خبير سياسي لـ”القدس العربي”: مجلس السلام في غزة بلا سيادة.. وصاية متعددة الوجوه ومخاطر إعادة تدوير الصراع

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

الدوحة- “القدس العربي”:

في خضم التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، ومع احتدام النقاش حول مستقبل قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، يبرز “مجلس السلام” كإطار سياسي جديد يُسوَّق بوصفه آلية انتقالية لإدارة القطاع، وضبط الأمن، وتهيئة مسار سياسي لاحق.

غير أن هذا الإطار، وفق قراءات نقدية متعددة، يثير أسئلة عميقة تتجاوز الشكل المؤسسي إلى جوهر السلطة والسيادة، وحدود الدور العربي، وحقيقة الضمانات الدولية، ولا سيما الأمريكية.

في هذا السياق، يقدّم الخبير السياسي اللبناني الدكتور رائد المصري، أستاذ ومحاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية، قراءة تحليلية معمّقة لطبيعة مجلس السلام، وحدود تأثيره، وموقعه ضمن المشهد الدولي الجديد، محذّرًا من تحوّله إلى صيغة وصاية مركّبة تعيد إنتاج أزمات سابقة بأدوات مختلفة.

وصاية جديدة بغطاء إقليمي

يرى المصري أن مجلس السلام لا يمثّل تحوّلًا نوعيًا في مقاربة إدارة الصراع، بقدر ما يعكس انتقالًا إلى نمط جديد من الوصايات، تتقاطع فيه الإرادات الغربية مع الأدوار الإقليمية.

ويؤكد أن المسألة تتجاوز الوصاية العربية إلى وصاية خارجية شاملة، يحتفظ فيها الفاعل الأمريكي، ومعه إسرائيل، بالقوة الأكبر في توجيه مسار الحكم وإدارة الصراع داخل غزة.

ويشير إلى أن هذا الواقع يفتح الباب أمام تنازع أدوار واضح على مساحة القطاع، حيث تتداخل الحسابات العربية والإسلامية والتركية مع المصالح الإسرائيلية، ضمن بيئة سياسية مضطربة.

الخطر الأكبر، وفق المصري، يكمن في احتمال تكريس وضع دولي خاص لغزة، منفصل عن السياق الشامل للقضية الفلسطينية، بما يؤدي عمليًا إلى اقتطاع القطاع من مسار الحل السياسي الأساسي.

هذا السيناريو يبقى، برأيه، مرتبطًا بتوجهات الإدارة الأمريكية، وبخاصة بمسار الرئيس دونالد ترامب، ومدى استمراره في دعم هذا المجلس خلال عامين أو ثلاثة، فضلًا عن الكيفية التي قد تتعاطى بها الإدارات اللاحقة مع هذا النموذج من الترتيبات الأمنية والسياسية في القطاع.

وحول انضمام ثماني دول عربية وإسلامية إلى مجلس السلام، يطرح المصري مقاربة مزدوجة. فمن جهة، ثمّة أمل بأن يشكّل هذا الانخراط نواة توافق استراتيجي مستقل. ومن جهة أخرى، يرى أن هذا الانضمام يحمل طابعًا دوليًا وظيفيًا، يهدف إلى توفير غطاء سياسي يمنع انزلاقًا إسرائيليًا كاملًا نحو فرض وقائع أحادية على الأرض.

ويعتبر أن الإطار العام يبقى خاضعًا للضوابط الأمريكية، في لحظة يشهد فيها النظام الدولي إعادة تشكّل، وتتعرض فيها المنظومات الإقليمية لتحولات كبرى. وفي هذا السياق، تصبح غزة، رغم صغر مساحتها، ساحة اختبار لموازين النفوذ الجديدة، غير أن انعكاس هذه الموازين على الداخل الغزي يظل محدودًا، ولا يتجاوز كونه ضمانة جزئية لكبح الانحياز الإسرائيلي المطلق.

الدور الأمريكي.. ترجيح لا حياد

في ما يتصل بحدود الدور الأمريكي داخل مجلس السلام، يذهب المصري إلى موقف حاسم: الانزياح الأمريكي لصالح إسرائيل يمنع واشنطن من أداء دور الضامن السياسي المحايد.

ويشير إلى أن مقاربة ترامب تقوم على منطق الصفقة، حيث يُنظر إلى غزة من زاوية مشاريع وتسويات سريعة تُقدَّم بوصفها إنجازًا للسلام، من دون معالجة الجذور السياسية للصراع.

ويضيف أن الإدارة الأمريكية تركّز على ضبط الإيقاع الإقليمي، وضمان الانضباط العربي، وتكريس أمن إسرائيل كأولوية مطلقة، فيما تتراجع مكانة الحقوق الفلسطينية في سلّم الاهتمامات.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح العملية السياسية برمتها أسيرة إدارة الوقت، بانتظار حلول مؤجلة، بينما يعيش القطاع على وقع أزمات متراكمة.

أما على صعيد مصداقية المجلس لدى الفاعلين الفلسطينيين، فيرى المصري أن الانقسام الفلسطيني القائم يشكّل عامل إضعاف حاسما لأي إطار انتقالي. فغياب وحدة الموقف والرؤية الفلسطينية حول إدارة غزة يقوّض قدرة المجلس على العمل ضمن أفق سياسي واضح، ويجعل أي دور فعّال مشروطًا بجهود كبرى لإعادة بناء التوافق الوطني.

السيادة المؤجلة ومعضلة الاحتلال

يؤكد المصري أن الحديث عن مجلس سلام يقود مرحلة انتقالية في غزة من دون معالجة مباشرة لمسألة السيادة والاحتلال يفتقر إلى الأسس الواقعية.

فالمشهد، برأيه، يعكس طبقات متراكبة من الوصايات: فلسطينية، إقليمية، دولية، إسرائيلية، وأمريكية، مع ضمانات صلبة لحماية إسرائيل وشروطها الأمنية.

في ظل هذا التشابك، يحتفظ الاحتلال بمفاصل التحكم الأساسية داخل قطاع غزة، ما يجعل أي حديث عن استقلالية أو سيادة كاملة أمرًا بالغ الصعوبة.

ويخلص المصري إلى أن المرحلة الراهنة تمثّل واقعًا جديدًا قيد التشكل، تبقى ملامحه النهائية رهن التطورات المقبلة.

في السؤال المتعلق بمدى امتلاك الدول العربية والإسلامية أدوات تأثير حقيقية، يعرب المصري عن أمله في أن يتحول هذا الإطار إلى منصة فاعلة، لكنه يحذّر من سيناريو تحميل هذه الدول كلفة إعادة الإعمار من دون امتلاك مفاتيح القرار السياسي.

ويشير إلى أن الهدف العملي قد يتمثل في دفع العرب، ولا سيما دول الخليج، لتحمّل أعباء الإعمار والإنقاذ الإنساني، فيما تبقى السيادة والقرار السياسي بيد إسرائيل. هذا الخلل، وفق المصري، يضع الدول المشاركة أمام اختبار أخلاقي وسياسي بالغ الحساسية.

التقاطع القطري- السعودي

في البعد التحليلي الأوسع، يسلّط المصري الضوء على التقاطع القطري- السعودي داخل مجلس السلام، معتبرًا إياه تطورًا مهمًا في إدارة الملفات الإقليمية الحساسة.

ويرى أن توحيد الموقفين بين الدوحة والرياض يمكن أن يمنح المجلس ثقلًا عربيًا حقيقيًا، قادرًا على إعادة احتضان القضية الفلسطينية، ومنع العبث بمصير غزة وشعبها.

ويضيف أن هذا التناغم، إذا ما اقترن بقوة تأثير واضحة، قد يسهم في الضغط على صانع القرار الأمريكي، والحد من اندفاع إسرائيل نحو إعادة إنتاج الأزمة، وإفشال أي محاولة لإعادة العملية الانتقالية إلى نقطة الصفر.

ويختم المصري بالتأكيد على أن الضمانة الواقعية في هذه المرحلة تكمن في وحدة الموقف العربي، وخصوصًا بين السعودية وقطر، ومعهما دول مؤثرة أخرى، لتشكيل عامل أمان سياسي في مواجهة مشهد إنساني بالغ القسوة، تعيشه غزة على حافة الفقر والجوع والتشريد.

بين الوصاية والسيادة، وبين الإعمار والقرار السياسي، يقف مجلس السلام في غزة عند مفترق طرق حاسم.

وتكشف قراءة الدكتور رائد المصري أن التحدي الحقيقي لا يكمن في هندسة الأطر المؤسسية، بل في امتلاك الإرادة السياسية القادرة على تحويلها إلى مسار يخدم الحقوق الفلسطينية، ويمنع إعادة تدوير الصراع تحت عناوين جديدة.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية