأقصى عام 2000، كما ضمّت المستوطنة، المصنّفة مدنية، مصنعاً للمواد الكيميائية.
أما مستوطنة كاديم، فتقع على مقربة منها، وأُسّست عام 1981، وتقع شرق محافظة جنين، وتنتشر فوق مرتفعات منخفضة تحتوي عدداً من المغارات، وتبلغ مساحتها 332 دونماً، وكان يعيش فيها نحو 35 عائلة، ويبلغ عدد سكانها 165 شخصاً.
وتشير المصادر إلى أن اسمها اشتُق من قرية بيت قاد الفلسطينية المجاورة، وتتوسط المستوطنةُ مدينةَ جنين وبلدة قباطية جنوباً، وقرى أخرى محيطة، وبلغت مساحتها نحو 160 دونماً، إضافة إلى أراضٍ تُعد أملاكاً خاصة في قباطية، ثم امتدت لاحقاً لتسيطر على نحو 400 دونم، وتقع في الاتجاه المقابل مستوطنة جانيم، وعلى مسافة كيلومتر واحد منها، والتي أُخليت معها أيضاً.
وبلغ عدد مساكن المستوطنة نحو 80 وحدة سكنية، كما ضمّت ملاعب ومجلساً للخدمات، وتحولت مع بداية انتفاضة الأقصى عام 2000 إلى قاعدة عسكرية للجيش الإسرائيلي ومحطة لتدريباته.
وسبق القرار الجديد نشاط استيطاني عاد إلى شرق المدينة عام 2021 حيث نشط تجمع للمستوطنين في جبل أبو الشوارب المطل على بلدة كفرراعي، وكذلك في مستوطنة ترسلة بالقرب من بلدة جبع، وحومش على قمة الجبل المطل على بلدة سيلة الظهر.
تشير المعلومات أن الاستيطان تأخر في محافظة جنين عن المحافظات الفلسطينية الأخرى؛ حيث أقامت سلطات الاحتلال تسع مستوطنات في المحافظة إلى جانب مستوطنتي غانيم، وقديم/كاديم، وهي: مابودوتان، جانيت، شاكيد، حنانيت، ريحان، تل منشة، وحرميش، على مساحة إجمالية قدرها حوالي 2942 دونمًا من أراضي المحافظة. أما مساحة مناطق «النفوذ الأمني» للمستوطنات فبلغت حوالي 34190 دونمًا.
وحسب مركز المعلومات الفلسطيني فإنه يمكن تقسم المستوطنات الإسرائيلية في المحافظة جغرافياً إلى ثلاث مجموعات، الأولى المستوطنات المخلاة عام 2005، وتضم: مستوطنة كاديم، جانيم، وترسلة، وحومش، (وجميعها سيتم العودة إليها)، أما المجموعة الثانية فتضم المستوطنات التي ضمها جدار الفصل العنصري، وهي مستوطنات تجمع شاكيد الاستيطاني أو مجمع ريحان الاستيطاني، وتضم: شاكيد، وحنانيت، وريحان، وتل منشة.
أما المجموعة الثالثة فتضم المستوطنات خارج جدار الفصل العنصري أي داخل حدود الضفة الغربية وتحديدا الجهة الجنوبية الغربية من مدينة جنين، وتضم: مستوطنة ميفو دوتان، وحرميش حيث بدأ النشاط الاستيطاني الجديد يظهر بالقرب منهما.
أما النشاط الجديد في شرق المدينة فيتركز على قمة جبل أبو الشوارب الذي يعود لأهالي (وتبلغ مساحته 162 دونما) بلدة كفرراعي شرق مدينة جنين.
ومستوطنة ترسلة تقع على الطريق الرئيسي جنين نابلس، متوسط تجمع قرى عجة، صانور، جبع. وتقدر مساحتها بـ 77 دونما. وفيها مبنى قديم يعرف بـ (مقاطعة)، مسجد قديم، تم تحويله إلى كنيس يهودي.
أما مستوطنة حومش فتقع الى الجنوب الشرقي من بلدة سيلة الظهر وتتمتع بموقع جغرافي مميز لارتفاعها على قمة جبل يسمى العتيبات، حيث ترتفع عن سطح البحر بـ 680 مترا. تبلغ مساحتها تقريبا ألف دونم مربع. تم إنشاؤها عام 1978 فتشهد حضورا استيطانيا أسبوعيا وهو ما يجعل المواطنين يعتقدون أنها ستعود مستوطنة نشطة في قريب الأيام.
وبحسب ابن المدينة، والباحث في تحولاتها السياسية إبراهيم ربايعة فإنه مع كل حدث أمني في الضفة كان يخرج وزراء اليمين الإسرائيلي إلى الاعلام مطالبين بعودة الاستيطان وتكثيفه على قاعدة أن تعزيز الاستيطان يشكل قاطعا ومانعا للأعمال الفلسطينية المقاومة كما يخلق نظام استجابة سريع في حال وقوع أي حدث أمني.
وأضاف ربايعة: «هذه المقاربة رسخت السردية الإسرائيلية حول شمال الضفة وتحديدا جنين حيث كان يقال إن ما عزز من حالة المقاومة في جنين هو غياب الاستيطان من محيط المدينة حيث أعطى مساحة وترابطا وتماسكا بين كل أركانها لتشكل حالة نضالية مترابطة».
واعتبر ربايعة أن بنية الاستيطان المتجدد في المدينة تقوم على تقطيع للمحافظة وخلق خطوط مواصلات موازية في كل مناطق المحافظة.
وأكمل قائلا: «المشروع في جنين أمني وما يجري في مخيم جنين ليس بعيدا عن ذلك، فالحديث عن شروط للعودة إلى المخيم ليست بعيدة حيث أغلب النقاط تركز على جوانب أمنية إلى جانب البعد السياسي الذي يتعلق بتفكيك المخيم واللجوء لكن الأساس هنا بالنسبة لإسرائيل هو موضوع أمني».
وأضاف: «يعني ذلك أن الاحتلال يقدم مقاربة الضبط والسيطرة بالاستناد على العقيدة الأمنية المستجدة التي تقوم على المنع وليس الاحتواء، فالمنع وفق العقلية الإسرائيلية يتعامل مع عدو مفترض ولذلك أحد الافتراضات الإسرائيلية التعبوية والتي سبقت العملية العسكرية في جنين قبل عام كانت تقوم على فكرة أن جنين تشكل خطرا مثل قطاع غزة، حيث انها قريبة من الداخل المحتل عام 1948، وبالتالي القدرة على انتقال أي حالة مقاومة ناضجة من مكانها إلى المستوطنات القريبة هي قدرة سريعة. ولذلك العملية العسكرية التي قامت على تدمير وتهجير مخيم جنين مع عودة المستوطنين في المدينة، ترافقها فكرة أن المستوطنات الجديدة تعمل وتحقق قواطع متعددة الأبعاد».
وحول البعد السياسي لعودة النشاط الاستيطاني في شمال الضفة وعموم مناطقها عامة، يشير ربايعة بإنها تتعلق بفكرة تقطيع الضفة لمنظومة معازل تشبه رقعة الشطرنج تمنع قيام دولة فلسطينية ارتكازا على الوضع القائم. بمعنى، والحديث لربايعة، خلق واقع سياسي وأمني وجغرافي جديد يكون فيه الاستيطان غير قابل للتراجع، فجنين كانت المنطقة الوحيدة في الضفة شبه خالية من المنظومة الاستيطانية، وبالتالي التقطيع هنا يتكامل مع الرؤية الشاملة أما التسريع بإنجاز هذه العمليات فيتصل بالخشبة من حدوث أي متغير دولي يعرقل الاندفاع الاستيطاني في الضفة والقدس.
أما الدكتورة سناء زكارنة، المتخصصة في السياسات والعلاقات الدولية فترى في عودة المستوطنين بالحدث الذي «لا يمكن قرأته على أنه خطوة عابرة أو مسألة أمنية مؤقتة، بل تعكس في جوهرها تحولا كبيرا واستراتيجيا لمقاربة الاحتلال للمحافظة ومحيطها، فجنين ليست مسألة جغرافية فقط، بل هي حالة سياسية ونضالية ورمزية، وكل المحاولات تدلل على أن الاحتلال معني بكسر هذه الحالة».
وتابعت زكارنة حول أثر العودة على المحافظة: «أرى أن تأثير ذلك على المحافظة سيكون عميقا، فعلى المستوى الأمني ستدخل جنين مرحلة استنزاف دائم من خلال الاقتحامات المتكررة ونقاط تماس دائمة وتضييق على الحركة والاقتصاد، وهذا يعني ان تتحول الحياة في جنين إلى حالة طوارئ مفتوحة وهو أمر سينعكس على البنية الاجتماعية حيث ستعاني المحافظة من الفقر والبطالة والخوف.
سياسيا يراد لجنين، أن تُنزع من موقعها كرمز للمقاومة إلى مدينة محاصرة تدار بالقوة، فأبعاد عودة المستوطنين ستكرس منطق الحسم بالقوة من دون أي افق سياسي، وربما يفتح الباب لتعميم نموذج جنين لباقي المحافظات، إلى جانب تقويض فكرة الدولة الفلسطينية».
وتختم بالتشديد على أن النتيجة النهاية تشير إلى اننا لا نواجه عودة للمستوطنين فقط، بل إعادة هندسة المدينة وشمال الضفة الغربية والعنوان فرض الوقائع بالقوة.
أما الناشط السياسي ثامر سباعنة فاعتبر أن العودة تمثل كابوسا حقيقيا، فهي تعني مزيدا من نقاط التماس مع السكان، ومزيدا من الاعتداء لحماية المستوطنين وهي الحجة المثالية لبقاء العملية العسكرية داخل جنين ومخيمها.
وأضاف: «ستتوسع الإشكالية لتشمل انخفاضا في وصول الفلاحين للأراضي وانخفاض الإنتاج الزراعي والحيواني، وبالتدريج سنرى استحواذا ومصادرة واسعة للأراضي بحجج أمنية، وكل ذلك يعني تغيير مفردات الخريطة الحياتية، التي قد يترتب عليها عمليات نزوح داخلي وتحول المواطنين من مناطق لمناطق بعيدة عن المستوطنات».
وختم بالإشارة إلى أن سياسة الاحتلال تدلل على انه يرى ان خروج الاستيطان من جنين عزز من الحالة النضالية، لكن ما لا يفهمه الاحتلال أن وجود الاستيطان والبؤر الجديدة سيعزز من حالات المواجهة، فعقوبة المدينة بالمد الاستيطاني سيترتب عليها مواجهة لا نعرف طبيعتها.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية