مع التطور التكنولوجي والأبحاث الطبية، ينجح كثيرون في التأقلم والتعايش مع السكري. غير أن المرض يواصل التسبب في أكثر من مليون ونصف مليون حالة وفاة سنويا حول العالم، أما بسبب ضعف التشخيص أو اكتشاف الحالة في مراحلها المتأخرة بعدما تؤدي إلى الإصابة بقصور كلوي ومشاكل في العين والقلب والجلطات وغيرها من الأمراض المرافقة وحتى التأثيرات النفسية التي تحتاج إلى علاج في معظم الحالات. ومع كل ما يحمله هذا المرض من مخاطر، إلا أن الوقاية تبقى ممكنة للحد من المضاعفات المرافقة له، مثل ارتفاع ضغط الدم والكولسترول وعجز الحركة. وبدأت معظم الدول المتقدمة بفرض ضرائب على السكر بهدف تقليل الأضرار المترتبة عن كثرة تناوله، وفي الوقت نفسه التوعية بمخاطر الوجبات السريعة والمأكولات المصنعة التي تعتبر واحدة من مسببات السكري.
فكيف نحمي أنفسنا من الإصابة، وكيف نتعايش مع المرض ونحد من مضاعفاته؟
طرحنا هذه التساؤلات على الدكتور ابراهيم شريف أخصائي الأمراض الباطنية والطب الوظيفي فأجاب قائلا:
“هناك نوعان من السكري، الأول يحدث عندما الإصابة بمرض غالبا ما يكون فيروسيا يدمر إمكانية البنكرياس على إفراز الأنسولين، ومريض هذا النوع يحتاج إلى حقن الأنسولين طوال حياته.
والنوع الثاني يتمثل في إفراز البنكرياس كميات أكبر من الأنسولين بحيث يساعد الجسم في أن يدخل كمية معينة من السكر في الخلايا.
والمشكلة هنا أن الخلايا تفقد حساسيتها للأنسولين وتصبح مثل الإنسان المصاب بالطرش لا تسمع ولا تستجيب.
فيقوم البنكرياس بإفراز الأنسولين ويحفز على استقبال السكر في الخلايا وهنا يستطيع المريض السيطرة على السكري من خلال الحمية الغذائية والأدوية وذلك حسب الحالة”.
وتابع: “المشكلة كبيرة وجادة، خاصة أن دول شمال افريقيا والعالم العربي فيها أعلى معدلات الإصابة بالسمنة ومرض السكري. للأسف نحن تبنينا نمط الغذاء الغربي بالكامل وتحديدا الوجبات السريعة التي أصبحت في متناول الجميع”.
أسباب وعلاجات
لعل من الأسباب الأساسية للإصابة تناول الغذاء المصنع، فالإنسان العربي هو أكثر من اكتوى بنار نمط الغذاء الغربي والأمريكي بالإضافة إلى الوجبات السريعة، وهذا سبب مباشر تضاف له قلة الحركة. ولكون مرض السكري مزمنا فهو لا يحصل فجأة، إذ يحتاج إلى حوالي عشرين سنة حتى يتكون، فتراكم سلبيات النمط الغذائي تعتبر واحدة من مسببات المرض.
أما عن أسلوب العلاج وتطوره فقد أشار الدكتور ابراهيم شريف إلى أن هناك العلاج التقليدي ويكون المريض ملتزما بتعليمات الطبيب وتحت إشرافه وهو يقرر طبيعة العلاج وعلى المريض تنفيذ التعليمات. وفي هذه الحالة لا يكون للمريض أي دور. وفي عصرنا الحديث تغيرت أساليب العلاج وأصبح للمريض الحق في شراكة أساسية مع الطبيب وقد يضع الخطة والطبيب يكون كالمدرب دوره ان يساعده.
وأوضح أن مرض السكري إذا لم تتم السيطرة عليه فقد يؤثر على الأعصاب والأوعية الدموية ويسبب النوبة القلبية والجلطة الدماغية وقد يؤدي إلى بتر الأطراف، وهو من أهم أسباب الفشل الكلوي.
وعندما نشعر بالجوع وبشهية للأكل علينا دائما الانتباه لنوعية وكمية ما نتناوله، والشعور بالخمول أيضا والزيادة في الوزن في منطقة البطن علامات قد تعطي مؤشرات بأن الشخص معرض للإصابة بالسكري.
السيطرة على المرض
ويرى الدكتور شريف أنه مع كل المشاكل المصاحبة للسكري إلا أن السيطرة عليه ممكنة، خاصة في مراحله الأولى أي إذا تم اكتشافه مبكرا والتزم المريض بحمية غذائية وزاد من نشاطه البدني وقلل من الضغوط النفسية واهتم بنوعية نومه، فالنوم مهم جدا.
ونصح بالعودة إلى الطعام الطبيعي والابتعاد عن كل المعلبات بدون استثناء وتجنب استعمال الزيوت النباتية في الطهي واستبدالها بالزيوت المركزة مثل زيت جوز الهند والسمن البلدي الذي لا يتحول مع الحرارة، وتناول أكبر قدر ممكن من الفواكه والخضراوات.
ولعل زيادة النشاط البدني والمشي على الأقل 30 دقيقة يوميا تساعد الجسم على حرق السعرات المتراكمة.
ومن الأمور التي تساعد على السيطرة على المرض وحتى العلاج منه، الابتعاد عن القلق من خلال الاستماع إلى الموسيقى والتأمل والروحانيات والقراءة ولقاء الأحبة.
المريض لا يقبل مرضه
ويقول الدكتور أحمد الأبيض الطبيب التونسي والباحث في المسائل النفسية والاجتماعية لـ”القدس العربي”: “أخذنا المأكولات الغربية وصرنا من المستهلكين الأوائل، وهذا يذكرنا بمقولة ابن خلدون في “المقدمة”: “المغلوب مولع بتقليد الغالب” الأمر الذي جعلنا نستهلك أطعمة من دون أن نتبين مدى صلاحيتها لنا. والملاحظة الثانية ضغط الحياة العصرية يجعل الإنسان يعاني من اضطرابات في الغذاء زيادة أو نقصانا.
وعندما يتعرض الإنسان إلى القلق إما ان تحدث لديه رغبة في تناول الطعام أو نقص في الشهية لمحاولة اسكات القلق الذي يعيشه. وحين يكون الإنسان مضطربا ولا يجد مصدرا للسعادة يكون ميالا للبحث عن مدخل يجد فيه اللذة.
وأقرب مدخل للذة هو الطعام، الأمر الذي يجعله يستهلك لا لأنه يحتاج وانما بحثا عن لذة افتقدها في حياته”.
وأضاف: “يجب أن لا ننسى أن التوتر يزيد من مستوى السكري في الدم الذي لا يظهر على مستوى المقياس والتحليل إلا عندما يفقد الإنسان خمسين في المئة من خلاياه المنتجة للأنسولين. لذلك تلتقي عناصر متعددة ثقافية وحضارية ووضع اجتماعي سياسي وكل هذه الأمور تدريجيا تساهم في الإصابة”.
وأشار إلى ان مجتمعاتنا استهلاكية والإعلانات والإعلام يغريان الناس، فعندما نتابع قنواتنا العربية نجد أن أكثر مادة للإعلان هي الأطعمة بأنواعها وأشكالها والإنسان يستهلك ما يعرض عليه. فالقنوات التلفزيونية لا تعرض عليه حرية ولا ديمقراطية ولا مطالب بناء وبحث علمي.
ويحذر د. الأبيض من الاستهتار وإهمال المريض لصحته فهو لا يقبل مرضه في البداية ولا يشعر أن هناك مشكلة حتى تبدأ الأعراض في الظهور.
على المصاب بالسكري ان يتقبل أن المرض سوف يستمر معه بقية حياته لأنه ليس هناك من علاج شاف حتى الساعة، على الرغم من بعض الدراسات التي تشير إلى إمكانية زرع خلايا جذعية قد تسهم في الشفاء منه نهائيا.
عائلة المريض
ويشرح طريقة التعامل مع المريض والمحافظة على مشاعره قائلا: “عند معرفة المريض بأن العلاج سيكون مدى الحياة يصير حملا ثقيلا على كاهله، يصعب عليه ان يتحمل مقاطعة الحلويات والفواكه، وهنا يجب على العائلة أن تعدل من غذائها بما يتماشى مع المريض، فلا يصح أن يتناولوا الحلويات بكثرة والأفضل الامتناع عن تناول السكريات خاصة إذا كانت لديهم القابلية الوراثية للإصابة فعليهم اتباع نظام غذائي مناسب مثل المريض. ومن مصلحة العائلة ان تتعامل مع المريض كأن لا مشكلة صحية لديه.
ورفض المريض لواقعه قد يؤدي إلى الاكتئاب، ونصيحتي ان يدرك المشكلة حتى يقدر على أن يتأقلم معها وتكون الآثار السلبية على صحته أقل وطأة. وأيضا بالعودة إلى الغذاء الطبيعي وإلى الغذاء المتوسطي.
وختم “حتى ينضبط المريض علينا نحن الأطباء ان نجعله شريكا معنا في ترتيب الحمية وطريقة أخذ الدواء لا أن نعطي تعليمات فقط، لأن الدراسات بينت ان أكثر من 70 في المئة من المرضى عندما تأتيهم تعليمات الطبيب لا يلتزمون بها، في حين عند طرح المعطيات الطبية عليه ويكون شريكا مع الطبيب في كيفية العلاج والنمط الغذائي فتقريبا 63 في المئة يتجاوبون معنا وهذا يحتاج إلى مشاركة العائلة أيضا في العلاج ما يجعل الالتزام بالغذاء الصحي أكثر نجاعة ولا يكون الأمر مفروضا على المريض.