تهويمات الغيمات الخمس: عزرا باوند بين الاختزال وفتنة الصورة

حجم الخط
0

إذا كانت الثقافة بالنسبة لبعض النقاد جلدا يحتك بالآخر، يند انفعالها عن مساس العمق الإنساني، يصون بعض الكتاب هذه الملامسة بين التنميق اللفظي والتجويد النفسي، ويتأبون مداهمة هذه الخصوصية، التي تملي عليهم سردهم المبطن، رغم خضوعها الحتمي لمجهر التقييم، ليصبحوا عنادا مثل أوتيدام وديونيزودور. هذان السفسطائيان المغروران، اللذان حاورا سقراط لإسقاط آرائه ودعم احتدام غرورهما بادعائهما الكمال في الفضيلة، فقد يجنحون للتبرير الفوري لأي هفوةٍ سرديةٍ، أو هامشية، رغم أن النقد ملحقٌ ثمين لأي كتاب، وقد دعا إليوت إلى أن يحصر النقد في المنهج الاتباعي، ليكون متصلا بالأدب نفسه في تحكيم موارده وتقويم مساره، ولا يتفوق عليه في مسار التألق والتجلي.
ومثلما جسد الشاعر النمساوي اليهودي إيريش فريد هذه الحالة المتمردة في قصائده، التي وشحت عنق خصومه بكلماتٍ حارةٍ وجارفة التقمص التحويلي، من الحالة أي التخصيص إلى العامة أي التعميم، كذلك دعا إليه الشاعر عزرا باوند، الذي أذهله الصمت المتأني للقصيدة، وروج لنظرية التقصير أو الاختزال، أي الحركة التصويرية في الشرح الرتيب للقصيدة، وتجنيد الصورة المكثفة نفسها في نقل الإحساس الفوري، أو الانطباعي، دون الخلط بين الإرسال والقصيدة، ولم يأبه للكم الهائل من النقد، الذي اعتبره أبخس من الهامشي، وكأن شيطان التحرر يسكنه، ولم يستجر هذا الرفض المبرم قلمه نحو الاستسلام، لأن فك أغلاله من التبعية كانت العجلة التي تحرك كتاباته.
وإذا كان باوند قد شعر بأنه يتكبد سجنا، لأن نظام النقد بالنسبة إليه سلطويا، فقد عزا هذا إلى أنه معفى من كل قيدٍ يحد من تبصره للأمور الحساسة التي تتعلق بالشعر، ولا ترعده الآراء المتناقضة الناتجة عن نشاز المستقل. في قصيدة «أنشودة النهر» يقول:» هذا القارب من خشب «الشاتو»، وحوافه العليا من خشب»الماغنوليا، الموسيقيون أصحاب المزامير المرصعة بالحجارة الكريمة، وأصحاب الغلايين الذهبية، يملؤون الجوانب كلها في طوابير، ونبيذنا وافر يترع ألف كأس. أخذنا معنا فتيات مغنيات، وانساب بنا القارب مع ماء النهر الجاري، أما «سينين» فهي تحتاج إلى لقلق أصفر كحصان، وكل بحارتنا كانوا يتبعون النوارس البيضاء، أو هي التي تقودهم، أغنية «كوتسو» النثرية، تتردد بين الشمس والقمر. قصر «سو» المدرج، هو الآن مجرد بناء بائس خال من الحياة. ولكني شطبت بجرة قلم على هذا الزورق، ما جعل القمم الخمس تهتز، وأنا مبتهج بهذه الكلمات، بهجتي بالجزيرة الزرقاء».
هذا القارب الذي يشير إليه الكاتب هو رحلةٌ داخليةٌ منمقةٌ لنفسه، وتحيط به أبهة الموجودات الجمالية الفاخرة، من خشبٍ متين، وتداخلٍ بهي للجواهر، التي تطرز المزامير، والوجود المتصاعد للأغنياء الذين يستنفدون قوى التبجح في نزهتهم نحو الغيب، حيث تضج المؤشرات الكونية التي تتخفى تحت كلمتي النوارس البيضاء، بالتجاذب الروحي للمجهول المترسب في أحقية الأقدار بتقرير مصائرها.
يعيش الشاعر دوما حالة الانكار لواقعه، تيمنا منه بأحقية العبور من ضفاف التهويمات البدائية، إلى الإنشادات المعاصرة لأفكاره المتحدرة من الألم المونوتوني، الذي تفرضه عليه الظروف الحالية. وإذا كانت الجزيرة الزرقاء في نظره رمزا للحرية المباحة، التي لا تجرف معها الأسرار الدفينة للذاكرة، فهو يفضلها على قصرٍ منيف، فالجو الصحو في عالمه ينوس بين أجواءٍ كامدةٍ وصرخاتٍ من الحرية الضائعة.
فالكاتب هنا لا يمسك مفهوم الكلمات لتفصيلها وتفسيرها، إنما يسرح في قبيلةٍ من الحروف الناطقة، التي لا تستجدي ولا ترخي عنانها لأي تداخلات، هي ليست كسلسبيلٍ كشط ماؤه، بل إشارة دافئة تغوص في وحدة الجدل بسحرٍ فطري، وتستنفد كل المنغصات التي تلاحق واقعها، ثم يتابع القصيدة فيقول: «كنت أنظر إلى بركة التنين التي تلونت بأشجار الصفصاف من حولها، أما الماء فكان ببساطة، يعكس لون السماء الخفيف، فتسمع النغمات الخمس لعنادل تغنى بلا هدف. كانت رياح الشرق تجلب الخضرة إلى عشب الجزيرة في «ياي – شو»، المنازل الأرجوانية والقرمزية، مفعمة بنعومة الربيع».
يتحول الشاعر في هذا المقطع إلى مجهرٍ بصري لا يترنح ولا يتزحزح، واللسان هنا هو من يجبر البصر على النطق والبوح، فثمة ذاتية مفرطة في هذه الأبيات المتلونة، بين السمع والنظر، بتظارفٍ أسلوبي، وتفردٍ أسطوري للديباجة، فالصوت الناعم المنبعث عن نغمات العنادل لا تشوش التأمل، بل تستبيح موارده، بمتعة انحرافٍ لغوي أصيل عن اللغة المعتادة للشعراء في عصره، فهو يشير للربيع بوصفه العهد المقبل، عصر الثورة على القديم، وتغيير الأوزان والموسيقى والألحان، وتطبيق تركيبٍ إنساني يتدفق من هم الشاعر ورغبته في إقامة الحد بين الريح التي تعصف بالعقول الهشة، والثبات الذي يغمر أقلام المحركين.
وفي مقطع آخر من القصيدة نفسها يقول:» وها هي أصوات الربيع وهو يغني عند أكثر من ألف بوابة، وأكثر من ألف باب، والإمبراطور في ذهول. وفي الأعلى تدلت خمس غيمات، تضيء السماء الأرجوانية، يتقدم الحرس الإمبراطوري من أمام البيت الذهبي بدروعهم اللامعة. ويمضي الإمبراطور في سيارته المرصعة بالحجارة الكريمة ليتفقد أزهاره».
هذه الغيمات الخمس، التي يدلل عليها الشاعر تشبه حواس المرء الخمس، التي تفتح عليه مغاليق المصاعب، وتذلل له ما يستعصي عليه، وقد تكون أصابعه الخمس التي يستعير منها اللمس، وهي أيضا رمز حماية النواصي الميتافيزيائية، التي ينص عليها الكون بفلسفته المسهبة، والأرجوان هو اللون الأول المبتكر في التاريخ، إذن هو يعود بنا إلى الماضي الأول، وعندما تتخذ الأشياء مكانها الأصلي تزال عنها قشور الغموض والارتباك، وينتقل بنا إلى عهد التزمت والحكم ومطاردة السلاطين لانتهاك جمالية الطبيعة، في شلالٍ من التعنت والإرباك. هو يوصي بالأصيل وينصب أمامه هيكل الدخيل، ويترك المقارنة للعابر على هوامش السطور. وهذه السريالية تخدم القصيدة لتظفر بالتأويلات المتعددة، وتعطي لذة للكلمات المنشطرة.
وإذا أردنا أن نأخذ عليه الشق السياسي الذي أبدى انخراطه به، وتأييده لموسوليني فلا يصح أن يحلل الشاعر لانتمائه السياسي كمصدرٍ أساسي، لأن الكثير من الشعراء انقلبوا على سياستهم بمزاجيتهم ومناهضتهم وتكريسهم وقتهم لآرائهم الخاصة، التي لا تشبه أي حزبٍ أو ولاء. وقد أشيع عنه أن الخبل استبد به، ووضع في مصحةٍ في واشنطن، وهذه أيضا تصب في ريعان شعره المنسرح والمنعتق من أي رباط، ولطالما اتهم الفلاسفة والكتاب بالجنون لاختراقهم حد المعقول والمباح والمسموح.
عزرا باوند كاتبٌ منحرفٌ في الحرية باتزان، كتب لا ليضرب الأخماس بالأسداس، بل لينطق بتعبيرٍ محق، ويخترق التماسات العلنية، ويعلن انبعاث لغةٍ مرصعةٍ بهواء التحرر، في قبضةٍ تنحرف طائشة أحيانا عن وجهتها، ولكنها تمس الروح في أدق مناطق ضعفها.

كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية