تراجع الدعم العسكري الغربي يغيّر موازين الحرب: روسيا تتشدد وأوكرانيا تراهن على ترامب

حسين مجدوبي
حجم الخط
0

تدرك روسيا تراجع الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا ورغبة واشنطن التقليل من تسليح القوات الأوكرانية، ولهذا تراهن موسكو على هذه اللحظة التاريخية لفرض شروط سلام قاسية للغاية مقابل إنهاء الحرب.

لندن ـ «القدس العربي»: بعد نجاح إدارة البيت الأبيض الأمريكي في إرساء السلام في قطاع غزة وإنهاء حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين، تحاول الآن الرهان على وقف الحرب الروسية-الأوكرانية، إلا أن اختلاف السياق بين الحالة الأولى والثانية يجعل الحديث عن سلام في الأفق سابقا لأوانه.
ورغم استمرار الحديث عن السلام، يستمر الاستعداد للحرب. في هذا الشأن، لوحت أوكرانيا بإمكانية حصولها على صواريخ توماهوك الأمريكية للرفع من استهداف القوات الروسية في شرق أوكرانيا كذلك في الأراضي الروسية. وإذا كانت واشنطن متحفظة على منح كييف هذه الصواريخ، لا يعتقد الخبراء في تغيير مسار الحرب إذا حصلت عليها القوات الأوكرانية.
وأبرزت التجارب طيلة الثلاث سنوات الأخيرة محدودية القوات الأوكرانية رغم توصلها بأسلحة غربية نوعية كان يفترض أن تغير موازين الحرب. في هذا الصدد، جرى الحديث في بدء الحرب عن الدور الحاسم المرتقب لأنظمة الدفاع الجوي باتريوت الأمريكية، إلا أن تأثيرها كان محدودا لاسيما عندما ترفع روسيا من قوة القصف بالصواريخ الباليستية وفرط صوتية والطائرات المقاتلة والمسيرات. وجرى الرهان مجددا على صواريخ هيمارس لضرب عمق القوات الروسية شرق أوكرانيا، كان لها تأثير في البدء، ولكن ما لبثت القوات الروسية أن رصدت طريقة تحليقها وأصبحت تعترض غالبيتها. في الوقت ذاته، جرى الحديث إلى مستوى اليقين عن دور فعال للطائرات المقاتلة إف 16 مثل تغيير موازين المواجهات العسكرية، لكن تبين أنها بالكاد تساهم في الحرب. وتوجد وصفة جديدة الآن مفادها ما طرحه الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي على ترامب هذه الجمعة في البيت الأبيض بأن أوكرانيا ستمد الجيش الأمريكي بطائرات مسيرة مقابل حصولها على صواريخ توماهوك ذات المدى البعيد.
ودائما في إطار التسلح، اقترحت المفوضية الأوروبية، وفق ما نقلت «رويترز» الجمعة الماضي، أن تستخدم أوكرانيا جزءًا من قرض إصلاحات بقيمة 140 مليار يورو، مدعوم بأصول روسية مجمدة، لشراء أسلحة من خارج الاتحاد الأوروبي أيضًا. الهدف من ذلك هو تعزيز صناعة الدفاع الأوكرانية داخليًا، ولكن أيضًا السماح لها بشراء معدات على الصعيد العالمي. وبرزت جريدة «فايننشنال تايمز» الجمعة أيضا أن يستخدم الاتحاد الأوروبي بعض هذه الأصول الروسية المجمدة لشراء أسلحة أمريكية لأوكرانيا، شريطة أن يكون هناك التزام مستمر من جانب الولايات المتحدة بتقديم الدعم السياسي والعسكري.
وعموما، كشفت هذه الحرب أنه لا يمكن لأي سلاح غربي مهما كانت نوعيته يتم تفويته إلى أوكرانيا قادر على قلب موازين الحرب، بمعنى جعل القوات الروسية تتقهقر وتتراجع وتخسر أرضا شرق أوكرانيا. ويحدث هذا في وقت يوجد قلق وسط أوروبا من احتمال حرب مع روسيا في وقت تعاني فيه الجيوش الأوروبية من تراجع الذخيرة الحية لديها.
وتمارس روسيا استراتيجية الضغط المزدوج في هذه الحرب، ويتعلق المستوى الأول بتوجيه ضربات قوية إلى أوكرانيا بما فيها البنيات التحتية مثل الطاقة كما فعلت هذا الأسبوع لتجعل كييف تقبل بالأمر الواقع وتستسلم لاسيما في ظل تراجع مخزون السلاح لديها. ويتجلى المستوى الثاني في استمرار الضغط على الدول الأوروبية من خلال الطائرات المسيرة الروسية التي تصل إلى أجواء بعض دول أوروبا الشمالية، ثم عبر المناورات العسكرية الضخمة التي تجريها بين الحين والآخر مع بيلاروسيا وتحاكي سيناريو غزو شمال القارة.

مباحثات السلام المعلقة

وهكذا، تتعلق أنظار أوكرانيا والدول الأوروبية بالاستراتيجية التي سينهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحرب الروسية-الأوكرانية للتخفيف من التوتر السياسي والعسكري في القارة الأوروبية، ذلك أن ترامب هو السياسي الوحيد القادر على التفاهم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. إذ لا يوجد زعيم أوروبي واحد قادر على التحاور مع بوتين، بينما الصين ودول البريكس لا تبدي اهتماما كبيرا بإنهاء هذه الحرب التي ترى فيها مناسبة لإنهاك الغرب.
وهكذا، وبعد قمة أسلاكا منذ شهرين، يجري الحديث مجددا عن قمة تجمع بوتين وترامب وهذه المرة في هنغاريا لمنح المساعي الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى الحوار. وقد كشف ترامب شخصيا عن مكالمة أجراها مع بوتين الخميس من الأسبوع الجاري حول تنظيم هذا اللقاء في العاصمة بودابست. وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف على الحرب، تبقى الشروط الروسية التي بلورتها طيلة هذه المدة الزمنية هي كالتالي:
-تصر موسكو على ضرورة اعتراف أوكرانيا والغرب بالأراضي التي ضمتها روسيا وهي شبه جزيرة القرم منذ سنة 2014 ومناطق دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريزهيا المنصوص عليها الآن في الدستور الروسي منذ 2022. وأن تعترف دول ثالثة مؤثرة في القرار العالمي بشرعية هذه الاتفاقيات والالتزامات حتى لا تحرك كييف هذه الملفات الترابية مستقبلا.
-ضرورة انسحاب القوات العسكرية الأوكرانية من تلك المناطق قبل بدء المفاوضات- أو كشرط لوقف إطلاق النار- تطالب روسيا أوكرانيا بسحب قواتها العسكرية من تلك المناطق. في الوقت ذاته، إنهاء الدعم العسكري الأجنبي، وتطالب روسيا بوقف توريد الأسلحة والدعم اللوجستي/الاستخباراتي والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية وغيرها من قبل دول أو منظمات.
-ضرورة حياد أوكرانيا العسكري بعدم انضمامها إلى الحلف الأطلسي، بما في ذلك التخلي نهائيا عن هذا المشروع مستقبلا، بل وتقديم ضمانات قانونية بعدم تشكيل تحالفات عسكرية هجومية أو نشر قوات بالقرب من الحدود الروسية.
-ترغب موسكو في تخفيض القوات المسلحة الأوكرانية ويشمل ذلك الحد من حجم الجيش وعدد الأسلحة. وبالتوازي مع ذلك، وقف التعبئة، والبدء في التسريح، وتجميد تسليم الأسلحة الأجنبية، وعدم وجود قوات أجنبية على أراضي أوكرانيا.
-في مطلب آخر، ضرورة إجراء كييف تغييرات سياسية داخلية منها حظر الأحزاب أو المنظمات القومية، وحظر ما تسميه روسيا الدعاية النازية أو النازية الجديدة. وكان بوتين قد أعلن يوم 22 شباط/فبراير 2022 أن هدف الحرب هو القضاء على ما اعتبره «النظام النازي» في كييف.
-اعتراف كييف بالحقوق المشروعة للأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية والذين لهم ثقافة روسية. ومن ضمن ما بررت به شنها الحرب ضد كييف هو حماية هؤلاء الأوكرانيين الذين يميلون لروسيا.
-أن تتنازل أوكرانيا عن أي حق مستقبلي في المطالبة بالتعويض عن الأضرار والدمار والتعويضات المتعلقة بالحرب، بما في ذلك دعاوى جرائم الحرب.
وأخيرا، رفع العقوبات وإعادة الأصول الروسية المجمدة تشمل بعض الشروط رفع العقوبات أو تخفيفها، واستعادة روسيا حق الوصول إلى أصولها المجمدة في الدول الغربية.
وتدرك روسيا جيدا تراجع الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا بسبب الاستنزاف الذي تعاني منه مخازن السلاح الأوروبية وفي ظل رغبة واشنطن في التقليل إلى الحد الأدنى من تسليح القوات العسكرية الأوكرانية، ولهذا تراهن موسكو على هذه اللحظة التاريخية لفرض شروط سلام قاسية للغاية مقابل إنهاء الحرب.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية