غزة ـ «القدس العربي»: لم يكن يوسف عبد ربه يتوقع أن صلاة الفجر ستكون موعدًا مع العدم. الرجل الستيني الذي عاش طوال حياته في بيت عائلي صغير شمال قطاع غزة، لم يجد ما يحميه حين سقطت ثلاثة صواريخ من طائرات إف-16 على الحي، فأحالته إلى ساحة رماد. يقول بصوت أنهكه القهر: «كنت أتوضأ للصلاة، سمعت صوت أول صاروخ، بعدها بثواني ما حسيت إلا وأنا تحت الركام، وبيتي دمر، وزوجتي أصيبت، وابني محمد البكر الله يرحمه استشهد».
بركان الشمال
كانت السماء لا تزال تمطر نارًا حين حاول يوسف أن يخرج زوجته من تحت الردم، لكن يده المرتجفة وركبتيه الضعيفتين لم تسعفاه. انتظر حتى جاء بعض الجيران، الذين كانوا أصلاً يفتشون بين الأطلال عن أحبائهم. ووسط الصراخ والدخان وصرير الطائرات، تمكنوا من سحبها، وكانت تنزف من رأسها وتأن. حملوها على باب خشبي إلى أقرب نقطة طبية.
ويتابع يوسف لـ«القدس العربي»: «ابنتي عمرها 11 سنة، تسألني كل يوم: لما نحن نعيش هذا الحال؟ لماذا لا نحس بالأمان؟ بماذا أجيبها؟ والله العظيم ما عرفت أرد، لأن ما في جواب. نحن أهل غزة صرنا نعيش على الأنقاض، ننام على فوهة بركان».
في عيني الرجل، كانت هناك عاصفة. ليست مجرد دموع، بل شروخ ممتدة في القلب، تعبّر عن شعور بالخذلان من العالم، من الصمت، من كل هذا الخراب الذي لا يجد له وصفًا إلا أنه طوفان مدمر أشبه بزلزال ضرب الروح قبل أن يضرب الحجارة.
من خلال الشهادات الفردية التي باتت تتكرر في كل حي ومخيم، تتضح ملامح كارثة إنسانية لا يمكن وصفها إلا بأنها زلزال بشري مفتعل. لقد تحولت غزة إلى ما يشبه ساحة نكبات متصلة، متتالية، تراكمية، تهدم البيت والذاكرة، والمستقبل دفعة واحدة. في كل شهادة، هناك خيط يجمع بين الألم والفقد والخذلان، وكأن أهل القطاع يُعاقبون جماعيًا على مجرد وجودهم.
هذه الحرب المستمرة، لم تترك مساحة واحدة للحياة بدون أن تلوثها بالموت. من البيوت التي كانت تؤوي العائلات إلى المدارس التي تحولت لملاجئ ثم لقبور جماعية، ومن المستشفيات التي صارت أهدافًا إلى عربات الإسعاف التي دُمرت على الطرقات، كانت الكارثة تمشي على قدمين، تُطارد الناس حيثما هربوا.
ولا يمكن النظر إلى هذا الدمار على أنه مجرد نتيجة صراع عسكري، بل هو سياسة متعمدة لاقتلاع كل مقومات الحياة، واجتثاث المجتمع من جذوره. تتجسد المأساة في التكرار الممنهج للموت، وفي غياب الأفق، وفي شعور الناس بأن العالم بأسره تواطأ على دفنهم تحت الركام.
لقد أصبحت كل شهادة من غزة وثيقة إدانة للعصر، وصوتًا من تحت الأنقاض يُحاول أن يقول: نحن هنا، ما زلنا نحلم ونتمسك بحقنا في الحياة، رغم أن كل شيء من حولنا يُصادر هذا الحق بلا هوادة.
هزة الجنوب
من خان يونس يتحدث علي ياسر، 44 عامًا، وهو رب أسرة فقد منزله واثنين من إخوته في قصف جوي طال الحي. يقول: «نحن لم نعد نعرف ماذا يعني بيت، ماذا يعني شارع، لأن الكل اختلط ببعضه، صار الشارع بيتا والبيت حفرة. أنا يومها أخذت مساعدات غذائية، والذي وجدني في الطريق قال لي لا تذهب، لكن كنت مصرا لأن أولادي كانوا جوعى».
وصل علي إلى الزاوية التي تفصل بيته عن الشارع العام، حين سمع صفير الصاروخ، ثم سقط كل شيء. ارتفعت البنايات، ثم سقطت فوق بعضها كأوراق كرتونية تنهار بفعل هزة كونية مريعة. نجا بأعجوبة. لكنه حين بحث عن أخويه، وجدهما جثتين متفحمتين، لا ملامح لهما. ويضيف لـ«القدس العربي»: «والله العظيم لم أستطيع التعرف عليهم إلا من خلال خواتم كانت في أصابع أيديهم، وإلا كنت حسبتهم حجارة».
لم تكن مأساة علي وحده استثناء، بل أصبحت القاعدة في الجنوب المحاصر. هو وغيره من آلاف العائلات، هُجِّروا من بيت إلى خيمة، ومن الخيمة إلى العراء. ومع كل ذلك، لا توجد مساحة للأمان، ولا حتى فرصة للبكاء في حضن آمن. ويختم قائلاً: «لا يوجد مكان في غزة نجى من القصف. لا مبنى، لا شارع، لا حتى أماكن مساعدات. القصف يمر علينا في كل زاوية. غزة كلها تحولت إلى مرمى نيران. صار القصف جزءا من تفاصيل يومنا، كأننا متعودين عليه، لكن وجع الفقد لك نتعود عليه».
أرقام النكبة
في مشهد يعكس حجم الكارثة غير المسبوقة التي لحقت بقطاع غزة، تظهر الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الصحة أن الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 قد حوّلت غزة إلى منطقة منكوبة بكل المقاييس.
فقد ارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 55000 شهيد، بينهم ما يزيد عن 18000 طفل و12000 امرأة، في مجازر متكررة استهدفت العائلات داخل بيوتها والملاجئ والمدارس. أما الجرحى، فقد تجاوز عددهم 126000 جريح، كثيرون منهم أصيبوا بإعاقات دائمة أو تعرضوا لبتر أطراف أو تشوهات بالغة. ولا يزال نحو 12,000 إلى 15,000 شخص في عداد المفقودين، يُعتقد أن الغالبية العظمى منهم ما زالت تحت الأنقاض، وسط عجز كامل في إمكانات فرق الدفاع المدني وغياب معدات الإنقاذ الثقيلة.
من ناحية أخرى، تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 1.9 مليون فلسطيني أي نحو 90 في المئة من سكان القطاع قد نزحوا قسرًا من منازلهم، بعضهم لأكثر من مرة، ولجأوا إلى مدارس مدمرة أو خيام أو العراء المفتوح.
الأزمة لم تتوقف عند حدود الأرواح والمباني، بل امتدت إلى الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 1.7 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 71000 طفل على حافة المجاعة. وأظهرت تقارير طبية أن معدلات سوء التغذية بين الأطفال تضاعفت خمس مرات منذ بدء الحرب.
كما تسبب الحرب في تدمير أكثر من 330000 وحدة سكنية بشكل كلي أو جزئي، وخروج86 في المئة من المستشفيات و78 في المئة من المدارس عن الخدمة، إضافة إلى تعطل67 في المئة من شبكات المياه والصرف الصحي، ما فاقم من خطر انتشار الأمراض والأوبئة.
أما التعداد السكاني لغزة، فقد تراجع إلى2.1 مليون نسمة، بانخفاض قُدّر بـ160000 نسمة خلال 20 شهرًا، نتيجة الشهداء والمفقودين، ونزوح آلاف العائلات إلى خارج القطاع بعد فقدان المأوى والأمان.
حين ضرب زلزال تشيلي الكبير عام 1960، بقوة 9.5 درجات على مقياس ريختر، تغيّر شكل اليابسة، وانهارت مدن بكاملها، وارتفعت أمواج التسونامي آلاف الأميال عبر المحيط. كان زلزالًا من النوع الذي يُحدث كسورًا في طبقات الأرض والوعي، ولا يُنسى بسهولة. لكن غزة، بعد 616 يومًا من حرب الإبادة، لا تحتاج إلى اهتزاز أرضي لتعيش مشهدًا أكثر فتكًا. هنا، كانت القنابل هي الزلزال، والركام هو القشرة الأرضية المقلوبة، والناس ضحايا بلا إنذار.
تشبه غزة اليوم مدينة منكوبة زارها الزلزال كل ليلة، وترك خلفه أجسادًا بلا رؤوس، بيوتًا بلا أبواب، وخرائط مشوهة لمكان لم يعد يُشبه نفسه. الفرق الوحيد أن ما حدث هنا لم يكن بفعل الطبيعة، بل بفعل قرار بشري واعٍ بالإبادة.
زلزال تشيلي كان مأساة طبيعية لم يكن لأحد يد فيها؛ أما زلزال غزة، فصُنع بأيدٍ تعرف جيدًا ماذا تفعل، وتُمعن في الفعل كل يوم.
وفي الوقت الذي اجتمعت فيه دول العالم عام 1960 لإغاثة المتضررين من تشيلي، لا تزال غزة، وبعد مئات الأيام من المذبحة، تنتظر قافلة، أو تصريح عبور، أو خيمة. بل إن بعضها يُقصف أيضًا. لم يعد العالم يكتفي بالصمت، بل بات يمارس طقوس اللامبالاة وكأن غزة حفرة في الجغرافيا خارج حدود الشعور.
زلزال تشيلي الكبير دمّر نصف البلاد في دقيقتين، لكن غزة تعيش الزلزال ذاته ببطء قاتل منذ عشرين شهرًا، بدون أن تتوقف الأرض عن الرجف، ولا السماء عن الانهيار. ولو قيست الكارثة بمعايير الصدمة، لفاقت غزة كل كوارث العالم الطبيعية في القرن الأخير، فقط لأن هذا الزلزال صُنع خصيصًا لها، ومُرر على جثث أهلها، حجرًا حجرًا، وروحًا روحًا.
النجاة المستحيلة
في مخيم النصيرات، كانت أم إبراهيم خالد تسير بين الحجارة المتناثرة كما لو أنها تبحث عن ماضيها الضائع. لم تكن تعرف هل تبكي لأنها نجت من القصف، أم لأنها بقيت على قيد الحياة فيما غاب عنها أربعة من أطفالها دفعة واحدة. تقول بصوت مبحوح: «كنت أطبخ عدس، وأولادي يلعبون في فناء البيت، سمعت صوت طائرة حربية إسرائيلية، ركضت أصرخ عليهم، لكن ما لحقت. ما لحقت إلا الغبرة والضوء… بعدها أصبح المكان سكون». انتُشلت من تحت الركام بعد ساعتين، مغطاة بالتراب والدم، لكنها خرجت إلى عالم أكثر ظلمة مما تركته خلفها.
قصة أم إبراهيم ليست استثناء، بل هي واحدة من آلاف القصص التي تجعل النجاة فعلاً ملتبسًا في غزة. فأن تخرج حيًّا من بين الأنقاض لا يعني أنك نجوت. ثمة من يحملون في أعينهم صور أحبائهم العالقين تحت الردم، وفي أكتافهم ذاكرة القنابل، وفي أقدامهم جراح النزوح.
تقول الشابة رهف عاشور، التي نجت من قصف على دير البلح: «صحيح أنا ما زلت على قيد الحياة لكن أفقد راحة العيش. أنام كل ليلة على صوت الذين رحلوا، وأصحوا ولا أتذكر أين مكان بيتي الأصلي».
الناجون من الموت المباشر يعيشون اليوم موتًا من نوع آخر، أكثر بطئًا، أكثر فتكًا: موت بلا عنوان، بلا قبور، بلا وداع. هم يقتسمون الخوف مع الهواء، ويتقاسمون الخبز اليابس تحت خيمة مهترئة. وتبدو كلمة نجا في قاموس غزة مجرد عنوان بائس لمرحلة جديدة من الألم. فالأم التي فقدت أطفالها، والطفل الذي لم يعد له بيت، والمسن الذي شاهد جثث جيرانه تتطاير أمام عينيه… جميعهم على قيد الحياة، لكنهم خارج الحياة.