بعد سنة ونصف من القتال، بدا العالم مصدوماً باكتشافه أن حماس ما زالت تحكم غزة. حماس جندت عدداً كبيراً من المقاتلين الجدد، بما في ذلك الفتيان (متوسط العمر هو 16.5 سنة)، وتسيطر على المساعدات الإنسانية في أرجاء القطاع. عند تسليم المخطوفين، أجرت حماس مراسم احتفال مرضية ومثيرة للغضب. هي لم تتغير، نفس المنظمة الإرهابية المجرمة والوحشية.
لا شك في النجاح العسكري الإسرائيلي. وباستثناء بعض الراديكاليين في الجامعات، لا أحد يشكك في شجاعة الجيش الإسرائيلي، أو أنها حرب مبررة ضد الإرهابيين الذين اغتصبوا النساء وأحرقوا الأطفال ونفذوا أعمالاً فظيعة. لا أحد ينفي الحاجة إلى عملية عسكرية صارمة بعد فظائع 7 أكتوبر.
لكن استخدام القوة وسيلة وليس هدفاً. والهدف هو ما كان ينقص الحرب. فشلت حكومة إسرائيل في طرح بديل واقعي لحماس – نظام بديل يضمن عدم تهديد حماس مرة أخرى، ويضمن لسكان غزة بألا تحكمهم حماس مرة أخرى. حكومة نتنياهو تنازلت عن المبدأ الأساسي لشن الحرب، وهو عدم الذهاب إلى المعركة بدون صورة واضحة “لليوم التالي” وبدون هدف سياسي نهائي وواضح.
الهدف السياسي هو حل للقطاع. لن توافق إسرائيل على بقاء حماس في السلطة. السلطة الفلسطينية غير مستعدة، أو غير قادرة، على إدارة قطاع غزة في المستقبل القريب. والاحتلال الإسرائيلي أمر غير محتمل وغير مرغوب فيه. وحالة الفوضى المستمرة تشكل تهديداً أمنياً على إسرائيل وكارثة إنسانية متواصلة لغزة.
ثمة حل لقطاع غزة، وسيوفر البديل الذي نبحث عنه، والاستقرار الذي نحتاجه. وهو أن تتولى مصر مسؤولية إدارة القطاع بشكل مؤقت، لمدة 8 سنوات يمكن تمديدها إلى 15 سنة، تكون غزة تحت نظام مصري مؤقت. في هذه الفترة، يتم إعادة إعمار غزة، وستنشأ ظروف لحكم ذاتي طويل. قبل أن تستطيع السلطة الفلسطينية لعب دور مهم في إدارة قطاع غزة، يجب عليها إجراء إصلاحات مهمة في جهاز التعليم لمنع التحريض، ومحاربة الفساد، وتحسين نجاعتها كجسم حكومي بشكل دراماتيكي.
خلال السنوات الثمانية، ستدمر مصر بنى حماس التحتية الإرهابية المتبقية في القطاع، بما في ذلك الأنفاق ومواقع إنتاج السلاح، ثم تشكيل جهاز أمني مشترك، مصري – إسرائيلي – أمريكي، يضمن تنفيذ الاتفاق ويمنع حماس من العودة وإعادة بناء قوتها العسكرية. يعد نزع السلاح من غزة شرطاً رئيسياً لإعادة الإعمار وإنهاء الحرب. لن نوافق على واقع تسيطر فيه منظمة إرهابية على غزة، بما يشبه حزب الله في لبنان.
مصر شريكة استراتيجية يمكن الاعتماد عليها. فهي تلعب دوراً رائداً في العالم العربي، والرئيس عبد الفتاح السيسي زعيم براغماتي يعارض التطرف الإسلامي والإرهاب. ولمصر علاقة تاريخية مع قطاع غزة، ومصلحة كبيرة في استقرار المنطقة. فقد حكمت غزة في السابق مدة 18 سنة، في الأعوام 1948 – 1967. كانت سنوات هادئة نسبياً.
السيطرة على غزة بحاجة إلى استخدام رافعة تساعد مصر على مواجهة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وضع مصر غير سهل؛ إذ عليها إطعام 120 مليون شخص تقريباً، ونسبة تكاثر بوتيرة 2 في المئة سنوياً. يبلغ دين مصر الخارجي 155 مليار دولار، وهو ما يضر بقدرتها على الخروج من الأزمة الاقتصادية ويؤثر في قدرة حصولها على قروض. وباء كورونا والحرب في غزة تسببا بضرر في فرع السياحة، وإرهاب الحوثيين تسبب بضرر كبير في مداخيلها من قناة السويس.
عدم الاستقرار في مصر نبأ سيئ للشرق الأوسط كله. وإن بديل القيادة القوية والمعتدلة والبراغماتية الحالية هو صعود الإخوان المسلمين أو الأسوأ من ذلك. قوة واستقرار وازدهار مصر مصلحة إقليمية، وضعفها يخلق تأثيراً خطيراً للدومينو في كل المنطقة.
مقابل موافقة مصر على تحمل المسؤولية بشكل مؤقت على قطاع غزة، يوجب على المجتمع الدولي والحلفاء الإقليميين تغطية ديونها الخارجية وإعادة جدولتها. مصر ستقود مسألة إعمار غزة مع الأمريكيين (كما اقترح الرئيس ترامب) بتأييد ودعم إقليمي ومصادقة مجلس الأمن. مشروع إعادة إعمار غزة سيكون أحد المشروعين الاقتصاديين الأكبر في الشرق الأوسط (إضافة إلى إعمار سوريا)، وإدارته ستؤدي إلى ازدهار اقتصاد مصر بعد فترة قاسية.
هذه الخطة التي طرحتها للمرة الأولى في واشنطن تحل مشاكل رئيسية، ولها أفضلية أخرى؛ أنها سهلة. فهي خطة قابلة للتنفيذ. فقد حدث هذا من قبل، ويمكن البدء به في الغد.
يئير لبيد
هآرتس 28/2/2025