بين المطرقة والسندان!

تواصل جنوب افريقيا شقَّ طريقها الأخلاقي بثباتٍ نادر، في عالمٍ يتكاثر فيه المترددون، لتقف اليوم في مواجهة ضغوط أمريكية وإسرائيلية هائلة تريد ثنيها عن دعم فلسطين، وتهديدها بتدمير اقتصادها وطردها من مجموعة العشرين.
فبعد تسليم ملف الدعوى في نهاية 2023، سمعت بريتوريا تحذيرات مباشرة من الإدارة الأمريكية تقضي بقطع المعونات، وربما حرمانها من مواقع المشاركة الدولية إذا استمرت في مواقفها، وهو ما عبر عنه بوضوح حين أكدت الولايات المتحدة أن هذه الدعوى «من دون أساس» ووصفتها بأنها «عديمة الجدارة»، مطالبة جنوب افريقيا بالتراجع عن ملفها واعتباره «محاولة ضارة».
وتصر إسرائيل أيضاً على ملاحقة هذه الدعوى بموقف عدائي صريح، إذ سعت إلى إقناع دول، خصوصاً في الغرب: للضغط على جنوب افريقيا لانسحابها من القضية، بل طالبت أعضاء في برلمان الولايات المتحدة ومؤسسات ضغط أمريكية بممارسة ضغوط على بريتوريا لإسقاط الملف.
وتؤكد جنوب افريقيا في كل مناسبة أن فلسطين ليست قضية خارجية بالنسبة لها، بل مرآة تعكس ماضيها وتُذكّرها بواجبها الأخلاقي تجاه الشعوب، التي لا تزال تُسحق تحت وطأة الاحتلال والتمييز. وتدرك القيادة الجنوب افريقية أن هذه المواقف قد تُكلّفها الكثير في عالم تحكمه المعادلات الاقتصادية، لكنها ترفض تحويل مبادئها إلى أوراق للمساومة. وتستشعر القيادة أن صوتها بات يشكّل مصدر إزعاج للقوى الكبرى، التي تريد احتكار تعريف العدالة، وتحديد من يستحق التضامن ومن لا يستحقه، لكنها تصر على المضيّ في طريقها، لأنها تؤمن بأن العدالة ليست ملكاً لأحد، بل مسؤولية الجميع.

الشعوب المحررة من الظلم لا يمكن أن تصمت على الظلم حين تراه يتكرر أمامها، وأن من واجبها أن تُسمع صوتها ولو كلفها ذلك ثمناً غالياً

وتستحضر جنوب افريقيا ذاكرتها الوطنية كلما تصاعدت التهديدات الأمريكية والإسرائيلية، وتستند إلى تجربتها المؤلمة في مواجهة نظام الفصل العنصري، الذي لم يسقط إلا بعد أن اجتمع العالم العاقل على رفضه. وتعتبر أن الوقوف مع فلسطين ليس اختياراً سياسياً فحسب، بل واجب تاريخي تجاه من ساندوها في أصعب أيامها. وتواصل الحكومة التأكيد أن محاولة إسكاتها اليوم لن يغيّر حقيقة ما يجري على الأرض في فلسطين، وأن التهديدات الاقتصادية وتهديدات الطرد من محافل مثل، مجموعة العشرين ليست سوى محاولة لإخضاع صوتٍ يعلو دفاعاً عن الحق، وتواجه هذه الضغوط برباطة جأش لافتة، رافضة الانصياع للابتزاز، ومصرّة على تقديم ملف الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، رغم محاولات القوى الكبرى نزع الشرعية عن هذه الخطوة، وتقديم دعاوى مضادة للتهديد بأن هذه الدعوى «باطلة»، أو «لا علاقة لها بالقانون الدولي».
وتعتبر القيادة الجنوب افريقية أن بقاءها داخل مجموعة العشرين لا يمكن أن يكون على حساب مبادئها، وأن طردها من هذه المجموعة إن حصل، لن يغيّر من قناعاتها السياسية. وتصوغ خطابها بلهجة واضحة لا لبس فيها، خطابٌ لا يبحث عن مجاملة ولا عن توازنات شكلية، بل عن إعادة المعنى للإنسانية في عالمٍ مضطرب. وترى أن تهديد اقتصادها لن يغير حقيقة أن الاحتلال هو أصل المأساة، وأن دعم الشعب الفلسطيني ليس عملاً عدائياً تجاه أحد، بل موقف أخلاقي ينبغي أن يتخذه كل من يحترم كرامة الإنسان. وتؤكد أن خنق الاقتصادات الوطنية بسبب مواقف سياسية يعيد العالم إلى منطق الغاب، وأن الابتزاز الاقتصادي لن يكون بديلاً عن الحوار ولا عن احترام القانون الدولي، وتدرك أنها تسير على خط رفيع بين المصالح والمبادئ، لكنها تختار بوعي أن تقف على الضفة التي اختارها تاريخها. وتستوعب أن هذا الموقف قد يزعج بعض الشركاء الاقتصاديين، لكنه يعزز قيمها الداخلية، ويُرسّخ صورة الدولة التي لا تبيع ضميرها، وتستند إلى قناعة راسخة بأن الشعوب المحررة من الظلم لا يمكن أن تصمت على الظلم حين تراه يتكرر أمامها، وأن من واجبها أن تُسمع صوتها ولو كلفها ذلك ثمناً غالياً.
وتواصل جنوب افريقيا لعب دورٍ متقدم في إعادة الاعتبار للمعايير الأخلاقية في العلاقات الدولية، رافضة تحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية تُستخدم لخدمة الأقوياء فقط. وتحرص على أن تكون صوتاً حراً في نظام عالمي يتقلّص فيه عدد الأصوات المستقلة. وتُظهر من خلال موقفها أن التضامن الحقيقي لا يُقاس بحجم البيانات الرسمية، بل بمدى الاستعداد لتحمّل تكلفة هذا التضامن.
تُثبت جنوب افريقيا من جديد أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها الاقتصادية، بل بقدرتها على الدفاع عن الحق حتى في أحلك الظروف، وتؤكد أن العدالة ليست قراراً تتخذه الدول الكبرى، بل قيمة تُصان بفعل الشجعان. وتعلن عبر مواقفها أن فلسطين ستبقى في قلب ضميرها الوطني، وأن تهديداتها الاقتصادية، أو الإقصائية لن تزيدها إلا إصراراً. وتؤمن بأن الشعوب التي تنتصر للحق تكتب مستقبلها بأقلامها لا بما يُملى عليها، فهل يكرر التاريخ نفسه في الصراع بين جنوب افريقيا وإسرائيل؟ ننتظر ونرى!
ملاحظة: تم كتابة هذا المقال باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي
كاتب فلسطيني
s.saidam@gmail.com

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية