نواكشوط – «القدس العربي»: في سياق الاحتفاء الوطني بشهر اللغة العربية المتواصل حاليا تحت شعار: «مسارات مبتكرة للغة العربية: سياسات وممارسات من أجل مستقبل لغوي أكثر شمولا»، تصاعدت في موريتانيا دعوات جديدة لتعزيز مكانة العربية وتطوير آليات تدريسها ونشرها رقمياً داخل موريتانيا وخارجها.
وضمن الندوات الخاصة بإحياء شهر اللغة العربية، ناقشت الأوساط الأكاديمية والثقافية الموريتانية عدة موضوعات، بينها ضرورة إنشاء جامعة رقمية للتعليم عن بُعد تُعنى بتدريس العربية وعلومها، إلى جانب الدعوة لتأسيس مركز دولي للتدقيق اللغوي، وإنشاء جهاز يُعنى بربط العربية بلغات إفريقيا، بما يمكّن من توسيع فضائها المعرفي والارتقاء بأدوارها الثقافية والحضارية.
وتندرج هذه المبادرات في إطار مسعى وطني وإفريقي أوسع لتعزيز حضور العربية، وتحديث أدوات استخدامها، وإسناد مكانتها كلغة جامعة تمتلك رصيداً تاريخياً وعلمياً عميقاً في منطقة الساحل والصحراء.
ضمن احتفاء موريتانيا بشهر اللغة العربية
وأطلق مجلس اللسان العربي في موريتانيا أمس فعاليات شهر اللغة العربية لسنة 2025، بحضور جمع من اللغويين والمثقفين ومحبي لغة القرآن، فضلاً عن قادة الهيئات المعنية بتمكين اللغة العربية، وفي مقدمتهم أعضاء منسقية سدنة اللغة العربية.
وفي مداخلة افتتاحية لهذه الفعاليات، أكد الحسين مدو وزير الثقافة الموريتاني الناطق باسم الحكومة «أن احتضان موريتانيا لشهر الاحتفاء باللغة العربية، يعكس المكانة الرفيعة التي توليها الدولة للغة العربية، باعتبارها «لغة القرآن، ووعاء القيم والمعارف، وجسر التواصل بين الأجيال والشعوب».
وذكّر الوزير بما تحققه العربية من توسع وتقدم عالمي، حيث أصبحت لغة رسمية لأكثر من 27 دولة، ولغة أولى لأكثر من 550 مليون شخص، ولغة دينية لملياري مسلم عبر العالم، غير أن ذلك، يضيف الوزير، لا يعفينا من مواجهة التحديات التي تتعرض لها اللغة العربية اليوم».
وفي عرض آخر ضمن فعاليات الاحتفاء باللغة العربية، أعرب الخليل النحوي، رئيس مجلس اللسان العربي، «عن اعتزازه بالتطور اللافت في الاحتفاء بلغة الضاد في موريتانيا»، مشيراً «إلى أن عدد الهيئات المشاركة في احتفالات العربية ارتفع من أربع هيئات فقط عند البداية، إلى أكثر من عشرين هيئة اليوم، كما تطور زمن الفعالية من يوم واحد (18 كانون الأول/ديسمبر) إلى أسبوع، ثم عشرة أيام، ليصبح شهراً كاملاً تقدّمت موريتانيا في اعتماده على بقية الدول، قبل أن تتبناه جامعة الدول العربية لاحقاً».
وأكد النحوي «أن شعار هذا العام ينسجم مع المكانة العالمية للعربية كلغة ابتكار ومستقبل، مذكراً بدخول اللغة العربية العام الماضي نادي اللغات العالمية ذات المعاجم التاريخية، بعد إنجاز أول معجم تاريخي للغة العربية باعتراف اليونسكو به كأضخم معجم لغوي في تاريخ البشرية».
وشدد خطاب منسقية سدنة اللغة العربية، الذي ألقاه الدكتور محمد كوريرا، على ضرورة تجاوز الازدواجية اللغوية التي تُقسّم المجتمع الموريتاني «إلى أمة ناطقة بالعربية وأخرى بالفرنسية»، مؤكداً «أن العربية لغة الأمة الجامعة ولغة علم وعمل».
وطالب كوريرا «الدولة الموريتانية بتطبيق المادة السادسة من الدستور الموريتاني تطبيقاً كاملاً»، مشيراً «إلى أن الأجيال الإفريقية السابقة درست العلوم والفقه بلغاتها المحلية مكتوبة بالحرف العربي، وهو ما يؤكد عالمية العربية واستيعابها للتنوع الثقافي».
وتسلّم وزير الثقافة خلال الحفل عريضة 28 نوفمبر للسيادة اللغوية، المقدَّمة من طرف 62 هيئة وجمعية موريتانية، والمتضمنة لتسعة مطالب، أبرزها إصدار قانون نظامي يضمن احترام المادة السادسة من الدستور، وتعزيز حضور العربية في الإدارة والتعليم والإعلام، ووضع سياسات عملية للتمكين من اللغة الرسمية للبلاد، ومقترحات عملية لتعزيز المكانة الدولية للعربية.
وفي عرض حول مسار إنجازات العام الماضي ومستقبل الجهود في العام المقبل، أوضح محمد الأمين الفاظل، الأمين العام للحملة الشعبية للتمكين للغة العربية، ثلاثة مقترحات مركزية موجّهة للدولة الموريتانية، «أن موريتانيا مؤهلة اليوم لقيادة جهد عربي إفريقي في خدمة العربية، في ظل توقف مؤسسات سودانية كانت سبّاقة في هذا المجال، مثل جامعة إفريقيا العالمية ومركز يوسف الخليفة لكتابة اللغات بالحرف العربي».
وشملت فعاليات شهر الاحتفاء باللغة العربية عدة نشاطات بينها قيام مجلس اللسان العربي بتوزيع بطاقات رقمية تتيح الوصول الفوري إلى مجلدات المعجم التاريخي للغة العربية البالغة 127 مجلداً، إضافة لجلسة تشاور وتنسيق بين أعضاء منسقية سدنة اللغة العربية، مخصصة لمناقشة برنامج فعاليات شهر العربية وآليات تعزيز التعاون بين الهيئات العاملة في خدمة اللغة.