بين «الجنوب المعولم» وأمم الجنوب

يجري الحديث بكثرة خلال السنوات الأخيرة عن دور مهم لدول الجنوب، نظرا لديناميتها في القطاعات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية إلى مستوى التأثير في القرار الجيوسياسي الدولي، مثل دعوى جنوب افريقيا ضد إسرائيل بسبب جرائم ضد الإنسانية، ثم رفض هذه الدول الانحياز الأعمى للغرب في الحرب الروسية -الأوكرانية. ومن ضمن الإشكاليات المطروحة هي تسمية هذه الدينامية الجديدة لاسيما بعد بدء استعمال مصطلح غربي وهو «الجنوب المعولم» وكأن الغرب سيبقى إلى الأبد وصيا على إطلاق الأسماء والصفات على حركات الجنوب، سواء السياسية أو الثقافية.
وعموما، يستعمل مثقفو وإعلاميو الجنوب، عددا من المصطلحات في الحقل الأكاديمي، وفي المجال الإعلامي، من دون الانتباه في الكثير من الأحيان لحمولتها المعرفية والسياسية التي تعكس مواقف غير بريئة ترمي إلى التغليط الناعم. ويجري التعامل معها بنوع من الثقة والبراءة، بحكم أنها صادرة عن وسائل إعلام محترمة ومن طرف جامعات غربية مرموقة. وعادة ما تكون في طيات هذه  المصطلحات قيم متناقضة مع القيم التي تؤمن بها شعوب الجنوب والمواقف التي تدافع عنها. وهي تدخل عموما ضمن التصور الذي أرساه الغرب، خلال العقود الأخيرة في التعاطي مع الجنوب تحت يافطة «ما بعد الكولونيالية»، بمعنى أن أمم الجنوب ستبقى رهينة التصور الذي يضعه الآخر.
المصطلحات التي تحمل اسم «الجنوب» تعني المصطلح العاكس للتصور الذي يعوض آخر له دلالة تبخيسية، ويجري استعماله منذ عقود في مختلف التخصصات، وعلى رأسها الاقتصادية، وهو مصطلح «العالم الثالث»، الذي صاغه الاقتصادي ألفريد سوفيه سنة 1952، ويعكس ترتيبا لشعوب ودول العالم تماشيا مع تطورها الاقتصادي، حيث يختزل مفهوم وإيحاء مصطلح العالم الثالث في «العالم المتخلف». وكم من باحث أكاديمي غربي استعمل تعبير «الدول المتخلفة» في حديثه عن دول الجنوب، واعتمد في هذا على المعايير التي تقوم بتقييم قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والشغل والحريات. وتستند الأمم المتحدة إلى هذه المعايير في تصنيفها السنوي لقياس التنمية في العالم. وعمليا، يجب التحفظ على استعمال تعبير أو مصطلح «الجنوب المعولم»، لأنه ترجمة لتصور غربي بدأ استعماله بشكل نادر منذ سنة 1969، ووضعه الأمريكي كارل أوغلسبي، في مقال له في مجلة «كومونويل»، خلال حديثه عن الاختلالات بين الشمال، وما سماه «الجنوب الشامل»، وجرى لاحقا تعويض مصطلح الشامل «بالمعولم»، وهو المتداول في المنتديات الغربية مؤخرا، وبدأ ينتقل إلى الجنوب. وكلمة «المعولم» مشتقة من تصور ومفهوم العولمة، التي تبقى دينامية اقتصادية وسياسية وثقافية متناقضة، وروح نهضة الجنوب الآخذة الآن في التشكل، لأن فوائد العولمة على الجنوب كانت كارثية في بعض الأحيان، فقد أعاقت التطور الطبيعي للمجتمعات وفرضت عليه دينامية لا يمكنه مسايرتها، إلا بالقروض المجحفة التي تسبب في انهيار دول. ورغم تعارضه مع المصطلح التبخيسي «العالم الثالث»، إلا أنه يبقى من المصطلحات المرتبطة بالدينامية الفكرية التي شهدها الغرب تحت عنوان «ما بعد الكولونيالية»، وهي مصطلحات ترتبط في الترتيب والتصنيف والتصور، بحركية الآخر في رؤيته لنا، الذي هو الغرب وليس نتاج دينامية فكرية من الجنوب.

دول الجنوب هي الدول التي لم تستفد من الثورة الصناعية التي شهدها الغرب منذ ثلاثة قرون، وهي بمفهوم سياسي الدول التي عانت من الاستعمار الغربي، منذ بدء الاكتشافات الجغرافية الكبرى

وقد يكون مصطلح «أمم الجنوب» مناسبا، فهو يشمل معظم الأمم التي تقع جغرافيا في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. ووفق مفهوم اقتصادي، هي الدول التي لم تستفد من الثورة الصناعية التي شهدها الغرب منذ ثلاثة قرون، وهي بمفهوم سياسي الدول التي عانت من الاستعمار الغربي، منذ بدء الاكتشافات الجغرافية الكبرى. وحسب المفهوم الجيوسياسي فهي الدول التي تطمح إلى استقلالية قرارها السيادي بدل أن تبقى في فلك القوى الكبرى، وتطمح إلى المشاركة في صنع القرار العالمي، عبر المشاركة الفعالة في مؤسسات مثل منظمة الأمم المتحدة بعدما بقيت لحقب طويلة في موقع الضحية والمتفرج. وبالتالي، تسعى إلى التنسيق المشترك من أجل بناء تكتل استراتيجي، قادر على الصمود في مواجهة هيمنة القوى الكبرى. ووفق مفهوم تاريخي وهو الأهم أن الجنوب مكون من بعض الأمم ذات التاريخ العريق، التي أسست للحضارة الإنسانية وكانت الأطول زمنيا مثل، حضارة بلاد الرافدين وحضارة الفراعنة وحضارة اليمن والحضارة الإسلامية وحضارة الأزتك والمايا في جنوب ووسط القارة الأمريكية. وقد انبثقت عن هذه الحضارات أمم يستمر وجودها بصيغة أو أخرى في حقبتنا الراهنة، وتاريخها البعيد والقديم هو حافز وبوصلة لها لاستعادة أمجاد الماضي في المستقبل.
تدمج بعض الكتابات الجيوسياسية قوى كبرى مثل روسيا والصين ضمن أمم الجنوب. والواقع أنه من الصعب قبولهما، فهما لا تعتبران من الجنوب، لأنهما دولتان لهما تأثير كبير في صنع القرار العالمي، بسبب قوتهما العسكرية والاقتصادية، وتمتعهما بحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، هذا المجلس الذي تطمح أمم الجنوب إلى إصلاحه، ومثل الغرب، لن تتعامل موسكو وبكين مع أمم الجنوب كحليف استراتيجي دائم، بل قد تكرر سياسة الغرب، وإن بدرجة أقل، في التعاطي معها ككيانات تريد استقطابها لتدور في فلكها وليس كشريك وحليف  مستقل في صنع القرار. واستنادا إلى التوجهات ونوعية الحوار والأحداث التاريخية، تبقى الصين وروسيا الأقرب سياسيا واقتصاديا وعسكريا إلى دول الجنوب مقارنة مع الغرب. ويكفي أن الصين رغم قوتها حتى بداية القرن التاسع عشر لم تكن توسعية مثل الغرب المسيحي.
كاتب مغربي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية