تجريد العراق من أسس مقوماته

زعم الغرب الأمريكي بعد احتلاله للعراق في 2003، من خلال قراءة بعيدة كل البعد عن الموضوعية للمشهد العراقي، على أنه نموذج بلد «مُصطنع» فرضته معاهدة سايكس ـ بيكو في 1916، ضاربا عرض الحائط مقومات التاريخ البشري والحضاري لبلاد الرافدين، وأسسها المتينة في ولادة العراق على هذه الأرض. وتوافقا مع هذه الرؤية الغربية، لم تجد طروحات البعض بالشأن العراقي شيئا يناسب أسس تأثيره على جيرانه في الشرق الأوسط إلا الطعن بحقوقه وتاريخه، محاولين بين حين وآخر، الزج والتشكيك في وجود هذا الأصل الثابت في التاريخ، ومن ثم إنكار الحق العراقي على كامل ترابه ومياهه وتسهيل إهدائها لجيرانه. وكالسابق تصاعدت في الآونة الأخيرة حدة اتهامات العراقيين على ضم أجزاء جديدة من بلدهم إلى جيرانهم، من خلال إقرار اتفاقية خور عبد الله، التي وصفوها بـالمذلة، نتيجة لقرار المحكمة الاتحادية التي ضمنت تنفيذها، على الرغم من صعوبة تمريرها من قبل أغلبية ثلثي مجلس النواب، إذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية توفر الشروط الأساسية التي تفرضها الشرعية النيابية، في الموافقة على الاتفاقيات الدولية، وفق  ما نص عليه الدستور العراقي.

لم يكن باستطاعة النظام السياسي العراقي ضمان الدفاع في إدارة شؤون الدولة العراقية وحقوقها السيادية، نتيجة لتفاقم أزمة الحكم بسبب غياب الإرادة الوطنية كشرط في الحفاظ على السيادة

وكالعادة ترجمت أزمة اتفاقية خور عبد الله، على أنها حلقة أخرى في مسلسل انتهاك حقوق العراقيين على ثرواتهم وحقوقهم التاريخية، بعد أزمة بناء ميناء مبارك على الحدود العراقية البحرية، التي أثرت وانتهكت سيادة العراق، وأنهت آخر ما تبقى له من الممر المائي في الخليج العربي. وبهذا كُتب على العراق أن يبقى على هذه الحالة من الاختلاف والتناحر لملابسات من نوع جديد تتعلق بشرعية الثوابت العراقية، وحقوق الدولة الإقليمية التاريخية في الخليج العربي، فيما يخص مُلكية نفط العراق في الآبار الحدودية والعمق الإقليمي البحري في الخليج.
وهنا لا بد من التذكير في أن معاهدة (سايكس بيكو) السيئة الصيت، أغفلت القيمة التاريخية والحضارية الكبيرة لبلاد الرافدين، بعد أن تم إضعاف هذه الحضارة في حدود بحرية ضيقة في الجنوب، وهي الحدود الوحيدة التي تسمح للعراق بمنفذ بحري استراتيجي ومعقول، خلافا لما تتمتع به الدولة الجديدة والصغيرة نسبيا، التي رسمتها هذه المعاهدة نفسها في جنوب العراق، والمتمثلة بالكويت، حيث خُصص لها وبجرة قلم الجزء الرئيسي من المنفذ البحري، لتتقاسم الجزء الأكبر مع إيران، بينما تم السماح للعراق بفتحة صغيرة ومحدودة على مياه الخليج لا تتناسب مع الموقع الاستراتيجي والتاريخي في خريطة الشرق الأوسط.
وقد يتساءل كل من له بصيرة وطنية عن الأسباب التي دفعت الدول العظمى إلى تحجيم المنفذ البحري العراقي على الخليج العربي، على الرغم من أهمية العراق الجغرافية والبشرية، مقارنة بحجم الكويت المتواضع، حيث لا يخفى على أحد أن أهم عناصر قوة الدولة وأهميتها يتطلب تناسقا ما بين حجم قوتها الاقتصادية والبشرية، وحجم جغرافية الموقع، وما تتمتع به من منافذ بحرية، ناهيك عن طبيعة اتصالها الجغرافي بالدول المجاورة، وحجم الدولة ومساحتها وشكلها، وطول حدودها، وهذا ما ينطبق على العراق، ولا ينطبق على جارة العراق في الجنوب. فشتان ما بين شعارات الرفض العراقي الرسمي والشعبي المناهض للتقسيم الاستعماري لمدينة البصرة (واستقلال الكويت)، وشعارات العراقيين اليوم الرافضة لاستغلال إمارة الكويت للعراق المُراد منه خنق وغلق ممراته الحيوية الملاحية.
في المقابل لم يكن باستطاعة النظام السياسي العراقي من ضمان الدفاع في إدارة شؤون الدولة العراقية وحقوقها السيادية، نتيجة لتفاقم أزمة الحكم بسبب غياب الإرادة الوطنية كشرط لا غنى عنه في الحفاظ على السيادة، ناهيك من غياب البوصلة الوطنية القادرة على درء الأخطار في مسار وطني وموضوعي، يكفل للعراق الحفاظ على موقعه الإقليمي، كبلد مهم بعد تحوله من قوة واحدة مؤثرة يُحسب لها كل الحسابات، إلى تجمع قوى قومية ومذهبية، لا تعير الأهمية لمبدأ الولاء للعراق، وتتأثر بمطامع محيطها المجاور، وتداعيات معادلته الإقليمية، التي تعبر في الوقت نفسه عن الضعف الكبير الذي تمثله الدولة العراقية في مجال حقوقها السيادية مع جيرانها، منذ الاحتلال الأمريكي في 2003 بعد صدور قرار مجلس الأمن القاضي بدفع تعويضات كبيرة إلى الجانب الكويتي، ناهيك من إعادة ورسم جديد للحدود في ظل الاحتلال، وعلى حساب أراضي العراق ومياهه الإقليمية المُحتلة.
لا شك في أن القبول بتمرير اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله، يُمثل تنازلاً واضحا للسيادة العراقية، وهو حلقة من مسلسل تفتيت العراق الواحد في ظل معادلة إضعاف نظامه السياسي بعد احتلاله، ومن ثم تجيير نتائج غزوه الى دوافع جديدة تضمن تدمير هذا البلد الغني بإنسانه وثرواته، من خلال استغلال ضعف الدولة العراقية التي يتحمل وصولها لهذا الحد، الزعماء السياسيون العراقيون أنفسهم، نتيجة انخراطهم في المساومات والمقايضات السياسية بعد ان أضحى مستقبل البلد ونظامه السياسي وسيادته شأنا خارجيا تدفع ثمنه دولارات الآخرين نتيجة لغياب قيادة وطنية قادرة على الدفاع عن سيادة العراق وحقوق ثروات شعبه على أرضه ومياه، من دون ان تنحرف إلى ولائها وأطماعها الفئوية، وهذا ما ساعد الدول الإقليمية من التغلغل في قضايا البلد المصيرية لإضعافه ومن ثم إذلاله.
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية