جوهر الصراع لم يتغير ولكنّ أدواته تطوّرت

الفرق بين القانون والعدالة هو أن القانون يمكن تحليله وتطبيقه ضمن أنظمة، أما العدالة فهي غير قابلة للحساب أو التحديد بدقة، وتبقى مطلبا أخلاقيا غير منجز. إذن هناك توتر قائم بين السلطة القانونية والأسس غير العقلانية، أو الغامضة التي تقوم عليها.
الأساس الغامض للسلطة القانونية كما رآها جاك دريدا، هي أن السلطة القانونية تنبع من لحظة عنف تأسيسي، لا يمكن تبريرها عقلانيا، وهي لحظة يتأسس فيها القانون عبر سلطة تتجاوز المنطق أو الحق. ومن الواضح على مستوى العلاقات الدولية، أنّ الفوضى مستمرة، رغم وجود هياكل قانونية ومؤسسات أممية قالوا إن هدفها تنظيم أطر التعايش العالمية، ومنع الحرب، وكبح جماح الدول المولعة بالحروب والهيمنة وانتهاك السيادة. لكنّها في الحقيقة مجرد هياكل وظيفية تأسست بدرجة كبيرة على يد الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، عندما كانت تلك الدول تحتل وتقمع غالبية دول آسيا وافريقيا. مؤسسات بقيت راضخة لصانعيها، ولطالما استغلتها الدول الكبرى وفقا لمصالحها المطلقة.
لماذا الامتناع مثلا عن التصويت على القرار الذي يهدف إلى تسهيل المزيد من المساعدات الإنسانية للوصول إلى قطاع غزة؟ لم يسفر ذلك إلا عن الحد من الضرر الذي لحق بمكانة أمريكا في مختلف أنحاء العالم، بعد أن أصبحت على نحو متزايد حامية وحيدة لإسرائيل، وليست المرة الأولى التي تبدو فيها الولايات المتحدة معزولة في دفاعها عن إسرائيل، خاصة في الأمم المتحدة، حتى يتمكّن من تحويل غزة، المنطقة المنكوبة بالحصار والحرب، إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» احتاج دونالد ترامب إلى تسويق خطته، وممارسة الضغط بكل الطرق. أرعبت هذه الخطة معظم القادة العرب وأخافتهم حسب «فورين أفيرز». ليس فقط لأسباب إنسانية، ولكن لأن التدفق الكبير لسكان غزة من شأنه أن يزعزع استقرار أي دولة عربية تستقبلهم. تخشى قطر أن تصبح كبش فداء للمفاوضات الفاشلة بين إسرائيل وحماس، حيث يلقي نتنياهو باللوم على إخفاقات سياسته. تخشى الإمارات العربية المتحدة من أن تكلّفها واشنطن بتمويل إعادة إعمار غزة. وتخشى جميع الحكومات العربية من أن تؤدي الحرب التي لا تنتهي إلى تطرّف سكانها، وتحرّك الاحتجاجات على نطاق واسع. في الأثناء، إسرائيل لا تكتفي بالحرب في غزة، بل تثير الفوضى في كل مكان. استولت على منطقة عازلة واسعة في جنوب غرب سوريا، وقصفت مئات المواقع في البلاد منذ ديسمبر الماضي، عندما أُطيح بالنظام السابق، على يد تحالف من الجماعات المتمردة. وقد اتجهت معظم الدول العربية، حتى تلك التي تشكك بشدة في الإسلاميين، نحو دعم الحكومة الجديدة، على أمل تحقيق الاستقرار في بلد مزقته 13 عامًا من الحرب الأهلية. فهل تفضل واشنطن سوريا مستقرة وموحّدة في ظل نظام يقوده جهاديون سابقون؟ أم تريدها عنيفة ومنقسمة؟ خاصة وهي لا تعير شأنا لتوسّع إسرائيل في توغلاتها، وانتهاكاتها المستمرة لسيادة هذه الدولة منذ سقوط النظام هناك.

المنظومة الحالية لحقوق الإنسان كارثية بكل المقاييس، تُراوح مكانها، وتوظف من قبل أمريكا والغرب عموما كأداة سياسية وأيديولوجية في معركة الصراع على مناطق النفوذ في العالم

المنظومة الحالية لحقوق الإنسان كارثية بكل المقاييس، تُراوح مكانها، وتوظف من قبل أمريكا والغرب عموما كأداة سياسية وأيديولوجية في معركة الصراع على مناطق النفوذ في العالم، ما يجعل التعامل مع مفاهيم القوة المباشرة وغير المباشرة، القوة الخشنة والقوة الناعمة، جميعها لم تخف يوما برنامج أمريكا الربحي من التدخلات الخارجية والحروب التي تشعلها وتثير الفوضى من خلالها. ترامب يعيد إثارة الضجة ومشاعر التذمّر في الداخل الأمريكي وخارجه. وما يقوم به هو مؤشر لتواصل الانقسام داخل أمريكا، والقائم بطبعه على أسس أيديولوجية وثقافية واقتصادية، تشحنها الدوافع السياسية والطموحات الفردية في أحيان كثيرة. وهو يجعل أمريكا «دولة تختبئ خلف جدران جمركية»، كما جاء في «نيويورك تايمز». لا يهم أن واشنطن وبكين توصّلتا إلى هدنة مؤقتة وغير حاسمة في حرب ترامب التجارية. فقد سارع الرئيس الأمريكي إلى تصويرها كإنجاز له، ولكن ذلك لا يسلّط الضوء إلاّ على المشكلة الجوهرية لإدارته ولأمريكا عموما. تركيز قصير النظر على مناوشات هامشية، بينما تُخاض الحرب الكبرى مع الصين وتُخسر بشكل حاسم. تحتاج الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن تدرك أنه لا الرسوم الجمركية ولا غيرها من الضغوط التجارية ستدفع الصين مثلا إلى التخلي عن نموذجها الاقتصادي القائم على الدولة، الذي أثبت نجاحا كبيرا لها، أو أن تعتمد فجأة سياسات صناعية وتجارية تعتبرها أمريكا عادلة، بل على العكس، فإن بكين تضاعف رهانها على هذا النهج، وتتبنّى تركيزا يشبه «مشروع مانهاتن» لتحقيق الهيمنة على الصناعات عالية التقنية. مع كل هذا لا يزال ترامب مهووسا بالتعريفات الجمركية. يضرب بمعول الهدم أعمدة القوة والابتكار الأمريكيين. فتعريفاته الجمركية تُعرّض الشركات الأمريكية للخطر، من خلال تقييد وصولها إلى الأسواق العالمية وسلاسل التوريد. كما أنه يُقلّص تمويل الأبحاث العامة ويفكك الجامعات الأمريكية، ما يدفع الباحثين الموهوبين للتفكير في الهجرة إلى دول أخرى. وهو يريد التراجع عن برامج في تقنيات مثل الطاقة النظيفة وصناعة أشباه الموصلات، ويقضي على القوة الناعمة الأمريكية، في أجزاء واسعة من العالم.
كيف ارتبط التوسع الصناعي بالهيمنة العسكرية والسياسية على البلدان غير الغربية؟ وهل أنّ التوازن الثنائي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقا، كان يكبح صراعات كثيرة، ومع غيابه ظهرت قوى غير تقليدية؟ رأى ألكسندر دو مارنش رئيس الاستخبارات الفرنسية الأسبق، أنّ انهيار الاتحاد السوفييتي لا يعني نهاية التهديدات، بل بدء حقبة أخطر وأكثر غموضا. ورغم ما يُقال عن أهمية الاستخبارات كخط الدفاع الأول، تبقى للدبلوماسية الوقائية الدور المهم في احتواء الأزمات قبل تفاقمها، ولكن الدول المارقة والمولعة بالحروب لا تريد ذلك، والدليل إثارة الحروب وخلق بؤر توتّر لا تنتهي. على نحو أكثر وضوحا، الإمبريالية الغربية تفاعلت مع استغلال الطبيعة والثروات لخلق أنظمة القوّة التي ما زلنا نعيشها اليوم، وصولا إلى أزمات المناخ والأوبئة المعاصرة. والرؤية الغربية التي تفصل الإنسان عن الطبيعة وتحوّلها إلى مجرّد ملكيّة عبر عقل أداتي يدعم مشروعية الغزو والنهب، لا يُعير اهتماما، ولا يتوافق مع نظرة الشعوب الأصليّة إلى الأرض بوصفها كيانا حيّا له روح وتوازن، كما هو الحال مثلا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على أرض فلسطين التاريخية. تلك هي الصلة التي اهتم بها الكاتب الهندي أميتاف غوش بين التاريخ البيئي والاستعمار والهويات الثقافية، في دعوة إلى التحرر من الهيمنة والعنف الاستعماري بكل أشكاله. وهي دعوة نراها اليوم حاسمة بالنسبة للحالة الفلسطينية بدرجة أولى، ولكل مظاهر الاضطهاد والغطرسة التي تطال الشعوب.
كاتب تونسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية