«خمسة وسبعون عاماً من الإبداع» … لقطات من رحلة الفنان صبري عبد الغني

القاهرة ــ «القدس العربي»: «خمسة وسبعون عاماً من الإبداع» عنوان المعرض الذي أقامه غاليري (ضي) في القاهرة للاحتفاء بتجربة الفنان الراحل صبري عبد الغني (1923 ــ 2021)، هذه الرحلة التي تنوعت ما بين الرسم والتدريس والتأليف والترجمة لكتب الفن المختلفة. تخرج الفنان الراحل في كلية الفنون الجميلة في القاهرة عام 1947، وحصل على درجتي دكتوراه، أولها من جامعة بودابست في 1964، والثانية من القاهرة عام 1982، وكان موضوعها عن بيكاسو والفن الافريقي. إضافة إلى عمادته كلية التربية الفنية.
أصدر عبد الغني عدة مؤلفات في الفن التشكيلي، منها، «التذوق الفني»، «علم المتاحف»، «البحث في الفراغ»، «الفن الشعبي»، وترجمة كتاب «التصميم والشكل» لجوهانز ايتين.

روح الرواد

للوهلة الأولى عند مطالعة أعمال الفنان صبري عبد الغني ــ رغم قِلتها ــ نلمح اتصالا لا يخفي بينه وبين جيل الرواد المصريين في الفن التشكيلي، دون التحيز لاتجاهاتهم التي أثرت في الكثير من الفنانين المصريين بعد ذلك، فقد نلمح تأثيرات كل من سيف وانلي، حامد ندا، محمود سعيد، وبعض من روح عبد الهادي الجزار، دون مباشرة في النقل عن هؤلاء عند معالجة موضوعاته، فلا انحاز إلى السريالية الشعبية، كما جسدها الجزار، أو بورتريهات الأرستقراطية كما فعل محمود سعيد وأتباعه. من ناحية أخرى لم يتأثر عبد الغني بفناني الاستشراق ولوحاتهم، التي تصوّر الطبيعة المصرية وناسها، وهو ما نجده لدى بعض الفنانين المصريين اليوم، بل الشباب منهم، ظناً أن مثل هذه الأعمال سترقى بهم إلى عقدة العالمية. كما لم نلحظ الصوت الثوري الزاعق في لوحاته، هذا الصوت الذي ضرب جميع الفنانين في الستينيات الفائتة، وكأنه أوراق اعتمادهم لدى نظام سياسي مُشوّه، أثقل الفن وشوّه أورواحهم بالتبعية، وكأن تلك الفترة ــ حسبما تم عرضه من لوحات ــ لم يعرها الفنان أدنى اهتمام، فقد تنقل الرجل بهدوء ووعي من مدرسة فنية إلى أخرى، وبالطبع تطورت رؤيته في معالجة موضوعاته وفق هذه المدرسة الفنية أو تلك.

التعبيرية

لم يستكن الفنان إلى مدرسة فنية اتبع نهجها وخاف مجاوزتها في أعماله، بل نجد الحِس التعبيري القوي في لوحات البورتريه والجسد العاري في مختلف أشكاله وأوضاعه، مع محاولة دؤوبة لخلق حالة من التناغم بين هذا الجسد والطبيعة الصامتة من أساس وأكسسوارات تحيطه والمكان، من خلال الإضاءة القاتمة في هذه اللوحات لنا استنتاج الطبقة أو الفئة الاجتماعية، التي تنتمي إليها الشخصيات، وهن الأقرب إلى النساء الشعبيات منهن إلى الفئات العليا، حيث الإضاءة وطبيعة تكوين الأجساد نفسها، فهن أيضاً لديهن فرصة الاحتفاء بأجسادهن، وحتى يبدو الصدق الفني عن هذه الفئة التي يعبّر عنها الفنان نجد التقنية التي تتوافق وموضوع وحالة اللوحة/الشخصية، فيستخدم الفنان السكين دون الفرشاة ونعومتها، بل يصبح الجسد هنا صورة من تفاصيل حادة حيّة تقترب أكثر من شخصية وحياة صاحبته.

التكعيبية

لم يقتصر الفنان على الأسلوب التعبيري، بل تطوّر إلى التكعيب والتعامل مع الموضوعات من خلال خطوط حادة وأشكال متداخلة، وهي مرحلة أخرى من مراحله الفنية، نلحظ أنها لم تتوقف عن التقليد أو الموضة، كما هو شائع عند العديد من الفنانين. ومن اللافت أن يستخدم الفنان هذا الأسلوب عند معالجته موضوعات تتماس والموروث الشعبي المصري ــ وإن كان بها مَس سريالي ــ ففي لوحات مثل قراءة الورق ــ الكوتشينة ــ أو قراءة الفنجان بين النساء، وهي من ثوابت التراث الشعبي المصري وحتى الآن، ودون أن يمسخها الفنان وينظر إليها من خلال منظور ما بعد حداثي جاهل ــ بمعنى فئة من الفنانين لا تعرف شيئاً عن الناس وعالمها، تحاول التعبير عنهم من خلال أعمالها الفنية، لتنتج لوحات كارثية، هي خليط من الادعاء والجهل ــ هنا يتداخل الأسلوب التكعيبي وبعض من التجريد للتعبير عن هذه الحالة، أو هذا الطقس بمعنى أدق.
الأمر نفسه عند معالجته موضوع يختص بعالم القرية المصرية وناسها وكائناتها، بداية من زاوية الرؤية وتخطيط الأجساد والمكان وكذلك الحيوان الأليف الذي يُشارك الرجل وامرأته المكان، وهو ما يختلف تماماً مع أسلوب لوحة أخرى تمثل الفلاحات والفلاحين في الحقل، بين الحقول والشجر والحيوانات.
وفي الأخير.. نرجو إتاحة عرض جميع أعمال الفنان صبري عبد الغني، أو طباعة كتالوج فني يحتوي أعماله مع مقالات نقدية رصينة توثق لتجربته وسياقها الاجتماعي، بعيداً عن أجواء المناسبات وكتابة تحصيل الحاصل.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية